كتب درويش لأمه من زنزانته يقول : " أحن إلى خبز أمي .. و قهوة أمي .. و لمسة أمي .. "
و ها أنا اليوم أكتب إليك يا درويشي من سجني الكبير في وطننا الصغير، إليك يا طيري الصغير في سجنك الكبير لأخبرك باشتياق خبزي ليكون زادك ، و حنين فناجين قهوتي لملمس شفاهك ، و جوع لمستي لاحتضانك ..
و ها أنا اليوم أحتضن طيفك في يوم ميلادك لأقول لك : " كل عام و أنت سوسنة حبي .. كل عام و أنت نرجسة قلبي .. كل عام و أنت للوطن هديتي .. كل عام و أنت للحلم دربي و مسيرتي .. "
أحتضنك اليوم طفلاً خارجاً لتوك من رحمي متسربلاً بدمائي .. معانقاً للحياة بغضب مناضل .. مقبّلاً الحياة بلهفة عاشق .. و أضحك إذ أقول لأبيك : " لقد أنجبنا ثائر .. " فيرد مبتسماً " بل أنجبنا كومة زلازل .. " و قرأت لحظتها في عينيك مستقبلك و رحتُ أعدُّ نفسي للحظة وداعك .. للحظة لقائك .. ملكاً متوجاً على نعشك مضرجاً بدمك أو أسداً لا أراه إلا من خلف القضبان كما هو اليوم حالك ..
مقدّرٌ كان مجيئك .. مقدّرٌ كان رحيلك .. فكلّ اسرائيلية تُنجب ولداً فوق أرضنا المسروقة تعرف أنها تُرشّح وليدها للإعدام بيد صاحب الحق بتلك السماء و الأرض و الشجر .. و كلّ فلسطينية تُنجب ولداً فوق أرض الوطن أو في المنفى تعرف أنها ستجعل من ابنها صاحب القصاص ممن سرق الأرض و عكّر سرقة السماء و قتل الشجر ..
و أنا لم أفعل يا بني إلا ما فعلته امرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها لله .. و جاءت مريم أم المسيح منذورةً لله و لعبادته .. لكنني نذرتك للوطن فالوطن يا قرة أمك إله يستحق أن يُعبد و يُقدّس ثراه .. نذرتك للوطن لا لأعبد الله بك أو لأتقرب له زُلفى .. لكني نذرتك لأجل وطنٍ سليب ، و شعبٍ شريد ، و مدنٍ محاصرة .. نذرتك لأجل نعالٍ لم تزل تمشي في بلاد فتتحسس تراب الوطن ويعلوها غباره .. نذرتك للسائرين في منافيهم متلفتين خلفهم ليسمعوا نداء الوطن ..
نذرتك للحلم و الأرض .. للحب و الحق .. للعدل و الانسان .. للفرح و الإيمان .. لتكون جزءاً من الكل .. و جزءاً يكتمل به الكل .. و خطوةً أخرى نطوي بها طريق الوطن نحو غده و حريته ..
أردتك فلسطينياً حقيقياً كيسوع .. فلسطيني الهوى و الملامح ، فلسطيني الرؤى و الأحلام ، فلسطيني الخطى و الآمال .. تقوم من موتك لتكسر صليبك .. و تُبرِئ يا يسوعي وطننا الموجوع ..
أردتك فلسطينياً حقيقياً كدرويش .. مصاباً بأمل لا شفاء لك منه .. و أعرف أن الأمل المزروع بداخلك هو سلاحك اليوم في سجنك تحارب به موتك .. و هو مطرك الذي يروي سنين الزنزانة العجاف فتنمو بذرة الحرية بقلبك متحديةً قيود معصميك ..
أردتك فلسطينياً حقيقياً كغسان .. رجلاً بحجم انسانية .. يشبه الوطن و الوطن لا يشبه إلا هو .. امتشق قلمه قربان دمٍ يروي تراب الوطن المتعطش للحرية فانزرع برحمه وردةً لا تعرف الذبول .. و لتكون كلماته كرصاص البنادق يرشق بها عدوه و من خان قضيته على حدٍ سواء ..
أردتك فلسطينياً حقيقياً كناجي .. ميتاً يشمخ في قبره .. يهزأ من رعب قاتليه من براويزه النابضة بالحق الفاضحة للعمالة ، و ريشته المقاتلة كي لا تغدو الخيانة وجهة نظر .. رجلاً رسم مستقبلنا فكان أن رسم موته أيضاً ..
أردتك فلسطينياً حقيقياً كفارس عودة .. فارساً نبيلاً يتحدى الدبابة ليقترب حلم عودة المهجّرين إلى الوطن خطوةً أخرى .. لا فارساً دونكشوتياً تحارب طواحين الهواء .. لتكون حجراً آخر يمتشقه الوطن ضارباً به عدوه ..
أردتك نبياً آخر .. و ملاكاً آخر .. و جيفارا آخر .. لأقول لناجي أخطأت يا أبا الفقراء ففلسطين لا تحتاج لأنبياء أو ملائكة جند الله ولا لألف جيفارا لكي تتحرر .. فلسطين يحررها أبناؤها بيقين نبوّتهم و براءة طفولتهم و جيناتهم الجيفارية التي يحملونها بالفطرة ..
فهل أردت الكثير يا ضوئي ؟ ؟
لكني لم أرده لنفسي .. لم أقدمك قرباناً أهدي ربيعه للموت ليقال أني أم الشهيد .. و لم أُطعِم السجن ربيعك لأفخر أني أم الأسير .. أردته لأجل أمك الأخرى .. أمك الحقيقية التي احتضنك رحمها و وُلِدتَ من صلب معاناتها .. أردته لأجل فلسطين .. فلسطيني و فلسطينك و فلسطين إخوتك و فلسطين اللاجئين .. لنوقف نزيفها الذي ما انقطع .. لنضمد جرحها الذي ما اندمل .. لنرسم بسمة على وجهها الذي لم يعرف إلا الحَزَن ..
و أعرف أنك تبرد في ليلك و تجوع في سجنك فلا تصل يدي إليك تحنو عليك بحفنة دفء و بضع لقم .. و أعرف أن الحنين جوع و البعد قاتل و لكن الوطن يحتاج لكل قلبٍ يحب و لأجل حبه يقاتل ..و أعرف أن الطريق طويلٌ طويلٌ لكنك يا بني اخترت طريق الحق فلا تستوحشه .
و أعرف أن رسالتي لن تصلك .. أو ربما تصل " بعد قليل .. بعد عام .. بعد عامين و جيل .." لأنك لم تزل في علم الغيب .. و لم ألتقي بعدُ بالثائر الذي سأنجب منه الزلازل ..