الجبهةُ الشعبيّةُ لتحرير فلسطين والمسألةُ القوميّة

حجم الخط

منذُ أنّ حلّت النكبةُ عام 1948، وحتّى الوقتِ الحالي كانت ولا تزالُ القضيّةُ الفلسطينيّةُ مفتاحًا لفهم وتحليل القضايا الكبرى للعالم العربي، لهذا نشأتْ إرهاصاتُ تشكيلِ حركة القوميّين العرب عام 1949، وصولًا إلى عقد مؤتمرها الأوّل منتصف الخمسينات؛ بهدفِ بناءِ مجتمعٍ عربيٍّ نهضويٍّ قادرٍ على محوِ حدودِ التجزئة التي فرضها الاستعمارُ وإقامة دولةِ الوحدة العربيّة المنشودة وقواها القادرة على تحرير فلسطين. وبين شعار الوحدة طريق فلسطين أو فلسطين طريق الوحدة، فإنّ كلا الشعارين يلتقيان في فلسطين، لهذا استمرّت القوى الوحدويّة في التعبير عن نفسها، لتنخرط بعد هزيمة حزيران/يونيو1967 في بوتقةٍ واحدةٍ عبّرت عن نفسها في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين. صحيحٌ أنّ قيادتها التاريخيّة بمعظمها كانت من الفلسطينيين، إلا أنّها اعتمدت بشكلٍ أو بآخرَ على التيّارات القوميّة العربيّة في مختلِف البلدان أمدّت واستمدّت منها القوة، فلولا وجود هذه القيادة التاريخيّة لكادت أن تنقطع الصلة بفلسطين. والناظر للأحداث منذ نشوء حركة القوميّين العرب إلى الآن يرى بوضوحٍ أنّ الأحداث المحليّة في عموم البلدان العربيّة وإن كانت ذا طابعٍ وطنيٍّ أو إقليميٍّ إلا أنّ فلسطين حاضرةٌ في أجندتها، وجموع المتظاهرين الذين خرجوا في مختلِف العواصم العربيّة تنديدًا أو تأييدًا كلّها جاءت منسجمةً مع وجود القيادة والكادر القومي. وفي المحصلة الأخيرة، فإنّ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هي الوريثُ الشرعي لحركة القوميين العرب وما حملته من رؤى ومبادئ طيلة الـ 55 عامًا على نشأتها، أثبتت الوقائع صحتها بأن الأمة العربية لا يمكن لها أن تنهض دون مواجهة الاستعمار والنظم الرجعية والتجزئة والاحتلال، فكل تلك العناوين مرتبطة ببعضها البعض.

وأثبتت الجبهةُ أيضًا أن "القوميّة" هي امتدادٌ طبيعيٌّ للحياة وهي ثقافةٌ عامةٌ لها جذورُها الثقافيّةُ والتاريخيّةُ والجغرافيّة، بعيدًا عن الإيديولوجية وترف الاختيار، فالأوجاع والمآسي المتنقلة عبر كل تلك العقود هي وليدةُ تلك العناوين السابقة، لهذا فإنّ الخطاب الوطني للجبهة الشعبيّة لا يمكن له أن ينفصل عن الخطاب القومي؛ لأنّ حريّةَ فلسطين هي حريةُ كلّ العرب. ولا يوجدُ تعارضٌ أو تناقضٌ نظريٌّ وعمليٌّ بين الانتماءين وهذا لا يعني بالضرورة أن القوميّة العربيّة اندثرت في بقية البلدان، بل على العكس، فإنّ الشعور القوميّ ما زال حاضرًا وممثّلًا في وجدان العرب ومؤطّرًا في تياراتٍ فكريّةٍ على امتداد الساحة العربية. صحيح أن تلك التيارات تعاني لحظات الانكسار، لكنها بقيت اللغة الجامعة التي تمثّل الوعي الجمعي للأمة العربيّة، بعيدًا عن لحظة التسييس التي لها إشكالياتها الخاصة.

