تحية للجبهة الشعبية في ذكري انطلاقتها وملاحظات على مسيرتها وكيف تعود لدورها الطليعي والمميز

حجم الخط

في ذكري انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قبل 53 عامًا، وبعد فترة وجيزة من هزيمة حزيران، هذه المناسبة العظيمة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني والعربي التي تحتفي بها الجبهة ومعها الشعب الفلسطيني وأمتنا العربية وكافة الشعوب المحبة للسلام وقوى الحرية والتقدم في العالم. هذه الذكرى التي تترافق في كل عام مع ذكرى انتفاضة الحجارة، وهنا لا بد من البدء بتوجيه التحية كل التحية لهذه الانتفاضة العظيمة وما حققته من إنجازات؛ التحية لكل من شارك فيها وساندها؛ التحية والتقدير للشهداء والجرحى والمعتقلين وقود هذه الانتفاضة. لقد حققت هذه الانتفاضة الكثير من المنجزات الكبري وكان بالإمكان أن تحقق المزيد، لولا التآمر عليها واجهاضها، من قبل القيادة المتنفذة، وايقافها في منتصف الطريق قبل الوصول إلى هدفها وشعارها الحرية والاستقلال. لا بد ثم من توجيه التحية، تحية الاعتزاز والتقدير لهذا التنظيم العظيم الذي شكّل بوضوح رؤيته وفكره الثوري، وكذلك مواقفه السياسية الصلبة والواضحة، وتضحياته والتصاقه بالجماهير الشعبية وإيمانه بتحرير فلسطين، كل فلسطين، ورفضه للتنازل واعتماده خيار الكفاح المسلح؛ خيار المقاومة خيارًا بدونه يستحيل تحقيق أهداف شعبنا في الحرية والاستقلال ودحر المشروع الصهيوني الامبريالي الرجعي وهزيمته.

تحية لهذا التنظيم المتجذر في صفوف الشعب، وجذوره تمتد عميقة في الأرض الفلسطينية لن يتمكن أحد من اقتلاعها؛ التحية لهذا التنظيم العظيم الذي شكل منذ انطلاقته نموذجًا كفاحيًا وسياسيًا وفكريًا ونضاليًا واجتماعيًا جديدًا، جاءت انطلاقته تعبيرًا عن حاجة ضرورية في الساحة الفلسطينية، وليس تعبيرًا عن ترف، أو إضافة كمية لما هو موجود، بل كانت إضافة مميزة على كل الصعد وحقق نجاحات كبيرة، وكان ولازال، رغم بعض الاخفاقات التي رافقت مسيرته وبعضها كبير، يشكل أحد أعمدة النضال الوطني والثورة الفلسطينية على امتداد تاريخهما، وقد تموج دوره صعودًا وهبوطًا؛ أصاب وأخطأ؛ نجح وأخفق؛ تقدم وتراجع، لكنه بقي متمسكًا بالهدف الاساسي الذي انطلق من أجله، وبقي رافعًا الراية الفلسطينية؛ راية الكفاح والتحدي؛ راية الوقوف في وجه كافة مؤامرات التصفية، ولم ينحرف كما فعل غيره وبقيت بوصلته تؤشر إلى فلسطين.

ولا أبالغ حين أقول أن الجبهة ما زالت تشكل عمودًا وركنًا أساسيًا من اركان البناء الوطني الفلسطيني إذا انهارت؛ إنهار معه مجمل البناء.. تحية لهذا التنظيم الذي قدم الالاف من الشهداء والجرحي والمعتقلين.. تحية للجبهة التي تقدمت الصفوف دومًا دفاعًا عن فلسطين وعن منظمة التحرير الفلسطينية والوحدة الوطنية وقدمت نموذجًا مشهودًا في الرؤية والممارسة.

