الشهيد رائد نزال تربى في مدرسة الراحل الكبير القائد الأممي والقومي والوطني حكيم الثورة جورج حبش،ورفاق دربه وحزبه الشهيد القائد ابو علي مصطفى والأسير القائد احمد سعدات،وقادة بحجم هؤلاء كفيلون بتخريج قادة وكوادر وأعضاء ملتحمين بهموم حزبهم وشعبهم،قادة في الميدان يتقدمون المعارك والصفوف،ويؤمنون بأن القائد الحقيقي ليس بما يصبغه على نفسه من ألقاب ورتب ونياشين،بل هذه الصفات تنتزع انتزاعاً بالفعل والممارسة في معمان الكفاح والنضال وصدق الانتماء وجذرية القناعات والثبات على المواقف والمباديء،والشهيد رائد نزال كان رجل مواقف ومباديء،ويشهد له بأنه شطب من قاموسه كلمة مستحيل،وكان بمثابة المرجل الذي يغلي،لا يهدأ ولا يكل ولا يترفع عن أي مهمة او عمل حزبي او تنظيمي مهما صغر او كبر،ولم يكن قصير نفس او طاريء ودخيل على النضال،فهو ابن اسرة ومحيط مناضل عرف الطريق الى سجون الاحتلال ومراكز تحقيقه وزنازينه،ولذلك تفتح هو على النضال باكراً،حيث اعتقل في مرحلة طفولته المبكرة وهو ابن ثلاثة عشر عاماً،ومن بعدها واصل مشوار نضاله ومجده في الأسر وخارج الأسر،في الأسر كان نموذج الرفيق القائد،والقدوة ليس لرفاقه بل لكل ابناء الحركة الاعتقالية،كان صلباً عنيداً لا تلين له قناة،فهو لم يتردد للحظة في قتل وتصفية من خان وطنه وحزبه،دفع ثمن هذا الاستحقاق بدون حسابات شخصية وذاتية او حسابات الربح والخسارة،بل حساباته كانت دائماً مصلحة الحزب والوطن،وفي السجن صقل الكثير من خبراته وتجاربه وتعمق وتجذر وعيه،فهو لم يغادر المعتقل حتى انخرط في العمل والنضال وخاضه ومارسه بكل اشكاله وانواعه عمل سري وعلني ،تنظيمي وجماهيري،كفاحي وعسكري،ولا نبالغ حين نقول بأن الرفيق القائد الشهيد،هو واحد من ابرز قادة ومناضلي الجبهة الذين اعادوا لها هيبتها وحضورها ودورها وجماهيريتها في منطقة قلقيلية والشمال،وكذلك وسع من اطار فعلها الكفاحي والعسكري في الانتفاضة الثانية،وهذا بدوره جعل منه ليس رمزا وعلماً في قيادة مجموعات وكتائب الشهيد ابو علي مصطفى،بل أصبح في دائرة الاستهداف الأولى للاحتلال وأجهزة مخابراته،والتي جربت العديد من المرات اغتياله وتصفيته،وأوصلت الليل بالنهار في البحث عنه وعن رفاقه دهما وتفتتيشا ومراقبة ومتابعة،الى أن استطاعت بعد معركة ضارية في 26/4/2002 أن تنال منه من خلال قذائفها بعيدة المدى بعد صمود اسطوري للرفيق القائد الشهيد.
هذا الرفيق كان محط ومثابر احترام قادة وكادرات واعضاء الحزب وجماهير شعبنا،واستشهادة كان خسارة نوعية للجبهة الشعبية وللوطن،وهو من كتب عنه الرفيق القائد سعدات بالقول"
إن الشهداء لا يمرون في صفحات تاريخنا إلا حروفاً وكلمات معمدة بالدم وسطوراً نسجت من أشلائهم الممزقة .
فالعقل القيادي الفلسطيني، وأنا واحد منهم ينبغي أن يستلهم عند كل موقف و منعطف، بمأثرة الشهداء الأبرار، وان يزداد صلابة وتمسكاً بالقضية والموقف، و كلما ساور أحدنا الوهن أو الشك فثمة في مواقفهم ما يغني وينير لنا الطريق و يقودنا للنصر المحتم.
لماذا اخترت ما سبق من كلمات للحديث عن رفيقي رائد نزال ، لقد اخترت هذه الكلمات لان هناك حاجة ماسة ولدتها حاجات المرحلة، خاصة بعد الهجمة العدوانية لرعاة البقر الأمريكية وأتباعهم البريطانيين على المنطقة عبر بوابة العراق، لتسوق ثقافة الهزيمة وتعرضها بالقوة، وتساعد العديد من مروجي هذه الثقافة تحت عبارات رنانة باسم الواقعية والحكمة والانحناء للعاصفة، وغيرها عبارات الفتها وعافتها آذاننا، فكان لا بد من التذكير بشرح عبارات نبيلة من فنان وأديب ومناضل مبدع وشهيد حتى لا يتطاول عليها أحد المدعين من أنصار واقعية الهزيمة.
انظروا إلى حياة رفيقي الشهيد القائد رائد نزال ففيها تجدون الجواب، حيث نجد انسجام النظرية مع الممارسة في بوتقة “القضية و الموقف” !!
كان نموذج وطراز الشهيد القائد الميداني رائد نزال “أبو أسير” سهلاً ويسيراً ولا يحتاج لوصفه أو سبر غوره مقدمات معقدة فلسفية أو أدبية، تألفه وتصادقه بيسر خلال اقل من دقيقة معه، بعد أن يغادرك تحتاج بل تشتاق للقائه، ففي طفولته معالم رجولة صارمة، و في رجولته ملامح طفولية تكثف البراءة والنقاء والشفافية، ولا أبالغ حين أقول حتى أن فظاظته تصدر عن عفوية محببة للنفس ولا تثير الغضب، فطيفه وهمس صوته ودبيب مشيته، و رنة ضحكته أو غضبه المكبوت تترك أثراً، فهو باختصار يطرح في سلوكه إنسانيته وغناها دون تكليف.
لقد كان الرفيق رائد أسطورة رائعة من الانتماء والتواصل النضالي منذ نعومة أظفاره ، فمنذ الثالثة عشرة من عمره وحتى يوم استشهاده وشعار التواصل النضالي لا يفارقه قولاً وعملاً، ففي الأسر كما بعد التحرر كان دائما ممتشقا سلاح النضال والبناء الداخلي حتى يطبق شعاره الشهير( لن أكون عبداً للمرحلة ولن اقبل وعلى الملأ بهذا الموقف المذل لأنني لن أعيش سوى مرة واحدة وسوف أعيشها بشرف.