لقد أدّت الوقائعُ التي تمخضت عن هزيمة حزيران 1967 للشروع في عمليّة مراجعةٍ فكريّةٍ وسياسيّةٍ وتنظيميّةٍ لدى المستوى القيادي في حركة القوميين العرب ودفعتْ بهم للبحث في تطوير أساليب العمل الوطني، ورأى البعض أنّ الهزيمةَ وقعتْ تحت مظلّةِ وشعار "الانتماء القومي" الذي غيّب الشعب الفلسطيني عن الميدان، ولذلك كان الردُّ الطبيعيّ على الهزيمة العربية، إتاحةَ الحيّز لانطلاق مشروعٍ وطنيٍّ فلسطينيٍّ مستقلٍّ يتسلّم زمام قيادته الشعب الفلسطيني وحدهم. والبعض الآخر رأى أن الهزيمة كشفت نوايا طبقيّةً عربيّةً لها مصلحةٌ بإطلاق مشاريعَ تسويّةِ الصراع مع كيان الاحتلال، حيث ثبت بالملموس أن هناك أنظمةً تمثّلُ مصالحَ مجموعاتٍ وطبقاتٍ عربيّةٍ مرتبطةٍ بالإمبريالية الأميركية المتحالفة عضويًّا مع إسرائيل، ولذلك فإنّ الصراع ضد الاحتلال الإسرائيلي بحكم واقع الحال هو صراعٌ ضد الأنظمة الرجعيّة العربيّة وضد الطبقات البرجوازيّة – الكومبرادورية- العربية. ومن ثَمَّ تتضحُ الرؤية، بأنّ أصحاب المصلحة الحقيقية في خوض ذلك الصراع والاستمرار فيه هم الطبقات الكادحة من العمال والفلاحين وعموم الشغيلة المتضررة مصالحهم من تحالف الإمبريالية والرجعية وإسرائيل. وفي أجواء هذا السياق التاريخي تكوّن تجمّعٌ جبهويٌّ عريضٌ لعددٍ من التنظيمات والقوى والشخصيات الفلسطينية الملتزمة بالكفاح المسلح والحرب الشعبية وأعلن عن قيامها الدكتور جورج حبش في البيان التأسيسي 11/12/1967، وكان التجمع عند انطلاقته يتبنى شعار "العودة"، فكان أوّلُّ تنظيمٍ فلسطينيٍّ ثوريٍّ مسلّحٍ في الثورة الفلسطينية المعاصرة، ذو منبتٍ قوميٍّ يؤمنُ إيمانًا قاطعًا بأهميّة البعد القومي للصراع مع العدو الصهيوني وموائمته مع الدور الفلسطيني الخاص بعد أن كانت حركة القوميين العرب قبل ذلك تعتمد على البعد القومي، دون مراعاة للدور الفلسطيني الخاص. ولكن بعد مدة من الزمن بدأت تظهر تباينات وخلافات فكريّة وسياسيّة أخذ فيها مفهوم "الانتماء" مكانًا بارزًا، حينها حسم كلُّ فريقٍ موقفَهُ واتّجه إلى مبتغاه وانتهجت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة الدكتور جورج حبش منهج الحزب الثوري اليساري متسلّحًا بالنظرية الماركسيّة-ال لينين ية، وكما كان للدكتور حبش دورٌ رئيسيٌّ في تأسيس حركة القوميين العرب كان له أيضًا دورٌ رئيسيٌّ في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وخلال سنوات المسيرة الكفاحية والسياسية اتّسمت تجربة الجبهة الشعبية بالكثير من المناقب والإيجابيات وكذلك بالثغرات والشوائب. فالمحصلة وبعد مرور 55 عام من الانطلاقة نستطيع القول: إن ثمة مآخذ وملاحظات شابت المسيرة على الرغم من كل التضحيات الكبيرة التي قدمتها الجبهة الشعبية على طريق الحرية والاستقلال، وبرز دور الجبهة الشعبية نموذجًا من بين الفصائل القليلة التي اتّسمت قيادتها باستمرار النضال من أجل دعم وتعزيز العوامل الإيجابية بالثورة الفلسطينية ومحاربة العوامل السلبية، ومن الممكن تحديد دور الجبهة الشعبية الإيجابي عبر محطّات أهمّها: عدم ارتكابها أخطاء وتجاوزات بمستوى وحجم أحزاب وقوى فلسطينية أخرى، بل كانت وفقًا للمراقبين الأقل نصيبًا من تلك الأخطاء. كما أن منطق تحالفاتها يخضع بالمطلق لتوجه الجبهة الأساسي ضد قوى الإمبرياليّة الأميركيّة والرجعيّة العربيّة، وهذا لم يكن الحال بالنسبة لبعض القوى الفلسطينية. ويسجّل لها الدور الرئيسيّ في حسم الخيارات وعدم الانجرار خلف الممارسات الخاطئة التي اعترت المشهد الفلسطيني.