في هذه المناسبة، وقبل أن أدخل في عمق هذه المقالة لا بد لي، بل من واجبي أن أتوجه أولًا بالتحية للرفاق الأوائل اللذين اسسوا هذا التنظيم؛  تحية للقائد الكبير د. جورج حبش القائد المؤسس الذي شكل نموذجًا ومدرسة في الفكر والممارسة والعطاء، وكان الأمين الأول الذي يتنحى عن الامانة العامة، وقدم بذلك درسًا للجميع، وخاصة اللذين يتمسكون بمناصبهم حتى الموت؛ تحية لأبي علي مصطفي؛ تحية لغسان ووديع وباسل الكبيسي؛ وتحية لأبي ماهر اليماني وصلاح صلاح؛ تحية لأبي نضال مسلمي وتيسير قبعة؛ تحية لحمدي مطر وأبي عيسي وصابر محي الدين؛ تحية لكل المؤسسين العظام؛ تحية لشادية أبو غزالة حين امتشقت السلاح، وقالت المرأة شريكة للرجل في المقاومة وفي كل شيء.

نتذكر في هذه المناسبة؛ جايل العرجا وباسل الأعرج وأشرف نعالوه و عمر النايف والأخوين الجمل وسامر العربيد وغيرهم الكثير الكثير من الشهداء، الذين اعتذر منهم جميعًا؛ بسبب عدم ذكر أسماءهم، لكنهم في قلوبنا دومًا.

التحية لأسرانا في سجون الاحتلال وفي مقدمتهم الرفيق الأمين العام للجبهة القائد أحمد سعدات الذي جسد مقولة العين بالعين والسن بالسن والرأس بالرأس، وللرفيقة خالدة جرار، ولكافة الرفيقات والرفاق المعتقلين تحية لهم، كل باسمه، وواحدًا واحدًا، وهم يجسدون بصبرهم وتحديهم إرادة شعبنا كما جسدها أخيرًا ماهر الأخرس والذي أخرس الجميع وانتصر على الاحتلال. التحية كل التحية للرفاق الجرحى اللذين لا زالوا يحملون اوسمة الشرف والعزة على أجسادهم.. التحية كل التحية، في هذه المناسبة لقيادة الجبهة ممثلة بمكتبها السياسي ولجنتها المركزية وعموم كوادرها وأعضائها ومحبيها والتيار الواسع الذي تمثله فلسطينيًا وعربيًا وعالميا 

لقد مثلت الجبهة عبر تاريخها النضالي الطويل صفحة ناصعة مشرقة؛ يعتز بها كل من شارك في هذه المسيرة ويعتز بها شرفاء الامة ومناضلوها. ورغم هذه المسيرة المعمدة بالدم والمجبولة بالتضحيات، مسيرة العزة والكرامة مسيرة الكفاح والشرف مسيرة الدفاع المتواصل، بلا تراجع ولا هوادة عن الثوابت، مسيرة الخط الفكري والسياسي الواضح الذي حدد منذ الانطلاقة مجموعة من الثوابت التي لا تراجع عنها؛ من تحرير كامل التراب الفلسطيني الي  لا تعايش مع الصهيونية، إلى أن صراعنا مع العدو صراع وجود، وليس صراع حدود، إلى اعتماد خيار المقاومة والكفاح المسلح؛ طريقًا للتحرير دون إهمال للأشكال الأخرى، إلي عدم المراهنة على قرارات الأمم المتحدة والرباعية الدولية، بل الرهان على الشعب ونضاله إلى التمييز بين الأنظمة العربية والحكام العرب، والتأكيد على أهمية البعد العربي للقضية الفلسطينية، والتأكيد أيضًا على البعد العالمي وأهمية دور القوي الديمقراطية ولجان المقاطعة.. الخ، في دعم صمود ونضال شعبنا وتعرية العدو... من حق الجبهة علينا، ومن واجبنا نحوها، وقبل أن نسجل الملاحظات النقدية والتي قد تكون قاسية في بعض الاحوال ان نسجل ايجابياتها ودورها، حيث حملت الراية طوال هذه السنوات، ومازالت، رغم كل الضغوطات وعمليات الاعتقال اليومي والملاحقة؛ من قبل أجهزة العدو وبالتعاون مع أجهزة السلطة ومن خلال التنسيق الأمني والزج بهم في السجون أو من خلال الضغوط المالية والحصار المالي المفروض من قبل السلطة تنفيذًا لقرار أمريكي إسرائيلي، في محاولة بائسة لإخضاع الجبهة وتركيعها..!

