في النكبة وأخواتها !

حجم الخط
الكائن (الأول) البعد الثالث : ذات نكبة ، تحتفي بكائن ما زال ، أفرش محراب كتفي الأيسر ، كي تهبط عليه أحلامه الثقيله ، لأني وحدي أنا بُعدك الْثَّالِث ، سِر إلى حِلْمك الذي يَغْلِي ولا يَتَبَخَّر، متى نقلب وجه الشمس نحوالشرق ؟ يهمس القمر إلى كل المدى المألوف للعتمة ، لأنكم أنتم كل الفصول المشبعة برائحة الفجر ، حتى تنكسر يوماً شراسة العزلة في عيون الليل ، وتنكسر الأصفاد في يديك ، حين نبقى في دائرة العزل ، حتى لا يسقط القمر، يبقى يتموج في إيقاع الخيال داخل " ألبوم " الذي يعج بأمكنة تصنعها التأملات بحرارة السرد الذي يفوق حتى السفر ذات. هناك قمر كائن مدهش يشبه امرأة مصنوعة من خرافة ، يتسرّب في سراديب الحي ويمس المشاعر بخدر لذيذ ، مذ تركه جدي وراءه ، وأحضر معه النكبة. معلَقا ًخلف شجرة السدرة ، يرمقني بنظرة غريبة حين تصل خيوطه إلى المدى الممتد على مفترق الطريق بين وادي المجنونة وجورة التفاح . منذ اقتلاع الزمن البكر من ترابه وذاكرتي تشتعل بالحرائق ، لم يسبق اني عشت في ضوئه ، حتى ما رأت عيني يوما لونه المتأرجح في عرس النجوم عثرت على قصته في شتاء يعزف على الصفيح تحت وطأة مخيم ثقيل ، تترنح تحت همومه الكرة الأرضية بأسرها ، كما السجين في عتمة الزنزانة يرسم اشتهاء الحرية ، مثلما أسير الغربة يحلم وطن الحرية. لي وطن أتخيله على طريقتي ، من لديه فرصه على تخيّل وطنه ؟ إلا إن كان في حالة الذي لم يره مطلقا. صراحة لا أذكر حتى أنه ذات ليلة مرّ في سراديب المنام. مجرد مرور لوطن مزنّر بالأحلام ، أعترف أني متورّط في اختراعه ، كلما رويت حكاية عنه ، أحلم دائماً أني في ثنايا التفاصيل ، التي أنسجها في مخيّلتي الصغيرة بتصرف وكما أريد ، كم يُمتعني أن يكون هذا المحكي عنه هو أنا ، ما أجمل أن تحلم أنك في شريط شيّق من السيّر الذاتية المتواصلة بلا انقطاع لرجالها الاوائل، كأنها سيرتك الماضية أو سيرتك القادمة، تتلى عليك وعنك وفيك ، وطن مفترض ، يتدلى من قمر بنفسجي ، ينزف بالغياب ، ذكرى تضعها في أذنيك كزينة غجرية ، ما الوطن سوى رائحة تمرح في حضن الزيزفون ، تشتعل في شرايين الأرض وأوردتها بلا نهاية، تهدر في منحنياتها إرادة الإستثناء التي لا يمتلكها إلى بطل يهزم الباستيل ويسبق عقولنا في كل مرة ونحن أسرى لدهشتنا به,البطولة تكون كتسجيل صوتي ، تدور بلا هوادة في رأسك وتستعيدها كلّما أردت. ------------ الكائن (الثاني) سيــرة : تكتبني تلك الكلمات الشفافة التي لا يراها أحد ولكن يقرأها كل الناس ، ما أجمل أن تسكنك دائرة السيرة بعدها أنت والمطر وشخصية الكائن في شكل بطل ما ! تتوغل في سراديب الروح ، يحاور الزمن ليصنع الغد ، حتى لا يستهلك التاريخ ويجتر الماضي ، متجاوزاً عشوائية الّراهن ، يستمد قدسيته من كونه وطنا يمتشقه الصباح ، من هيبة تجاعيد وجهه الحنطي ، على جبينِه تتلوّى المأساة كخطوط حدوده الهرمه ، لناسه طُهر التراب ولحياتهم اليومية بقايا الرماد . يرتفع كجذع السماء ، ويسافر بعيداً عن اللغة الشائكة والأفكار المهلهلة، كل حلمٍ حي هو نسخة عن وطن بدلْ ضائع ، يشبه خارطة تعلقها طفلة في عنقها ، كل خرائط الجغرافيا لا تصنع وطنا ، على تضاريس الأرض يسير ودون الجغرافيا ، تصير الخرائط نعوة منسية في أدراج النكبة،يس وطنه حين يزوره بإذن مسبق ، تقول الإنسان يعود إلى بيته ولا يزوره البطل يأبى أن يختلس النظر إليه من وراء شريط شائك أو يتسوّل نظرة من شقوق