لقد حقّق النضالُ الفلسطيني المعاصر إنجازاتٍ مهمّةً عزّزت من نجاحات منظمة التحرير الفلسطينية في تكريس مكانتها في العالم وتمثيل شعبٍ يخوض معركة التحرير الوطني. لكن ممارسات حركة فتح بالسيطرة على قيادة المنظمة، أدّى الى فكّ ارتباط القضية الفلسطينية بالقضية القومية وحصول تلك القيادة على التحكم بآلية القرارات وتقديم التنازلات، وهذا ما نتج عنه في نهاية المطاف اتفاق اوسلو والاعتراف بالكيان الصهيوني، وتصدّت الجبهة الشعبية لتلك الممارسات خلال العقود الماضية وأضحت أشد المعارضين لنهج القيادة غير المسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية ومن أشد المطالبين بإعادة بناء المنظمة على أسسٍ ديمقراطيّة. ولكن كان تأثيرها محدودًا في إحداثِ تغييرٍ كبيرٍ في الساحة الفلسطينيّة؛ بسبب عواملَ عديدةٍ أهمُّها الانشقاقاتُ التي حصلت في السنوات الأولى من التأسيس، حيث أضعفت من تأثيرها ونفوذها بين الناس وأيضًا الالتزام بالإيديولوجية الماركسيّة – اللينينيّة أسهم في تأطير الجبهة، ومن ثَمَّ الحدّ من تطوّرها مما خلق إرباكاتٍ منهجيّة، حالت بينها وبين قدرتها على قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية. ولم تقبل الجبهة الشعبية بالجمود والتعنت عندما تحوّلت في الاتجاه الأيديولوجي، بل سعت دائمًا إلى وضع الأمور في نصابها وترشيد الأيديولوجية وتطويرها وإخضاعها للممارسة العملية والقراءة النقدية البناءة في اتجاه استخدامها منهجًا جدليًّا لدراسة الواقع بأسلوبٍ علمي، وهذا مرده إلى صفتين ميزتا الجبهة الشعبية، الأولى: أنها لم تكن من الأحزاب التي تقبل بالنظرة الايديولوجية الضيقة، فهي في تركيبتها وبنيتها الفكرية تمتلك حس النقد والمتابعة والبحث القادر على التعاطي مع المستجدات ومراجعة الأفكار القديمة بشكلٍ مستمرّ. والصفة الثانية: أنّها تعرض أفكارها وآرائها وتدلي بقناعاتها، نتيجة الدروس التي تستخلصها من الأحداث الواقعيّة.