وبعد الاضاءة التي قدمتها وشملت الكثير من العناوين سأتعرض لمجموعة سريعة من الملاحظات النقدية والأخطاء التي وقعت بها الجبهة في مسيرتها، ليس من موقع الذم والشتم والتشفي، وإنما من موقع معرفتي التامة: أن الجبهة كيان مكون من بشر والبشر تخطيء وتصيب، وليس هناك من هو معصوم، وبالتالي من "الطبيعي" أن تقع الجبهة في أخطاء؛ عبر هذه المسيرة الطويلة، والمهم أولًا الاعتراف بالخطأ والعمل على تصحيحه.

إن ما سأسجله من ملاحظات يأتي انطلاقًا من فهمي أن مثل هذه المناسبات ليست للاحتفال فقط، وتقديم التهاني، وإنما والأحزاب والتنظيمات، تتقدم من خلال هذه العملية الحيوية. وفي هذا الإطار أري من واجبي أن أتقدم بمساهمة متواضعة في عملية التقييم لتجربة الجبهة، خاصة بعد اوسلو، هذه العملية التي أدعو إلى أوسع مشاركة فيها؛ من قبل المفكرين والمثقفين الفلسطينيين والعرب؛ من أجل وضع اليد على ما ترافق مع هذه التجربة من أخطاء وثغرات،  لا بد أن يعمل العقل الجماعي من داخل الجبهة وخارجها وعبر عملية حوار هادفة للبحث عن مخارج موضوعية وعملية تتصدى لهذه الأخطاء وتعالجها، حيث أقترح هنا أن تنظم الجبهة سلسلة من حلقات الحوار؛ تشارك فيها مختلف الكفاءات والطاقات من المفكرين والمثقفين والمناضلين الفلسطينيين والعرب، لبحث هذا الموضوع، خاصة أن الجبهة لا تعني فقط أعضائها، بل هي محط اهتمام تيار جماهيري واسع لا بد أن يكون له دوره في التقييم ومراجعة التجربة ورسم الخطط المستقبلية؛ من موقع أن الجبهة ليست مشروعًا تعود ملكيتها فقط لأعضائها، وإنما هي مشروع وطني تعود ملكيته لمجمل الشعب الفلسطيني ومن حقه أن يمارس دوره في المراجعة التقييم.. والآن نتوقف عند أهم محطات المراجعة بشكل سريع:

أولًا. في الجانب السياسي

رغم وضوح الفكر السياسي للجبهة الشعبية منذ انطلاقتها، حين حددت موقفها السياسي ورسمت استراتيجيتها منذ التأسيس في كتاب الاستراتيجية السياسية والتنظيمية الذي يعتبر من أهم الوثائق المرجعية، وحددت فيه الرؤية السياسية والتنظيمية، إلا إنها وقعت في مجموعة من الأخطاء، يمكن إيراد بعضها كالتالي:

1_ تغليب الجانب السياسي على الجانب التنظيمي في إطار الوحدة الوطنية، حيث كانت تركز دومًا في الحوارات على أهمية الخط السياسي، وأن تتبنى المنظمة مواقف واضحة، ولم ترفق هذه المسألة بالجانب التنظيمي ودور الجبهة ومشاركتها في المؤسسات (المجلس الوطني والمركزي واللجنة التنفيذية ودوائر المنظمة المختلفة والمشاركة في السفارات على سبيل المثال.. الخ)، ورغم التفهم لموقف الجبهة بتأكيدها على وضوح الموقف السياسي، كان يجب أن يترافق ذلك مع الجانب التنظيمي، حيث علمتنا التجربة أن اي قرار سياسي أو غيره، يحتاج إلى قوة تنظيمية لتطبيقه، وقد عودتنا القيادة المتنفذة، منذ ياسر عرفات حتى الآن، على الخروج عن القرارات، ولو كنا نتمتع بحجم مشاركة أكبر لكان دورنا في حماية القرارات أكبر، وقد أدى كل ذلك إلى ضعف دورنا على صعيد منظمة التحرير.

