جان دارك " ات " فلسطين

حجم الخط
تتفاخر فرنسا بعذرائها الأورليانزية .. بجان دارك "ها" الريفية .. ببرعمها الغض القادم من حديقة منزله القروي ليقود الوطن للحرية مُوحّداً البلاد تحت تاج ملكها ووريثها الشرعي .. و تنسى فرنسا و العالم أن عدداً لا يحصى من نساء فلسطين و فتياتها لم يكنّ أقل شجاعة و لا تضحية من جان دارك .. قوافلٌ لا تنتهي من الشهيدات اللواتي لم يبخلن بأرواحهن من أجل الحرية بدأت رحلتها بشادية أبو غزالة شمعة النضال الأولى التي احترقت لتنير درب الصاعدات إلى السماء لتمتد القافلة إلى اللانهاية .. و قوافلٌ أخرى يتجاوز عددها الخمسة عشرة ألف مناضلة لم يكن طريقهن نحو السماء بل نحو الليل المعشعش بين جدران الزنازين .. ليعرف البعض منهن معنى أن تصبحي أماً و أنتِ في المعتقل و تخرج من جوفكِ الحياة و أنتِ مكبّلة فيخرج طفلكِ من ظلمات رحمكِ الرحيم إلى ظلمات سجنٍ لن يرأف بطفولته المعتقلة .. أو كيف يمر عليكِ العيد و بينكِ و بين أسرتكِ ليلٌ و حرّاس ، فتحتضنين وسادتك القاسية لتضمي طفلكِ الذي تركته وليداً و بات شاباً حُرِم حنان أمه التي وهبت حنانها لأمٍ أعظم .. أو لتحلمي بعرسه الذي كنتِ حاضره الغائب .. معتقلاتٌ فارغةٌ إلا من أحلام ساكنيها .. صغيرةٌ لكنها بحجم كون أحلامهن الممتدة من الوطن إلى الوطن و من السجن إلى الحرية .. أحلام أمهاتٍ أو مشاريع أمهات أو براعمٍ يتفتح ربيعهم في قلب العتمة .. نسيت فرنسا و العالم جان دارك "تنا" الثمانية الخائضات لمعركة لا تنتهي لانتزاع حريتهن التي قُيّدت لأنهنّ آمنّ بالوطن و حريته .. بالأرض و جبروتها .. بالشعب و كرامته .. بالطفل و فرحته .. بالزيتون و غضبه .. بالبرتقال و ثأره .. هم نسوا .. و نحن نسينا لينا التي اغتصب السجن عشر أعوامٍ من شبابها و لم يزل كوحشٍ جائعٍ شره يتربص بسبعة أعوامٍ أخرى من عمرها .. نسينا لينا الصامدة كصمود عكا التي شاء القدر أن تكون قريتها عرابة البطوف جارة لها .. " و من جاور السعيد يسعد .. و من جاور الصامد يصمد .. " فكيف إن كان جارك مدينة لم يهزمها بحرٌ و لا غازٍ .. و ها هي لينا تدفع اليوم ثمن معركة الكرامة التي تخوضها لأجلها و لأجل باقي الأسيرات عزلاً انفرادياً وحيدةً في زنزانتها يؤنس ليلها قمرٌ تسمع همسه و لا تراه .. فصبراً لينا .. باتت الحرية قاب قوسين أو أدنى لتعانقي الإبرة التي اشتاقت لملمس يديكِ .. و ماكينة الخياطة التي ستتطهر بدعسة قدميكِ .. هم نسوا و نحن نسينا ورود التي اغتال السجن ورودها و سلب ستة أعوام من عمر شذاها و وقف جلاداً يصلب حلمها بالجامعة التي كانت تحلم و تعمل من أجل دخولها .. ألف سحقاً لمن يغتال أحلام الورود .. فقاتل الحلم مجرم و إن لم يعاقبه القانون الذي يتعامى عن جرائمه المادية الأخرى لسحق صمود ورود و انتزاع أشواكها التي أدمتهم .. هم نسوا و نحن نسينا سلوى المسنة التي لم يرحمها القيد و لم تشفع لها سنواتها الأربع و الخمسون و لا أمراضها المزمنة أمام عدوٍ لم يفرّق يوماً بين صغيرٍ و كبير، بين رضيعٍ و مُسن ، لا قتلاً و لا تشريداً .. لا نفياً و لا اعتقالاً .. عدو هو عدو للانسانية قبل أن يكون عدونا .. فماذا نقول لسلوى و الكلام يخجل أمام امرأةٍ هي ابنة غزة أولاً و ابنة شهيد ثانياً .. أنتِ منارة الليل هنا يا أم منذر و لكن منذر و إبراهيم و طارق و بناتك الثلاث و زوجك اشتاقوا لنورك الذي لم يزل طيفك يملأ به بيتك في الخليل كما اشتاقت بيت لحم لتطريز يديك على القماش و الرسومات .. هم نسوا و نحن نسينا فتيات الخليل .. آلاء سبع عشر عاماً ، ايناس إحدى و ثلاثون عاماً ..و آخر المعتقلات هنّ طالبات جامعة البوليتكنيك ، الجامعة التي احتضنت كوكبة من الشهداء و القادة السياسيين و العسكريين بينهم يحيى عياش .. أفنان ( سنة رابعة هندسة ) اليوم هي خلف القضبان حيث يقبع الأسرى الذين طالما تضامنت معهم .. إسلام ( كلية تكنولوجيا المعلومات ( ..فاطمة الزهراء ( خريجة أدب انكليزي ) كانت هدفاً لأجهزة سلطة رام الله بسبب نشاطها لصالح المعتقلين السياسيين و لصالح الطلبة .. و الآن أسيرةٌ شقيقة لأخ أسير " نزار سدر " و خطيبة أسير هو " جلال يغمور " في سجون الاحتلال .. ليكون الخليل كريماً بشهد عنبه و بشهد بناته .. العالم يتذكر جان دارك لا لبطولتها فحسب .. و لا بسبب النيران التي التهمت جسدها الفتي بل لأن هناك من مجّد تضحيتها حكومات و شعوب ، جماعات و أفراد ، فناً و أدباً .. أما بطلاتنا فقد تناساهم العالم و نسيناهم نحن أيضاً .. و ها هي سلطتنا غير الشرعية الساكنة في " المنطقة الخضراء " برام الله قد أعلنت أنها ستضرب بيد من حديد لا من قام باعتقالهن و يتماهى في اذلال كرامتهن .. و لكن من يحاول العبث بأمن فلسطين من الشباب الثائر لنصرة المعركة التي يخضنها و الأسرى في كل السجون الاسرائيلية .. سيضرب السيد عباس و رجال أمنه بيد من حديد شباب عوفر الذي بثّ بتحركه الشعبي الرعب في قلب السجان الصهيوني الجبان .. سيضربون بيد من حديد أحراراً رفعوا علم الوطن فوق آليةٍ صهيونية وُجِدت لقتل شعبنا و أطفالنا .. العالم يتذكر جان دارك و رغماً عنه سيتذكرفلسطين و جان داركاتها .. لأنّ .. " الأسيرات هن الجميلات نقش الصمود على جدران السجن .. الأسيرات هن القويات يأس يضيء ولا يحترق .. الأسيرات هن القريبات جارات قوس قزح .. الأسيرات هن البعيدات مثل أغاني الفرح .. " " عذراً محمود درويش .. "