في كلّ المحطّات التي مرّت بها الجبهة الشعبيّة ومؤسّسيها التاريخيين، بدى واضحًا التطور الفكري الذي تراكم عبر تأثير محطّاتٍ مهمّة كحقبة الانفصال 1961، هزيمة حزيران 1967، حرب الاستنزاف 1973، كامب ديفيد 1978، اجتياح لبنان 1982، انتفاضة الحجارة 1987، حرب الخليج 1991، أوسلو 1993، تنحي "الحكيم" عن قيادة الجبهة الشعبية 2000، اغتيال الأمين العام أبوعلي مصطفى 2001 واعتقال الأمين العام أحمد سعدات من العام 2006 وحتى اللحظة. ومن الأهمية الإدراك بأن قدرة الجبهة الشعبية على استخلاص الدروس والعبر السليمة من تلك الأحداث يعود إلى ترفعها عن مواقع ذو أبعاد مصلحية فئوية ذاتية، تتعارض مع استخلاص الدروس الموضوعية من الأحداث، وتاليا فإن التطور قد أسهم في تصحيح نظرة الجبهة حول أزمة حركة التحرر العربي وفي فهم الدور المركزي للنضال من أجل الديمقراطية.

وعند تنحي جورج حبش عن قيادة الجبهة أعلن عن عدّة مهمّات سيتفرّغُ لها من بينها العودة إلى العمل العربي، أي القوميّ وقام بتأسيس مركز الغد العربي للدراسات الذي تحدّدت مهامه في البحث في القضايا الاستراتيجيّة العربيّة وفي القلب منها القضيّة الفلسطينيّة. وصرّح حينها أنّ المركز سيهتمُّ بثلاث قضايا الأولى الديمقراطيّة في كل جوانبها، والقضية الثانية الوحدة العربيّة وكيف يجب دراستها بأسلوبٍ جديدٍ يبتعدُ عن العواطف ويراعي خصوصيات البلدان العربيّة المختلفة ويكرّس أسلوب الوحدة التدريجي، بحيث تقومُ الممارسةُ الديمقراطيّةُ في ضبط السير نحو الوحدة. والثالثة تتعلّقُ بضرورة دراسة الصهيونيّة بأسلوبٍ بعيدٍ عن النظرة الأحاديّة.

نستطيعُ أن نستنتج من مضمون هذه القضايا الثلاث على أنّها النواة الحقيقية لتجديد المشروع القومي العربي على أساسٍ ديمقراطيّ، يعتمد على الأسلوب العلمي طريقةً ومنهجًا. ومن المهمّ ملاحظة أن السير في هذا الاتجاه لم يكن فقط تعبيرًا عن تجربة النضال الفلسطيني كما تجسّدت في الجبهة الشعبية، ولكن يمثّل إلى مستوى بعيد تجربة النضال الفلسطيني بشكلٍ عام، فإذا استخلصنا تجربة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والمسألة القوميّة، نرى في ذلك التطوّر معادلة واضحة، تكمن سيرورتها في البدايات بالالتزام القومي، ومن ثم تبني النهج الثوري اليساري العلمي، وتاليًا الطموح نحو القوميّة العربيّة الديمقراطيّة.

وهكذا نرى أنّ القضايا الفكريّة السياسيّة التي كانت وما زالت محور اهتمام الجبهة الشعبيّة هي القضايا التي ستشكّلُ محورَ اهتمام المناضلين على امتداد العالم العربي، ومن ثَمَّ فإنّ الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، بحكم طبيعة الأمر الواقع، تجمّع في بنيانها تجربة حركة القوميين العرب وتجربة أحزاب وحركات التحرر العربية ومختلف ألوان تجربة نضال الشعب الفلسطيني.

والسؤالُ اليوم بعد مرورِ كلِّ تلك العقود: هل تستطيعُ الجبهةُ الشعبيّةُ النهوضَ بالمشروع القومي العربي من جديد؟ وهل تمتلكُ القدرة والإمكانيّة؟ هل استطاعت تقديمَ مقاربةٍ جديدةٍ تلحظُ كلّ المتغيرات الثقافية والحياتية التي حدثت؟

كل تلك الاسئلة مجتمعةً تفرضُ على قيادة الجبهة الحاملة لهذا الإرث الكبير: أن تكون أمام هذا التحدي، بحيث تستطيع أن تقدّم إجاباتٍ عمليّةً وموضوعيّة.