2_ الموقف من أوسلو. لقد مثلت اتفاقيات أوسلو بمحتوياتها ومضامينها؛ واقع وتحدي جديدان تم التعبير عنهما بوضوح من خلال خروج القيادة المتنفذة في منظمة التحرير عن الصف الوطني، برغبة منها وانحازت إلى المشروع الأمريكي الصهيوني، بكل تجلياته، وتخلت عن البرنامج الوطني، وذلك انسجامًا مع مصالحها الذاتية مقدمة إياها على المصلحة الوطنية، ولم يأتِ هذا صدفة وإنما جاء نتيجة لمخططات رسمت منذ زمن بعيد، حيث تشكلت وبرزت ونمت شريحة في الساحة الفلسطينية من السماسرة والعملاء والمقاولين والتجار ارتبطت مصالحهم عضوياً مع بقاء الاحتلال ومع مصالحه، وواهم من يتصور أن هذه القيادة ممكن أن تعود للوحدة الوطنية والخط الوطني. لقد حسم الأمر بالنسبة لها، حيث نشهد حالة استسلام كاملة من قبل القيادة الرسمية المتنفذة، وبشكل موثق كونها انحازت للدفاع عن دولة العدو وحماية مصالحها عبر التنسيق الأمني ووضعت نفسها في مواجهة الجماهير. سلطة أصبحت وظيفتها حماية الاحتلال وقمع المناضلين واعتقالهم والزج بهم في السجون والتبليغ عنهم، وقيادة قالت لنا في عام 1974 عند اقرار البرنامج المرحلي؛ إنها تريد تحرير فلسطين على مراحل، والآن نجد أنفسنا اليوم أمام قيادة تتنازل عن فلسطين على مراحل، والسؤال المهم بعد كل هذه التجربة وعملية الخداع؛ هل بقي هناك مجال للتعاون والتعامل معها؟ أم يجب التصدي لها ومحاربتها وكشفها أمام الجماهير باعتبارها أصبحت جزءًا من مخطط تصفية الشعب الفلسطيني؟

نحن أمام واقع جديد ومرحلة جديدة لا نستطيع التعامل معها بنفس البرامج والوسائل والأدوات القديمة، وللأسف استمرت الجبهة بتعاطيها مع هذه الأمور بنفس الطريقة والعقلية، وعل سبيل المثال، كيفية التعاطي مع الوحدة الوطنية؛ هل يجوز أن التعاطي معها قبل أوسلو وبعد أوسلو بنفس الطريقة والتفكير، وقبل الاعتراف بإسرائيل وبعد الاعتراف بنفس الأسلوب..؟!

وفي تقديري المتواضع أن الجبهة لم تتعاطَ بالشكل الصحيح وأخطأت، وإذا كان التنازل عن 78% من فلسطين خيانة؛ كيف نستمر في الوحدة مع من تنازل؟! وإذا قلنا أن هذا التنازل، ليس خيانة، تكون هنا المصيبة أعظم وأكبر. لقد أخطأت الجبهة في التعامل مع هذا الموضوع، رغم أنها حللت هذه النقلة النوعية، وحددت مخاطرها، لكن كيف كانت النتيجة؟ ولماذا فشلنا في عملية التصدي لذلك؟ إن المطلوب وقفة مراجعة جادة؛ تستخرج الدروس وتعطي إجابات واضحة على كل ذلك.

وفي ضوء ما وصلت إليه الأمور بات من الضروري والواجب أن نفكر جديًا وبقوة بطرح الخيار البديل الذي يُسقط هذه القيادة ومعها مشاريع التصفية ويسير بالثورة إلى الأمام، نحو تحقيق هدفها وإنجاز برنامجها الوطني، كما علينا أن نعيد الاعتبار للوحدة الوطنية على قاعدة التمسك بالمنظمة ممثلًا شرعيًا وحيدًا، وهذا مكسب لا يجوز التخلي عنه، ولكن استنادًا إلى الميثاق الوطني الأصلي؛ وهنا كيف تعاملت الجبهة مع هذا الموضوع؟

إن منظمة التحرير والوحدة الوطنية ليست هي الهدف إنما الوسيلة، والهدف هو تحرير فلسطين، والمقدس هي فلسطين، والمنظمة والوحدة مقدسة بمقدار ما تقربنا من فلسطين ونبتعد عنها بمقدار ما تتخلي عن فلسطين.. هل أحسنت الجبهة التعامل مع هذا الموضوع؟ّ! كيف يمكن للجبهة أن ترفض أوسلو وتتعامل معه في نفس الوقت. وهنا أقول أن الجبهة أخطأت في خوض الانتخابات التشريعية والمشاركة فيها، مما أثار بلبلة لدي جماهيرها وأعضائها؛ وكيف للجبهة أن تشارك في انتخابات الرئاسة أيضًا؛ من خلال دعم أحد المرشحين وعلى قاعدة أوسلو؟!

