القائد عبد الرحيم ملوح ابــو شريـــف قامـــة مـــن بلـــدي

حجم الخط

غادرنا عبد الرحيم ملوح صورة وصوتاً وجسداً إلى الأبد، لكنه باقٍ فيا كما كان مناضلاً مكافحاً، ذو مكانة وطنية رفيعة، وتاريخ مضيء في خضمّ أحداث ثورتنا المعاصرة، وحين يطال الموت قامة وطنية رفيعة، يتبادر السؤال إلى أذهان الأجيال الحديثة، (لماذا كان عبد الرحيم ملوح قامة وطنية كبيرة، وقائد وطني من الرعيل الأول...؟) من حق الأجيال الحالية من الشباب والشابات، ومن حقه علينا أن ننبش تاريخه ونقف على محطات كفاحه ودوره في ذروة الأحداث التي لازمت ثورتنا المعاصرة...

    لا يمكن لأي مواطن عادي أو مقاتل، أن يحتل المكانة الوطنية الرفيعة؛ إلا إذا كان فاعلاً ومؤثراً في الأحداث، وقائداً يتسم بالشجاعة والإقدام والجرأة، وقوة الإرادة هكذا كان أبو شريف،  عركته الحياة طفلاً وشاباً وشيخاً وحكيماً، وفي كل مرحلة من حياته كان له باع في التفاعل معها وفي أحداثها ومعاركها، فالمعاناة رافقته طفلاً منذ النكبة،  وسارت به إلى مخيم الجفتلك بالأغوار،  ليعاني شظف العيش، وصعوبة الحياة وويلاتها، ولعلها تلك القسوة هي التي أطلقت لديه الوعي الجنيني الوطني لمعنى الوطن، ومعنى الكفاح في سبيله، ولعلها هي التي دفعته شاباً في مقتبل العمر ينتسب إلى حركة القوميين العرب التي كانت نكبة فلسطين هي أحد أهم أسباب وجودها وغاياتها، بيد أن الرجل أراد أن يطرق الخزّان ليغادر مربع المعاناة،  وقساوة الحياة،  فقد كان ظمأه الوطني بحاجة إلى الارتواء، وحين رأى أن قطر ة الندى قد سقطت على روحه، وتجلّت بتأسيس (م.ت.ف) وتشكيل جيش التحرير الفلسطيني، واستشعر أن القمقم الفلسطيني بدأ يتململ، وأن الهوية الفلسطينية قد أزهرت حلماَ وأملاً ودفقاً وطنياً، ففاضت روحه الوطنية حماساً ومشاعر،  فانتسب إلى جيش التحرير الفلسطيني، وتدرّب على القتال عسكرياً في العراق، استعداداً لمعركة التحرير الموعودة، غير أن نكسة حزيران عام 1967 داهمته كما داهمت الأمة العربية، فيكون أو الفدائيين وأول الرصاص مع رفاقه من العرب وأبناء فلسطين، وكان له أول العمليات، ويعيش في قواعد الفدائيين، ويصاب في معركة الكرامة عام 1968، ويتحمل مبكراً المسؤولية العسكرية إلى جانب رفاقه، ثلاث سنوات في أغوار الأردن كان مقاتلاً، مثابراً، متنقلاً من شمالها إلى جنوبها،  ويثبت الرجل كفاءته ومقدرته على القيادة وعلى ممارسة القتال، لكنها كانت في ذات الوقت سنوات التحضير لوأد الثورة، فكانت أحداث ايلول الأسود، خاتمة الصفحات لتجربة الأردن،  وترحل الثورة ببعض أبناءها من عمان إلى جرش وعجلون،  ثم إلى لبنان، وينجو الرجل بفكره وبندقيته، وعناده،  وحماسه، وينتقل إلى لبنان ليخوض تجربة جديدة من الكفاح الوطني على مدار (12عاماً) لم يهدأ له بال في قيادة الجبهة الشعبية مع رفاقه، وتنقّل من مسؤولية إلى أخرى، دون أي ترفّع عن مهمة أو تكليف، حيث تبوّأ مسؤولية الأمن المركزي للجبهة، كما كان مسؤولاً لفترة زمنية لساحة الأرض  المحتلة، وفي أتون المعارك مع القوى الانعزالية وتقديرات الوضع الخطير في لبنان، يتحول مع عدد من قيادات الجبهة إلى العراق في سياق خلق قيادة خلفية تحسباً لمخاطر الوضع في لبنان،  وبعد فترة وجيزة يؤخذ قرار من (م.س) بنزوله مع الرفيق جميل مجدلاوي إلى الأردن،  لقيادة العمل السري هناك، وقد عمّد الرفيق تجربته العسكرية والسياسية والحزبية بتجربة اعتقاله في الأردن، بعد أن قبض عليه عام 1978 مع رفيقه جميل مجدلاوي، وأمضيا أكثر من عام زنازين النظام الأردني،  حيث أطلق سراحهما إلى العراق، ليتوجها بعدها إلى لبنان من جديد...

