الانتظار قدرُ الأموات و هم أحياءٌ بقدرِ موتنا .. الانتظار عبودية و هم أحرارٌ رغم قيدهم بقدرِ عبوديتنا ..
هم لا ينتظرون حمامة نوحٍ العائدة بغصن الزيتون لتعلِن نهاية الطوفان و تجدد الحياة .. بصمودهم يضعون حداً لطوفان الذل و عيشة الهوان التي فُرِضت عليهم و قبلنا نحن الحياة بكنفها .. ليطير الحمامُ حاملاً البنادق التي ستزرع غصن الزيتون في أرض السلام التي ما عرفت و لا أهلها يوماً معنى السلام ..
هم لا ينتظرون جانّ سليمان من غوّاصٍ يهديه لؤلؤ الأعماق ، و بنّاءٍ لتماثيل و هياكل و حراب ، و خارقٍ يجلب عرش بلقيسه إليه برفة عين .. بجوعهم تحدّوا الجن و غلبوه فمن أعماق الزنزانة ينتزعون لؤلؤة الحرية و يهدون للانسانية إبداعاً يفوق روعة تماثيل الجن و هياكلهم .. و أكثر خلوداً من عمرانهم ..
هم لا ينتظرون مسيحاً نازلاً من السماء محاطاً بملائكة يقاتلون لتنعم فلسطين بعصرٍ ذهبيٍ في أواخر أيامها .. فكلٌ منهم مسيحٌ يتبعه رفاقه الحواريون .. مسيحٌ يرفض صلبه و يقاوم موته ليفقأ عين جلاده .. و إن كان عيسى قد قام من موته ليحيا من جديد فأبطالنا أوصدوا أبوابهم في وجه الموت و أعلنوا " أيها الموت لا تطرق الباب كثيراً .. فلا أحد منّا هنا .. " إنّهم لا يريدون موتاً .. بل يريدون حياةً و خبزاً و حرية ..
هم لا ينتظرون مهدياً قادماً يحمل في عينيه " عصفورٌ يغني .. و قمر.. و تباشير مطر .. " فيا مهديُّ لا تستعجل المجيء لبلادنا .. ففلسطين ملأى بخمسة آلاف مهدي تغني إرادتهم للحرية غناء تحدي لا استسقاء .. و كيف يستسقونها و مطرها منهمرٌ بداخلهم هطولاً لا ينقطع ..
هم لا ينتظرون وشاية الشجر و الحجر " خلفي عدوك .. فاقتله .. " فكلٌ منهم اقتص ممن سرق الأرض و اغتصب السماء و سمم الهواء و حرق الشجر .. لأنهم يعشقون الدفع العجّل لا المؤجل أو الأقساط ..
هم لا ينتظرون المعجزات .. لأنهم قرروا أن يفعلوا المستحيل الذي من أجله قامت الثورة ..
هم لا ينتظرون .. بلى .. إنهم ينتظروننا حقاً .. ينتظرون أبناءهم و إخوانهم و رفاقهم ليزرعوا الأرض مقاومة و لتكون البندقية مفتاحهم للحرية ..
إنهم ينتظرون أن تكنس عاصفتنا " صوت العصافير البليدة و الغصون المستعارة عن جذوع الشجرات الواقفة .. "
هم ينتظرون أن تنتقل عدوى النضال من ساحات معتقلاتهم إلى كل شارع و ساحة و مخيم في أرض الوطن و الشتات لنخوض معاً معركة الوطن فنحرر الحرية من عقالها و نكسر أصفادها ..
بردهم لا يؤلمهم .. ألمهم لا يوجعهم .. و جوعهم لا يقتلهم .. و لكن ما يقتلهم " نصف الدفء و نصف الموقف أكثر.. " فاعتصاماتنا لنصرتهم خجولة .. و خيام تضامننا معهم أشباح شبه فارغة .. و كلماتنا و خطبنا مهما طالت قامتها تتقزم أمام جبروتهم .. و صفحاتنا الفيسبوكية و التويترية لا تقربنا منهم و لا تقربهم من خلاصهم إلا خطوة في مشوار الأميال اللامنتهية .. و إعلامنا مرئياً كان أم مسموعاً أم مقروءاً غارقٌ في أوحال السلطة و مشككٌ في نجاعة الإضراب لتحقيق مآرب الأسرى و انعكاساته السلبية على القضية و الوطن ..
إنهم ينتظروننا .. ليعانقوا آباءً يتعاظم خوف فقدانهم و هم في معتقلهم .. ليحتضنوا أبناءهم الذين شبّوا في غفلةٍ من عمرٍ مضى بين جدران الزنزانة ..
إنهم ينتظروننا .. فانهضوا أيها الأموات قبل أن يغتال الموت أحياءنا .. فتضيع بقية البلاد ..
قيل " إن كان الله هو من خلق السجن فلماذا لم يسجن الشيطان لتمرده .. آه لو ذاق الشيطان بضعة أشهر أو حتى أسابيع في الزنزانة لركع لا لآدم فحسب .. بل أيضاً لحواء .. ! "
و أسرانا هم ملائكتنا الذين لن يركعوا رغم سنين الاعتقال لا لسجان .. أو سجانة ..