ثانيًا. في الجانب التنظيمي

من الضروري التركيز على أهمية البعد التنظيمي؛ كون التنظيم هو الأداة التي تحمل المشروع وتسير به نحو إنجازه. إن التجربة، وخاصة في السنوات الأخيرة تشير إلى أن تراجعًا قد حصل وأن أمراضًا قد علقت في جسم التنظيم، لا بد من التخلص منها، والمطلوب تصليب البنية الحزبية وتعميق الديمقراطية ومحاربة الترهل وعدم الالتزام، والتجديد الدائم في الفكر والممارسة والقيادة وبناء الكادر القادر ووضع الرفيق المناسب في المكان المناسب، والسؤال: هل نجحنا في ذلك؟ بكل امانة وثقة أقول: إننا أخفقنا في الكثير من هذه الأمور والأمثلة متعددة، لا يسمح المقال بتناولها هنا، مما كان له الأثر السلبي الكبر وعلى الجبهة أن تراجع وأن تنفض الغبار عنها.

وسوف أتوقف هنا عند نقطة واحدة لما لها من أهمية، وهي كيف تعاملت الجبهة مع عشرات الكوادر والقيادات والمئات من الأعضاء اللذين غادروا صفوفها، وكل له أسبابه؟! نتفق أو نختلف معها، ولكن الأغلبية الساحقة منهم حافظت على الانتماء الوطني وتمسكت بالموقف السياسي الذي مثلته وتمثله الجبهة. والسؤال هنا أيضًا: هل تعاملت الجبهة بشكل سليم مع هذا الأمر؟!

أجزم أنها أخطأت وعليها المراجعة: كيف يمكن اعتبار من غادر التنظيم وما زال يعطي أنه متساقط؟ إنها نظرة ضيقة للأمور تحتاج إلى تقويم. كيف يمكن إهمال هذا الكم الكبير من المناضلين وعدم الاتصال بهم ومتابعتهم؟ وأين تكمن المشكلة؟ في اعتقادي أن المشكلة تكمن في عاملين: الأول الفهم الخاطئ لهذه الظاهرة، والتي تنتشر في كل أحزاب العالم وتنظيماته، والثاني.. يكمن في أن من يتحمل المسؤولية وواجبه المتابعة.. لا يقوم بدوره بسبب العجز أو عدم الكفاءة، وكلاهما يستحق العلاج دون ابطاء إذا أردنا الخروج من هذا الواقع، وإعادة الاعتبار للجبهة.  

ثالثًا. الجانب المالي

من المعروف أن الجانب المالي يكتسب أهمية خاصة في حياتنا (كدول.. مؤسسات.. شركات.. احزاب.. منظمات وأفراد.. الخ)، وللأسف بدون المال لا نستطيع ان نعمل ونطبق برامجنا، ومن المعروف أن كافة النظم عبر التاريخ ركزت على الجانب الاقتصادي؛ من النظام الرأسمالي إلى الاشتراكي.. إن الاعتماد على النفس مسألة أساسية، وهنا كيف تعاملنا مع هذا الموضوع؟ ولماذا فشلنا كمجموع ونجحنا كأفراد في المشاريع الاستثمارية؟! وكيف للحزب أن يعمل وينفذ برامجه ويقوم بواجباته إذا افتقد لعنصر المال واستند للآخرين في تمويله، وبالتالي يتحول إلى العجز تدريجيًا أو الي الاضطرار أن يكون تابعًا، وحاشا أن تكون الجبهة من هذا الطراز.. ولن تكون كما هو تاريخها وكما نعرفها؟!

تنظيم يحتفل بالذكرى 53 لانطلاقته، ليس مقبولًا أن يكون في هذه المعاناة، وهذا يتطلب وقفة جادة ومسؤولة للعمل لتجاوز هذا الوضع والخروج منه.