    وفي مؤتمر الجبهة الرابع يتم اختياره عضواً في المكتب السياسي للجبهة، اعترافاً في دوره وقدراته، ولم يمضِ عام على هذا المؤتمر حتى يبدأ الغزو الصهيوني عام 1982، ويصبح مسؤولاً عن قيادة الجبهة الشعبية في مواجهة الغزو، وينتقل من موقع إلى موقع ومن مكان إلى مكان،  ومن مجموعة إلى مجموعة، ويستحق الثناء عن قيادته للمعركة وشجاعته ودوره الكبير في قيادة العمل العسكري...

    وفي دمشق يصبح مسؤولاً عن الدائرة الحزبية والأيديولوجية، ويشكل رافعة تنظيمية لحزبه وإشرافه على مجلة الحياة الجديدة للحزب، وإيماناً منه بأهمية الوعي الفكري والوطني، ثابر على إرسال الدورات الحزبية والنظرية إلى الدول الاشتراكية لعدد كبير من الرفاق، حيث سجل نجاحاً في تجربة الدائرة الحزبية، وتمليك عدد كبير من الرفاق ناصية العلم والفكر الثوري والعلم الماركسي...

   وحين تم إشاعة الديمقراطية في الأردن في ضوء انتفاضة عام 1988، ينزل الرفيق مع عدد من كوادر الجبهة إلى الأردن مع بدء تباشير الديمقراطية في عام 1990، ويقوم بفتح مكتب للجبهة، يسجل حضوراً سياسياً وإعلامياً في الساحة الأردنية...

     وفي عام 1996 وبعد اتفاق أوسلو،  يعود الرفيق ملوح إلى بلده فلسطين مع عدد من الرفاق إبان انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، مستغلين عضويتهم في المجلس دون أن يحضروا المجلس،  ويصبح مسؤولاً عن الداخل في ظل الانتفاضة الثانية، وبعد اغتيال الشهيد أبو علي مصطفى ،  يتوّج الرفيق نائباً للأمين العام للجبهة أحمد سعادات، وفي عام 2005 يتم اعتقاله من قبل قوات الاحتلال، ويحكم سبع سنوات، أمضى منها أكثر من خمسة سنوات، لاقى فيها الكثير من التعذيب والضرب، بعد أن قاد عملية إضراب في السجون، مما أورثه مرضاً أوهن أعصابه حتى وفاته،  وكل المؤثرات تشير إلى دور الاحتلال في إعطائه أدوية في غاية الخطورة؛ تسبب له الموت البطيء.

    أما عبد الرحيم ملوح الإنسان، فقد كانت سجاياه الإنسانية مصدر احترام الكثير من القوى والفصائل والأفراد، بما يتمتع به من دماثة خلق، وروحاً مرحة، وتواضعاً، وتقربه الدائم من رفاقه بمحبة واحترام، وبقدرته على الحوار الديمقراطي المسؤول مع الكل الفلسطيني، وكان أحد أهم المحاورين في عدن والجزائر لوحدة الجبهتين الشعبية والديمقراطية في القيادة المشتركة، كما كان الداعي والمحفّز للتجمّع الديمقراطي، ولعل دوره في كتابة وثيقة الأسرى التي سميت بوثيقة الوفاق الوطني من داخل زنزانته مع القائد مروان البرغوثي، برهاناً على دوره الذي لم ينقطع يوماً في سبيل الوحدة الوطنية.

   هكذا كان عبد الرحيم في حياته، جندياً، وقائداً، وإنساناً، وحليفاً للمثقفين وأصحاب الوعي والفكر،  وكان يكتب في مجلة الهدف دورياً، طارحاً مواقفه الوطنية، ومركزاً على الوحدة الوطنية، وضرورة الحفاظ على (م.ت.ف) كممثل شرعي ووحيد في مواجهة أية بدائل مطروحة لشطب الرقم الفلسطيني، لهذا فقد استحق بعض النقد من هنا وهناك، فقط لأنه كان "مغالياً" في تمسكه بالخط الوحدوي في الساحة الفلسطينية، ولم يكن يوماً إلا ضد اتفاق أوسلو وتبعاته، ومنادياً بإلغائه،  وفصل السلطة عن (م.ت.ف) وإعلان بأن خياره هو (م.ت.ف) وليس السلطة.

   وهكذا فإن عبد الرحيم ملوح استحق المكانة الوطنية الرفيعة التي تشكّلت من واقع تجربته الطويلة في معمعان النضال، والثورة، والعمل السياسي، حتى في لحظاته الأخيرة فقد أوصى بأن يدفن إلى جوار رفيق دربه الطويل ابن الجبهة الشعبية أبو علي مصطفى، وهكذا كان، فقد أراد أن يكون في موته ابن الجبهة الشعبية وإلى جوار رفاقه، قامتان كبيرتان في مربع واحد على أرض فلسطين، قامتان جمعهما النضال وجمعتهما المحبة وفكرة الجبهة الشعبية.