استراتيجية وطنية تحررية على طريق الحل الديموقراطي

حجم الخط

المشروع الوطني الفلسطيني بحاجة ماسة الآن في ظل المتغيرات النوعية التي جرت في المنطقة إلى صياغة استراتيجية جديدة تعيد للقضية الفلسطينية أولويتها ومركزيتها في السياسة العربية، كما تعيد الاهتمام بها كقضية ساخنة متفجرة على المستوى الإقليمي والدولي. 

على المستوى الوطني لا جديد سياسي مطروح اليوم بخلاف العملية الديموقراطية لتصحيح الوضع الداخلي بإنهاء الانقسام السياسي؛ فمشروع التسوية عبر المفاوضات أصبح لا جدوى منه وقد ثبت بالتجربة عبر أكثر من عشرين عامًا أنه طريق ممل وطويل ولن يحدث أي تغيير في طبيعة هذه المسيرة التي لم تعد جماهير شعبنا تعلق الآمال الكثيرة عليها؛ سواء تم إحياء عملية المفاوضات بعد مجيء إدارة امريكية جديدة برئاسة جو بايدن الديموقراطي أو انعقد مؤتمر دولي للسلام كما تطالب به الآن السلطة الفلسطينية، فقد تم قبل ذلك عقد الآمال على الإدارة الأمريكية الماضية برئاسة أوباما الديموقراطي، وأيضًا نفس الشيء حدث تعليق الآمال على مؤتمر مدريد للسلام وبرعاية أمريكية، ولم يتمخض عن كل ذلك سوى المزيد من التعنت والصلف الإسرائيلي الذي سببه تمسك الكيان الصهيوني بمشروعه السياسي العنصري الذي يقوم على أرضية دينية تعرف بالرواية اليهودية يقابل هذا التمسك تغير في الموقف العربي تجاه شرعية وجود الكيان الصهيوني والقبول بمبدأ الاعتراف والتطبيع عند عدد من الأنظمة العربية، خاصة دول الخليج العربي حتى قبل التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

أما مشروع المقاومة فعلى الرغم من تفكك محوره بسبب تباين أطرافه من الأزمة السورية، وبذلك تراجعت فاعليته على مستوى محاور المنطقة الأخرى ليفسح المجال لمحور الاعتدال كي يمارس دوره السياسي الفاعل على صعيد التحالفات العربية والاقليمية والدولية، وفي وقت أعادت فيه ثورات ما سمي بالربيع العربي إنتاج أنظمة تموج بصراعات طائفية وعرقية على السلطة بعيدة عن تعميم الديموقراطية التي انطلقت من أجلها للتخلص من ظاهرة الاستبداد السياسي. على الرغم من ذلك كله، فإن مشروع المقاومة يبقى كشعار كفاحي كبير له قدسيته بين جماهير شعبنا، ولكنه يفتقر الآن إلى حاضنة عربية أو إقليمية أو دولية وما يوجد منه على ارض الواقع هي أجنحة عسكرية للفصائل محصورة على مستوى قطاع غزة للدفاع عنه في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية؛ لأن خصوصيته الفلسطينية جعلته غير قادر على استنساخ تجربة الثورات الوطنية في العالم الثالث كثورات فيتنام والجزائر وانجولا؛ لأن هذه الثورات التحررية انطلقت فوق أرضها المحتلة تحارب المستعمر الكولونيالي بخلاف الثورة الفلسطينية المعاصرة التي انطلقت في الشتات العربي المحيط، ثم فقدت قواعدها القتالية في الأردن ثم في لبنان وتوزع مقاتلوها في مناطق الشتات العربي الجديدة. مشروع المقاومة له شرعيته في مواجهة قوات الاحتلال وله قاعدته الشعبية الواسعة على المستوى الوطني والقومي وله قدسيته الدينية في مواجهة سياسة التهويد واستباحة الأقصى من قبل قطعان المستوطنين الصهاينة والضرورة الوطنية؛ تقتضي التمسك به كخيار نضالي استراتيجي في مواجهة دعاة الواقعية السياسية الذين يراهنون على العمل السياسي وحده في الوصول إلى حل سلمي للقضية الفلسطينية، حتى لو كان هذا الحل منقوصًا أو على مراحل انتقالية أو تمخض عن قيام دولة فلسطينية على الورق فقط، وذلك لأن الكيان الصهيوني لا سبيل لمواجهته وجعله يدفع استحقاقات السلام العادل إلا بانتهاج خيار المقاومة.. هكذا فإن المشروع الوطني الفلسطيني بعد سنوات طويلة على المراهنة على مشروع التسوية وحده عبر المفاوضات محتاج الآن إلى صياغة استراتيجية تحررية جديدة؛ تمزج بين العمل السياسي الثوري والكفاحي، ولكن هذه المرة على طريق الحل الاستراتيجي الذي انطلقت من أجل تحقيقه.

الثورة الفلسطينية المعاصرة بعد تراجع أفق الحل المرحلي الذي ضعف عمليًا إمكانية تحقيقه بشكل موضوعي؛ بسبب سياسة الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية المحتلة، وأيضًا بعدم اعتباره كمشروع وحيد عادل لحل القضية الفلسطينية.