في المسألةِ القوميّة... رؤيةٌ جديدة

حجم الخط

ما تزالُ المسألةُ القوميّةُ في الوطن العربي موضعَ بحثٍ ودراسةٍ ومحاولاتِ تطويرٍ وتحديث، للمفهوم وعوامله وللمصطلح وتكونه. ولهذا تكونُ إضافةَ رؤيةٍ جديدةٍ للعنوان، لها موقعها في القراءة والتجديد المنشود لفهم المسألة القوميّة، وتعريفها الصحيح والمعبّر عنها واقعيًّا وملموسًا، والسؤال الحاضر: لماذا رؤيةٌ جديدةٌ في المسألة القوميّة؟

تتفرّعُ الإجابةُ عن السؤال، إلى موضوعين، الأوّل يتعلّقُ بأداة الاستفهام، لماذا، وما تعنيه أو تتطلّبه الإجابة لما بعدها، من تحليلٍ وتقديرِ موقف. والثاني، يتطلّب قراءةً تاريخيّةً سريعةً أو استعادةَ مؤشّراتٍ ونقاطٍ دالّةٍ لعقودٍ قريبةٍ من الزمن، ولتكن من النصف الثاني للقرن الماضي، تقديرًا وتقريبًا. خاصةً تلك التي طرحت فيها تعريفات المفهوم وتطوير المصطلح في التعبير عن المسألة القوميّة، والصراعات الداخليّة بين التيارات الفاعلة في الأمّة ومراجعات بعضها أو مساعي العمل للخروج بما يخدمُ مشروعًا حضاريًّا نهضويًّا على أساس فهم الحاجة الملّحة للأمة للدخول في التاريخ الحديث كما يجب أن تكون عليه. لا سيّما وأن الواقع الحاضر للأمة يتصف عمومًا والوطن العربي بشكلٍ خاصٍّ بحالاتٍ من الأزمات العميقة والخيبات المتشعبّة والفشل العام في أغلب القضايا، السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، رغمَ كلّ الثروات التي تتميّز بها الأمة والوطن، الماديّة والبشريّة. الأمرُ الذي يدعو دائمًا إلى رؤيةٍ علميّةٍ واقعيّةٍ بوعيٍّ استراتيجيٍّ وإدراكٍ مخلصٍ لبناء الأمة وإعمار الوطن وتجاوز العقبات والعراقيل القائمة، الكامنة والظاهرة، المخفيّة والمعروفة، العلنيّة والسّريّة.

تمثّلَ التعبير عن المسألة القوميّة منذ بدايات تلك الفترة بتناقض مواقف التيارات السياسيّة والفكريّة، النظريّة، ومواجهات بينها إلى حدود الصدام والقمع والتصفيات، باسم الشعارات والمفاهيم التي ضاعت فيها حدود الخطاب النظري والممارسات العمليّة، في جانبيها الأيديولوجيّ والحركي، ال قطر يّ والقوميّ، المناطقي والإقليمي، مشرقًا ومغربًا، حتّى باتت التناقضات بينها حادة، داخل التيارات وبينها.

كتب ساطع الحصري (1879- 1968) العديد من الكتب والمقالات، وهو من بين الأبرز ممن أسهم نظريًّا في الكتابة والتعريف حولَ القوميّة العربيّة، وما هي القوميّة، والعروبة أوّلًا، والعروبة بين دعاتها ومعارضيها، وغيرها من العناوين المتقاربة منها، مقتنعًا بأسلوبه الحواري، ومنتهيًا في "كلمة ختامية في نتيجة الأبحاث، أن الوقائع والأحداث التي وصفناها وشرحناها، والنظرية التي استعرضناها وناقشناها، في مختلِف فصولِ هذا الكتاب، تؤدّي بنا إلى تقرير الحقائق التالية:

أنّ أس الأساس في تكوين الأمة وبناء القومية هو: وحدة اللغة ووحدة التاريخ، لأن الوحدة في هذين الميدانين، هي التي تؤدي إلى وحدة المشاعر والمنازع، ووحدة الآلام والآمال، ووحدة الثقافة... وبكل ذلك، تجعل الناس يشعرون بأنهم أبناء أمة واحدة، متميزة عن الأمم الأخرى" (يراجع كتاب الحصري، ما هي القومية، نسخة الكترونية ص 210).

وأضافَ لما سبق في كتابه الآخر، حولَ القوميّة العربيّة، ما يلي: "ولكن لا الدين، ولا الدولة، ولا الحياة الاقتصاديّة تدخلُ بين مقومات الأمة الأساسية. كما أن الرقعة الجغرافية أيضًا لا يمكن أن تعتبر من المقومات الأساسية" (حول القومية العربية، ص44).