رابعًا. في الجانب الشعبي والجماهيري

لقد تراجع وزن ودور الجبهة مؤخرًا وعلى القيادة أن تعمل من أجل استعاد (الشعبية) للجبهة.. لقد ابتعدنا في الفترة الأخيرة عن التواصل مع الجماهير واكتفينا بالظهور في وسائل الإعلام، في الوقت الذي يجب فيه تعزيز حضورنا في أوساط الجماهير وبين الناس والجماهير بالنسبة للحزب كالماء بالنسبة للسمكة، والسؤال: هل نقوم بالتواصل كما يجب مع الجماهير؟ هل نزور المخيمات في لبنان و الأردن وما تبقى منها في سوريا؟ أم نكتفي بالعمل البعيد عنها؟

أعتقد أن الجبهة بحاجة للوقوف مجددًا امام هذا الموضوع وإعادة تقيمه وتبيان أين قصرنا؟

خامسًا. في الجانب الفكري والنظري

لقد أعطت الجبهة تاريخيًا لهذا الموضوع؛ أهمية خاصة، وصدر عنها العديد من الأدبيات والكتب، والعديد منها يجيب على الكثير من التساؤلات التي تواجهنا اليوم، وكان لديها مدرسة كادر وأرسلت اعدادًا كبيرة للدورات النظرية؛ إلا اننا في الفترة الأخيرة؛ نشهد تراجعًا على هذا الصعيد يصل إلى حد الجفاف أحيانًا.. ومن المعروف أنه عندما يغيب الإبداع النظري والفكري؛ تغيب الكثير من الأمور بحكم الترابط فيما بينها. وهنا لا أحمل القيادة فقط هذه المسؤولية، كون المسؤولية جماعية، ويجب أن يتصدى لها الجميع.

سادسًا. الجبهة واليسار الفلسطيني

تعتبر وحدة الفصائل اليسارية والتنسيق بينها من أهم العوامل التي تؤثر في الوحدة الوطنية، وفي القرار الفلسطيني. لقد قدم اليسار الفلسطيني عبر مسيرة الثورة آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، وكان له مساهمة كبيرة في الدفاع عن الثورة، وفي الانتفاضة الأولى والثانية وفي التصدي لأوسلو (رغم وقوع البعض في خطأ التعامل معه)، ولا يجوز إهمال دور اليسار (خاصة الجبهة الشعبية)، حيث قدمت الكثير مع غيرها وسجلت صفحات مشرقة؛ من المجد وكانت ركنًا أساسيًا في المقاومة والنضال. ورغم كل ذلك لم يستطع اليسار بكل فصائله أن يشكل قطبًا ثالثًا في الساحة الفلسطينية، مما أضعف دوره وأدى إلى تراجعه، والأسباب هنا متعددة يتشابك فيها الموضوعي والذاتي. لقد لعبت الجبهة دورًا كبيرًا ومميزًا في سبيل تحقيق هذه الوحدة، ومن وجهة نظري أن الجبهة لم تنجح رغم ما يميزها أن تفرض نفسها قطبًا قائدًا؛ يلتف حوله اليسار، ودون ذلك من الصعب إنجاز هذه العملية، وهذا ما قالته تجربة القيادة المشتركة والتحالف الديمقراطي والقطب الديمقراطي وغيرها؛ من التجارب والمسميات. إن هذ الامر يحتاج الى وقفة مراجعة وتقييم تتناول دور الجبهة ومسؤوليتها.

سابعًا. مسألة التجديد

لم يتم اعطاء الجهد الكافي لتجنيد الشباب وضخ دماء جديدة للحزب الشباب، هم المستقبل ومن يملك الشباب يملك المستقبل، والسؤال ماذا قدمت الجبهة لهم؟ وأين مشاركتهم في القيادة؟ لقد اصبحنا حزبًا متوسط أعمار قيادته فوق 65 أين هم الشباب؟

الأحزاب تشيخ كما تشيخ الأفراد، وعلينا مسؤولية التجديد، وهذا لا يعني اطلاقاً التقليل من دور الجيل القديم، فهو الذي يملك التاريخ والتجربة، والمسألة لا تتعلق بصراع الأجيال، كما يفهمها البعض، وإنما بتكامل أدوارها وتجربة الثورات في العالم تشير إلى ذلك: ألم يقد القائد فيديل كاسترو كوبا الثورة الصامدة والمنتصرة حتى بعد تجاوز ال 80 من العمر...؟ ألم يتزعم هوشي منة الثورة الفيتنامية بعد أن تجاوز ال 75 من العمر وبقي حتى وفاته وهو في ال 79؟ ألم يخرج نيلسون مانديلا من السجن ليتسلم الرئاسة في دولة جنوب إفريقيا، وقد بلغ من العمر ما يفوق ال 80 عاما؟ والامثلة من التاريخ كثيرة.

