" بلاش فلسفة " حكي جرايد "

حجم الخط
يختزن الموروث الشعبي الفلسطيني ، وفي بلاد الشام التي سبق لي زيارتها ، وربما يكون هذا موروثاً شعبياً في أكثر من قطر عربي . حيث يوجد لدى كل شعب مايختزنه من موروثات شعبية يستعملها عند الحاجة لها . وهذه الموروثات تدلل على الخبرة التاريخية وعلى التجربة التي مرت بها هذه الشعوب وتوارثتها الأجيال المتعاقبة. " بلاش فلسفة " ربما ينزعج منها الكثير الفلاسفة الحقيقيين ، مع أنها لا تعني الإساءة لهم مطلقاً لأن الشعوب تحترم وتجل فلاسفتها هؤلاء . والا لما وجدنا فلاسفة كثيرين تعيش أسماؤهم لقرون طويلة في ذاكرة الشعوب. فالفيلسوف الحقيقي هو من يفتح الأفق التاريخي نحو المستقبل . " وبلاش فلسفة " التي يقصدها المواطن العادي . ويقولها لمن يتحدث معه أن أدخل لصلب الموضوع وللواقع المعاش مباشرة . وأنه لا يستسيغ تنميق الكلام ، ويريد من محدثه الدخول في صلب الموضوع وكما هو . ومن أجل الوصول للاستنتاج الصائب. " وحكي جرايد " لا يهدف الإساءة للصحفيين أو للعاملين في مهنة الصحافة أو للجرائد بذاتها، وإنما عن تكرار الحديث غير الواقعي والاستنتاج المكرر ، في حين أن أصحاب هذه الكلمات لا يقيمون وزناً لها . ويريد المواطن من هؤلاء جميعاً الحديث عن الواقع مهما كانت مرارته. إذن المواطن العادي وصاحب الموروث الشعبي الذي تعلم منه وتعامل على جلده معه . يريد الدخول المباشر في الموضوع وعدم إضاعة الوقت في تنميق الكلمات وتجميلها. لقد سمعت مؤخراً حديثاً لمواطنين عاديين بهذا المعنى ، وبعضهم تحدث بشكل مباشر عند الحديث معهم عن العملية السياسية أو التسوية السياسية والمصالحة وصولاً للوحدة الوطنية . فالمواطن الذي تُصادر أرضه ... أو يهدم بيته .... أو يحاصر الخ لا يقبل من أحد تكرار الحديث المنمق عن تاريخ الصهيونية وممارساتها وعن الاستيطان ومخاطره واستهدافاته ، وتكرار الحديث له عن العملية السياسية والاتفاقات السابقة والمفاوضات وغيرها . فبالنسبة له هذه فلسفة زائدة لأن ما يقلقه ويشغل باله أرضه المهددة بالمصادرة وبيته المهدد بالهدم ؛ وتقرير مصيره واستقلاله الوطني المهددان بالضياع . لأنه يريد اولاً إزالة الاستيطان ووقف محاولات هدم بيته الذي يأويه مع أولاده ، ويريد أن ينعم بتقرير المصير والدولة المستقلة والعودة للعيش بدياره التي هجر منها . ويريد من الآخرين مساندته في نضاله من أجل هذا . لذلك نسمعه يقول " بلاش فلسفه " " وحكي جرايد " ويشيح بوجهه عند الحديث عن الاتفاقات وخرقها من العدو الصهيوني ، فهو يعيش نتائج الخرق على جلده يومياً . " وحكي جرايد " هي الموروث الشعبي المرادف تقريباً " لبلاش فلسفه " فعندما يسمع المواطن العادي باللقاءات والحوارات وبالوفود المسافرة الى هذا البلد أو ذاك . ومشاركة دول عربية وغير عربية في استضافة وتوفير متطلبات الإقامة ..... والتوقيع المتكرر على هذه الوثيقة أو تلك وبعد ذلك يعود الموقعين لأرض الوطن ويبدأون يشتم بعضهم البعض على صفحات الجرائد وكأنهم لم يلتقوا أو يتحاوروا أو يتفقوا ويوقعون على اتفاقاتهم . حيث أن المواطن بدأ يفقد الثقة بالتزام كثيرين بحوارهم وبتوقيعهم والتزامهم بتنفيذه . ويتساءل بينه وبين نفسه ما الذي يحدث ؟ وكيف يلتقي البعض مع البعض الآخر ويوقع من جديد ولا ينفذ أو يلتزم بما وقع عليه ؟ لكل هذا وغيره يفقد الثقة تدريجياً ويقول هذا " حكي جرايد " لا لشيء وإنما لأن الصحف اليومية تكرر الحديث عن هذه الحوارات والاتفاقات ومن بعدها عن الردح المتبادل. خاصة أنه يرى في المقابل أن العدو الصهيوني حدد رؤيته وهو يمارس وفقها ، مصادرة ... استيطان ... تهويد ... جدار ... حصار ... اعتقال ....الخ . ويسابق الزمن في تنفيذ سياسته هذه ، وأمام أعين وأنظار الجميع من أصحاب الأرض ... الى الأشقاء ... الى الأصدقاء . ويتساءل هذا المواطن هل نسي هؤلاء أننا في مرحلة تحرر وطني وديمقراطي أولاً وأخيراً ، وأنهم مسؤولين عن استعادة حقوق وحرية شعبهم ، وأن الوحدة الوطنية وليس الشرذمة القبلية هي قانون الانتصار في مرحلة التحرر الوطني والديمقراطي على الأقل . لكل هذا وغيره تشاهد المواطن العادي يتحدث " ببلاش فلسفة " " وكلام الجرائد " لأنه يريد افقاً وفعلاً من أجل دفع هذا الأفق للأمام ، وبات يضيق ذرعاً ويشيح بوجهه عن المتحدثين الغارقين بالفئوية والمدافعين عن المصالح الشخصية .لأنه يدرك قبل غيره أن " الأرض لا يحرثها الا عجولها " ، ولا تحرر الا بالنضال والتمسك بالحقوق . وأن الانقسام لا يخدم الا الاحتلال ويصب في مصالحه العليا مباشرة وغير مقتنع بمبررات حدوثه أو استمراره مطلقاً . وما يقنعه فتح الأفق أمامه والفعل من أجل حماية أرضه وبيته ومستقبل أبنائه واستعادة حقوقه الوطنية والاجتماعية. هل نفعل ذلك ومتى ؟ لأننا عندها نعيد الثقة بحركتنا الوطنية وبحقوق شعبنا الوطنية والديمقراطية والاجتماعية . لهذا كله على الجميع العمل لكي نعيد الأفق ونصنع الأمل لشعبنا وبه ومعه .