ترك هذا التعريفُ نقاشًا واسعًا في الأوساط المعنيّة بالمسألة أساسًا، واستعرض هو ما ورد في الكتابات والدراسات الغربيّة بتوسعٍ وإضافة، ووقع في تعصّبه لها في حالاتِ القطع والتناقض مع غيره، حتى في الوطن العربي. فنشر الحصري مثلًا تعريفاتٍ ومواقفَ عديدةً لكتّاب ودارسين غربيين عن القومية والأمة. واستشهد بقول مانتشيني، الأستاذ في جامعة تورينو، الإيطالية، من خطابٍ له ألقاه في عام 1851، حيث عرف الأمة بما يلي: "الأمة مجتمع طبيعي من البشر، يرتبط بعضها ببعض بوحدة الأرض والأصل، والعادات، واللغة، من جراء الاشتراك في الحياة وفي الشعور الاجتماعي" (ص35). وعرض كثيرًا من آراء أخرى تصب في الاتجاه نفسه وظل مواصلًا نقاشاته أيضًا، ونقل رأيًا "للمفكر الألماني الشهير ماكس نورداو عبر عن رأيه في الفكرة القومية بصريح العبارات وأجسمها، حيث قال: "إن الذين فقدوا البصيرة، هم وحدهم يزعمون أن الفكرة القومية، هي من الآراء الطارئة التي لا تلبث أن تندثر، مثل اندثار الموضات" (ص22).

ظلَّ الموضوعُ متداولًا تقليديًّا وفي نقاشٍ وجدلٍ بين المهتمين به والدارسين لتطوراته نظريًّا وعمليًّا، وخلص علماء اجتماع غربيون وشرقيون، في تسعينات القرن الماضي إلى تعريف بنديكت أندرسون للأمة بأنها: "جماعةٌ سياسيّةٌ متخيّلة"، وليست خياليةً. وبنظرةٍ روحيّة، أكّد: أن الانتماء لقوميّةٍ ما، أو كما يفضل المرء أن يعبّر عنه بالنظر إلى تعدّدِ دلالاتِ هذه الكلمة: الاندماج في أمةٍ إضافةً إلى النزوع القومي، هي منتجاتٌ ثقافيّةٌ من نوعٍ خاص، ولكي نفهمها على نحوٍ صحيحٍ فإنّنا بحاجةٍ إلى أن نبحث بعناية كيف ظهرت إلى الوجود تاريخيًّا وبأي سبل تغيرت معانيها عبر الزمان، ولماذا تحظى اليوم هذه الشرعية الوجدانية العميقة (ينظر كتاب: علم اجتماع القومية، ديفيد ماك، ترجمة: سامي خشبة، نسخة الكترونية، ص 25).

هذه التعريفاتُ المتقاربة، التقليدية أو حتى الكلاسيكية تتطابق بعمومها مع وضع الأمة العربية، لغةً وتاريخًا، ويضاف لها أرضًا وعقائد دينية متعايشة، ومقومات اقتصادية، ومصالح مشتركة، وأهدافها جامعة، في المشاعر والتواصل والآمال، لكنها تفتقد إرادات حاسمة من أبنائها لوضعها على السكة المطلوبة من التقدم والتطور على الأصعدة المختلفة، إنسانيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا، وتتجاوز التخلف والتفاوت والانحطاط الذي يفرض عليها. وأخذ بهذه الآراء عددٌ ممن خلف الحصري اهتمامًا بالمسألة، ومنهم من واصلها نظريًّا، ومنهم من حاول تطبيقها ولكن بعضًا من دعاتها مارس تناقضًا لها وخلافًا للشعارات التي رفعت باسمها، وعكس عمليًّا وعيًا متخلفًا وجهلًا مركبًا وأساء حتى لمصطلحها حسب تجربته المرة وفهمه لمشروعها ودورها ومكانتها التاريخية.

 ليس دعاة المسألة القومية وحدهم من انشغل بها وخالفها، فقد شغلت بال الماركسيين نظريًّا وعمليًّا، كما تحدّث الدكتور هشام غصيب في ورقةٍ بحثيّةٍ له، "إذ تناولها ماركس وإنغلز بإسهابٍ وبخاصةٍ في سياق ثورات 1848 التي عمت القارة الأوروبية برمتها. وركزا على علاقة القوميات والحركات القومية بالثورة الاجتماعية. ثم عادا وتناولاها في سياقٍ آخر، متسائلًا ما هي الأبعاد التي تركز عليها النظريّة الماركسية في تناولها المسألة القومية؟

إنَّ النظريّةَ الماركسيّةَ نظريّةٌ تاريخانيّةٌ ومن ثمّ فإنّها لا تعترف بالمطلقات والجواهر الثابتة وإنّما تعدّ كلّ شيءٍ متغيّرًا وفي صيرورة، وهذا ينطبق على الأمة والقومية أيضًا. لذلك فهي معنيّةٌ بالإجابة عن أسئلة كالآتية: كيف تنشأ الكيانات الاجتماعية التاريخية التي نسميها الأمم؟ وهل تنشأ جميعًا بالكيفية ذاتها وتحت الظروف ذاتها؟ وكيف تتطور وتهيمن على بعضها وتتراجع وربما تتفكك وتندثر؟ وكثير من الأسئلة". وهو ما تبيّن في الصراعات بين التياريين البارزين، القوماني والماركسوي، في الأمة في فهم المسألة القومية ودورها في التحرر الوطني والكفاح السياسي، ويقدم دروسًا وعبرًا لا مفرَّ من الاعتبار منها وبها وتطويرها إيجابيًّا في بناء الرؤى الجديدة.