ثامنًا. في موضوع المرأة

تعتبر مشاركة المرأة ودورها في الثورة وفي أي حزب مهمة أساسية، أين نحن من هذا الموضوع؟ وما هو حجم المشاركة؟

رغم الدور الذي لعبته ولا زالت بعض الرفيقات اللواتي ننحني أمام تضحياتهن أمثال: ليلى خالد ورسمية عودة ومريم ابو دقة وسميرة صلاح وامينة دحبور والمناضلة خالدة جرار القابعة في سجون العدو؛ إلا أن نسبة مشاركة المرأة في الجبهة وفي القيادة لا زالت ضعيفة، وليست مرضية، وتحتاج إلى جهد متواصل يستند إلى برامج من أجل الوصول ذلك، وهذا الأمر يحتاج إلى تقييم جدي؛ يساهم فيه الجميع، خاصة الرفيقات للإجابة على السؤا:ل لماذا فشلنا في تأطير نسبة عالية من النساء؟

صحيح أن وضعنا أفضل من غيرنا، لكن المقارنة العلمية والصحيحة، لا يجوز أن تقوم مع الاخرين وإنما مع برنامجنا وطموحاتنا؛ حزب نسبة المرأة متدنية فيه، ولا ينجح في استقطابها ويفشل في تربية الكادر النسائي، ولا تكون المرأة فيه شريكًا فاعلًا ومؤثرًا؛ مشكوك في إمكانية نجاحه.

ما تقدم يشكل مجموعة من النقاط الأساسية التي أردت الإشارة لها؛ دون أن يعني ذلك أنه ليس هناك نقاط اخرى لا يتسع لها المقال.

إن الجبهة في هذه المرحلة أمام مهمة أساسية كبري، ألا وهي كيف تستعيد مجدها وهي تملك كل المقومات من أجل ذلك من خلال مغادرة الانكفاء والتردد وتقديم المبادرات؟

والحزب السياسي حزب تغيير وليس تفسير وتحليل؛ حزب مبادر يملك الإرادة لتحويل القرارات والمواقف إلى أفعال، ويخوض الصراع والمواجهة مع من يضع نفسه في الخندق الآخر كما هو الحال اليوم في الساحة الفلسطينية. بعد كل ذلك لا بد من التوقف أمام المهمات المطلوبة من الجبهة، والدور الواجب عليها القيام بها في هذه المرحلة، كما أراها ويراها الكثيرون:

1_ أن تعلن موقفًا واضحًا صريحًا يرفض بشكل حازم وقاطع قرارات القيادة المتنفذة الأخيرة؛ بعودة التنسيق الأمني والالتزام باتفاقيات أوسلو ومسار المفاوضات والالتفاف على مخرجات لقاء الأمناء العامين الذي عقد بتاريخ 3/9/2020، وعدم القبول بالمشاركة بأي حوار دون إلغاء هذه القرارات.

2_ الإعلان أنه لا حل دون التمسك بخيار المقاومة وممارسته فعليًا، بما يسمح بتغيير موازين القوى والذهاب إلى انتفاضة شعبية عارمة؛ يشارك فيها الكل الفلسطيني.

3_ الطلب من أبي مازن والقيادة المتنفذة؛ مغادرة أوسلو وسحب الاعتراف بدولة العدو والكف عن سياسة التنازل والسير ضمن مخططات العدو والعمل على خروج قيادة المنظمة ومؤسساتها من الداخل كونها واقعة تحت سلطة الاحتلال ولا وجود لقرار مستقل لها.

4_ أن تتم دعوة الفصائل الفلسطينية كافة إلى اجتماع عاجل؛ يشارك فيه ممثلون عن الاتحادات والمنظمات الشعبية، والشخصيات الوطنية الفلسطينية المستقلة وقيادات وكوادر فتح المعارضة لهذا النهج؛ من أجل البت في هذه الأمور وإقرارها، وإبلاغ هذه القيادة بهذا الموقف والطلب منها العودة إلى جادة الصواب والموقف الوطني كخطوة أولى وإذا رفضت واستمرت في موقفها وهذا هو الاحتمال الأغلب والمرجح، بعدها يتم الإعلان ان هذه القيادة سقطت ولا تمثل الشعب الفلسطيني والذهاب للدعوة لعقد  مؤتمرات شعبية داخل الأراضي المحتلة (المناطق التي احتلت عام 1948 والضفة و غزة التي احتلت عام 1967)، وفي كافة مناطق الشتات (في الدول العربية وأمريكا وأوروبا وأمريكا اللاتينية واستراليا وعموم المناطق التي يتواجد بها أبناء شعبنا تقوم بالتأكيد على الثوابت الوطنية الفلسطينية في تحرير كامل التراب الوطني وإقامة الدولة الديمقراطية على أرضه.

5_ التمسك بمنظمة التحرير؛ الملتزمة بالميثاق الوطني الأصلي، ورفض كافة التعديلات التي أدخلت عليه، ونسفت جوهره في مجلس غزة اللاشرعي استجابة لشروط أمريكا وإسرائيل، والإعلان: أننا نحن منظمة التحرير الحقيقية، وأن القيادة الفاسدة والمستسلمة، هي التي خرجت عن المنظمة، ولا يجوز أن نقدم لهم هدية الخروج منها، وهذه معركة كبرى لا بد من خوضها ومن الجبن والعار أن نتجنب خوض معركة لا بد منها.

وأخيرًا؛ أقول أن المطلوب من الجبهة الشعبية اليوم أن تعمل على انقاذ الوضع الفلسطيني وبمشاركة كل الوطنين المخلصين من أبناء شعبنا، وهي المؤهلة لتدق جرس الإنذار وتقرع جدار الخزان، وهي الحصان المجرب الذي تراهن عليه الجماهير، ورغم الإدراك الكامل للأوضاع الصعبة التي تعيشها الجبهة؛ من حملات اعتقال وملاحقات يومية لقيادتها وكوادرها وأعضائها ومن يؤيدها من قبل سلطات العدو يوميًا، ورغم فرض الحصار المالي عليها، من قبل السلطة ووقف مستحقاتها؛ تنفيذًا لقرار امريكي إسرائيلي كي يتم تطويعها، ولي ذراعها إلا أن هذا لن يحصل وستبقى الجبهة كما عودتنا عصية على الكسر والتركيع.

لا نريد أن نحمل الجبهة أكثر من طاقاتها، لكنها قادرة وبالتعاون والشراكة مع كل الشرفاء، أن تبادر وتلعب هذا الدور، وقد عودتنا الجبهة تاريخيًا أنها جمل المحامل الذي يحمل الهم الوطني على درب الخلاص.. ففي اجتماع عقد بتاريخ 5/12/2020 عبر تقنية "زوم"؛ شارك فيه 5 من قيادات الفصائل الرئيسة وعدد واسع من المناضلين والسياسيين والمثقفين الفلسطينيين والعرب (من منطقة 1948 والضفة وغزة ومن مناطق الشتات ) والإخوة المقاومين العرب من العديد من البلدان، وجميعهم لهم باع طويل في النضال، وقامات وطنية تؤكد هذه الحقيقة، حيث تم إصدار مجموعة من القرارات عن هذا اللقاء تم تضمينها في رسالة وجهت للقيادة الرسمية الفلسطينية وكافة الفصائل والقوى السياسية والجماهيرية، كان من بينها القرار الذي طالب الجبهة بتقديم مبادرة انقاذ وطني للخروج من هذا المأزق وتحمل مسؤوليتها.

ختامًا: قد أكون قسوت في توجيه النقد، ولكن كما يقول المثل (العتب على قدر المحبة والمأمول)، ولا نمارس النقد من موقع المتفرجين، بل المنخرطين في العملية النضالية.