 تتعارضُ التيّارات السياسيّة والفكريّة العربيّة في الوطن العربي، وهو ما أشرنا له من وقوعها في التناقض والصراع بين الأهداف والشعارات والبرامج وتجسيدها على أرض الواقع، عاكسةً فشلًا كارثيًّا وانكسارًا حادًّا في الوعي العربي وتخلّفًا في إدراكه وفهم عوامله والبحث عن سبل التغيير والتجديد، طيلة العقود الأخيرة، ولفترةٍ ليست قليلة، ختمته أغلب إدارات تلك التيارات بالوقوف أمام إعادة الاحتلالات الإمبرياليّة لبلدان الوطن العربي, وتوفير الأسباب والطرق لها، وتعميق التفاوت الطبقي والاجتماعي، وتبذير الثروات وتدمير الطاقات، وتهافت أطراف منها على التنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني وتصفية القضية الفلسطينية واقعًا والتلهي بالتكاذب الإعلامي وشراء الذمم والعقول.

بوضوحٍ أكثرَ وبروحٍ نقديّةٍ واعيةٍ واستمرارًا للكتابة النقديّة، التنظير الفكري والسياسي للمسألة القومية، طرح ياسين الحافظ (1930- 1978) مشروعًا فكريًّا متجدّدًا، دعا فيه حسب قراءة دكتور عبد الله تركماني، في دراسةٍ له عنه، إلى الارتفاع من مستوى المشاعر القومية العربية إلى بناء الأمة، بما ينطوي عليه ذلك من أساسٍ ديمقراطيٍّ لهذا البناء. وأضاف تركماني: لقد أمسك الحافظ بمفهوم التأخر التاريخي للمجتمع العربي، الذي يتجلى سياسيَّا بغياب الرأي العام وبكونه صاغرًا وعزوفًا، ويتجلى اقتصاديًّا بكون الاقتصاد العربي مندلقًا نحو الخارج وتابعًا، ويتجلّى اجتماعيًّا بسيطرة بنى اجتماعيّةٍ ما قبل قومية (طائفية، عشائرية، عائلية، محلية..)، ويتجلّى فكريًّا بسيطرة فكرٍ تقليديٍّ تمتدُّ جذوره إلى العصر الوسيط. لذلك فهو ينتقل من نقد "السطح السياسي" إلى نقد "العمق الاجتماعي" الذي يصوغ الحيز السياسي ويفرزه. وحرر الخطاب القومي من البلاغية المترهلة، وأنقذ الماركسية العربية من ضيق العبارة والأفق وتكلس الصيغ، حين استعاد روحها النقدية، بوصفها سؤالًا مشرعًا ضدّ الثبات والسكون والامتثال والعقائدية المنغلقة على نفسها.

إن الرؤى المتعددة التي تقدمت في توصيف المسألة القومية، سواء التقليدية منها أو التجديدية، المحسوبة على اليمين القومي أو اليسار الديمقراطي بقيت في أدراج المكاتب ورفوف الكتب فقط، وتركت الأوضاع العربية بمختلف مستوياتها تنحدر إلى درجاتٍ كارثيّة، أضافت لها ممارسات دعاة القومية التقليدية اليمينية تشريع أبواب الاحتلال الغربي من جديدٍ للوطن العربي والعمل بإصرارٍ على تصفية القضية الفلسطينية قضيّةَ تحرّرٍ وطنيٍّ مركزية، وركن أساس لقضايا التحرر الوطني والقومي في أغلب البلدان التي أعيد احتلالها إمبرياليًّا بأشكالٍ مختلفة، سواءً بالتخادم السياسي المباشر وغيره أو بالقواعد العسكرية وتنفيذ المخططات التآمرية بالضد من المصالح الوطنية والقومية.

المسألةُ القوميّةُ بحاجةٍ ماسةٍ وعاجلةٍ وضروريةٍ الآن إلى رؤى جديدةٍ تبدأُ من وعي واقع الأمة والوطن، من خلال تحليلٍ ملموسٍ للواقع الملموس، والعمل على استنهاض الطاقات الكامنة، البشرية والماديّة والمعنويّة، وتوحيد كفاح الساحات وتنسيق كلّ جهودها وتحديد الأهداف ومدياتها وتجديد الشعارات، بما يوازي المتغيّرات الدوليّة والتطوّرات العالميّة والثورات العلمية الراهنة، وتمتين الجبهات، السياسية والفكرية والثقافيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، واعتبارها قوّةً قادرةً على الإنجاز والتقدّم والتنمية والتطوّر، مع اعتبار الأزمات وتصاعدها والانتباه للمعوقات وآثارها ومجابهة التحديات وتداعياها، شرطًا رئيسيًّا للنهوض والتغيير.