نافذة يكون بيتك حين يكون الباب لك والطريق تكتب عليها بحرية خطاك. لا تتسوّل عاطفة ولا مال ولا سياسة من أحد، البطولة في أن تهزم السجّان لا أن تستجدي تحسين شروط الزنزانة ، وأن تكسر بابها لا أن تطالب بتوسيع النافذة ، نكتب على أبواب " طروادة " سيرة الحرية الممنوعة من التجوّل ، حتى يليق الرمادي لوناً لبذتك العسكرية ، لكن ليس عباءةً لسماء الحرية. --------------- الكائن(الثالث) خان الشاوردا : تصف جدتي الباب المفتوح على مصراعيه بأنه مثل " خان شاوردا ". الكلمة تتردّد على لِساني كأنها بلا كائن أو أصل مكاني. وصف معتمد لكل حالة تسيُّب وفوضى ، تُوسم بحالة " خان شاوردا " كلمة استوطنت لغتنا ، ولم نكن نعرف منبتها الأول ، وما هو معناها الأصلي ، سوى أنها وصف الباب المخلوع والوطن الذي بلا باب أو بواب يحميه , حتى قرأت مرّة بالصدفة عن قصة هذا الخان ، بأنه يقع قرب المدخل الشرقي لسور مدينة عكا ، كان مكان واسع في وسطهِ سبيل مياه لسقاية المواشي. " الشاوردا " هو سبيل لكل عابر سبيل، لا تحتاج لتصريح كي تدخله ولا لِتزوير جواز سفرك ، كي تكون ضيفا ، ويطيب لك المقام، رشيقة هي الكلمة تتبعها فتصل بها إلى وطن ، إلى الباب الأهم من البيت ، من لا يملك الباب لا يملك البيت ، حين يصادر الباب منك ، تصادر حريتك منك ، لك البيت ولنا المفتاح ، وحين تستأذن النوم في بيتك لا يكون بيتك ، هو حقل تجارب في فن تشويه صورة البطل ، وتتكسر المرآة التي تتعلّق عليه وجوهنا، باب الدّار في المخيم كان مفتوحاً باستمرار ، للداخل والخارج ، وخاصة عندما تشترك في الدّار عدة بيوتات، باب مفتوح لا أذكر إن كان له قفل؟ أبدا ، لم أجدهُ مغلق بتاتاً ، أستغرب لِمَ يُقال عنه أنه " خلقت باب يرد من الكلاب " ، يأتي الجواب على عجل " الكلاب أخذوا بيوتنا الأصلية وما نفع المفتاح إن كان لا يوجد باب؟ " لم يعد في المخيم داعي لقفل باب ، لماذا يصير المحتل بواباً كي يلقي القبض على همس العصافير ويضع حاجزاً بين قبلة الفراشات وثغر الياسمين ، وجلست شرطية الحدود خلف الزجاج على بوابة الوطن على طريق تعبر النهر ، ساعات تدقق في أوراق الزائرة الجميلة التي لم يتوقف قلبها عن الضجيج في تلك اللحظة ، وسألَتها : ما هو سبب الزيارة الى رام الله ؟ ما كان من الصبية القادمة من المخيم للمرّة الأولى إلا أن تجيب بشكل عادي : أنا ذاهبة إلى وطني ! نظرت الشرطية بلؤم وقالت باشمئزاز يتقصّد الإهانة : هل أنت متأكدة أنه وطنك ؟ ! تتردّد الأقدام في المسير ، بينما يبقى هذا العبور يطارد الذكريات في رأسي ، ما زال يتبعنا كلما ولدت فينا نبضة قلب ورعشة حلم ، وشغف السؤال ، ذاك الكائن الذي يبقى لاجئا وإن أتعبه السفر ، أنا الكائن الشقي الذي لا بد منه ، يهزني السؤال : ما البيت بلا باب والمكان بلا روح والكلمات بلا معنى وما الوطن بلا بطولة ؟ --------------------- الكائن(الرابع) سيدي غانم : أصير أحلم أنه أنا ، بطل لم يفارقني كملحمة شعبية مروية ، الكائن المتذمّر ولكنه ليس مرتداً ، يدهشني كطفل يستعير خيال الراوي وهو يخبرني بحنين وشجن عن " سيدي غانم " ، الفتى الأكحل ، ممشوق القوام، يتحدث عنه كأنه مارد جبار ، رجل غير عادي ، الذي يجلب الحق من بين أنياب الوحش ، والقرش من تحت الصخر، كل شيء في القرية إستثناء فوق العادة ، كنت أحلم أنه أنا ، ذاك المليء الجسد ، يعنتر شاربيه ، هكذا كان جدي يصف " سيدي غانم " ، يدخله في مخيلتي كاحتفاء مدهش ببطل إسبارطيٌ بهيئة " جالوت " الجبار. يكون أنا حين كانت الحساسين تهوى الوقوف على كتفيه ، ويكون أنا حين كانت الصبايا يختلسن النظر إليه من بين سنابل البيادر الذهبية. أنا هو الكائن الذي يربك المدينة في شهوة القوة وألق الجمال وعنفوان الرجولة،أحلمه كروحٍ للمكان عاشقاً أو ثائراً أو شهيداً. شياطين القبر يحلو لها السطو على الذكريات ، كانت في دائرة الملائكة ، الملائكة لن تبقى ملائكة إن استقالت عن عرشها السماوي ، تصير بشراً ، إن دبّت على البسيطة ، يتكون فيها نزوع دنيوي إستثنائي ، تمشي وهي تنثر بذورها الإنسانية في تربتنا ، نلَملِمها كوطن متخيل ، رغم الفجيعة ظل سحر البطل ، يزداد تألقاً، يكبر حتى لو ضاقت علينا الأمكنة ، شخصية تبنى من ذاتها تعويضاً عن فُقدان الأرض ، في رحلة التيه تجد نفسك فيه وأنت تهيم في جهات الدنيا ، الرواية التي يصير لها أبطال يتناسلون ، ويولد منهم أبطال جدد وأبناء وأحفاد ، قسم منهم ينجبه الخيال الخصب وتصنعه سرديات الناس ، عجزت عن مجاراته حتى في معلّقات الجاهلية وسيرة بني هلال ، يقال " كان له صوت جميل شجي يرتل القرآن ويطلق الأشعار فتأتي موزونة ومسجّعة ، يمشي أمام مواكب الأعراس في ليلة الحناء ، يضرب السيف بالترس ويراقص الخيل ويلف عنقه بالثعبان ، يتلوى معه وبه على وقع الأنغام وصوت الزغاريد ، ينفخ جدي متأففاً مترحماً على سيدي غانم ، إنه رجل لا يتكرر ثم يسأل من يكون له شبيهاً أو رديفاٍ ؟ ليس كل قمر مصيره أن يسقط في البئر ، أو يبتلعه الحوت ، ثمّة أبطال لم تبتلعهم الحقيقة ، لأن نصفهم خيال ، من أبناء الحياة وأبناء السماء معا ، أشبه بالملائكة ، قد لا نراهم قط ولكن نحبهم ونقلّدهم ونعيشهم ونحلمهم. ----------------- الكائن (الخامس) اللعبة الصغيرة : اشتر الحلوى والدفاتر للصغار فهم يدمنون طعم المرارة ، كبيرة هي دائرة لعبة الطفولة في سراديب المخيم حين تتماهى مع شخصية البطل ، مخيم يصير بطلا يحاكي في ذاتهِ بطلاً ، تستدرجك الّلغة ، إلى سياق الكلمات ودلالتها ، هو البطل ونفس الوقت ضحية الّلغة الخائنة ، عندما يسقط في الكلام في بحر الدلالات الغامضة والمضمرة ، يداهن السامع كي يغدق عليه علامات الرضى ، عند الأطفال البطل ملفقاً ، يسعى لإحتواء الحب واحتكاره بالمناورة حين يفشل في حِيازته عن طريق البكاء، بطل لا يعرف الإرتكاس ، ولا التحايل على الذات ، يصير الضحية إن كانت مُستحبة ، ويكون الجلاد إن كان الأخير دمثاً، بطل مصاب بحالة جوع أبدي للسؤال ولكنه ينزف كالشوارع ، يفر كنهر من التلاميذ تنساب كالجداول من أبواب المدرسة، لماذا صغرت لعبته طالما أن أحلامه سريعة العطب ؟ كائن بريء ينمو داخلي ويبقى طفلا ولا يريد أن يكبر، ندخل المخيم الحرام مثلما اقتلعنا من جدران البيت الحلال ، قد نكتسب لقاباً يوازي البطولة ، ينثر الشوق كرائحة الليمون فوق مسامات الجسد ، يوزعها شمالاً ويميناً لكل مُقبل ومُدبر، تتحدّاك بلغة البطل ، " إفعل كذا يا بطل " ، " يكون أبوك بطلاً " ، لو فعلت هكذا، ثم يحضر التمرّد والثورة والشهيد كلّها بصورة البطل تفوق الشباب علماً وعملاً وقيماً ، بل الموت مجازاً في زمن القهر والصبر والبحر ، إخلاصاً للبطل لأنه بحجم الوطن، كل جدة صارت " شهرزاد " تنسج من عتمة الخيام ثوب الصباح ، فلسطينية ما سكتت يوما عن الكلام المباح ، وصفت لحظة وصولها لزيارة جزء من الوطن، تقول أردت أن ألمس كل شيء فيه ليس بأصابعي العشرة بل بكل حواسي أيضا. ------------------ الكائن (السادس) دون كيشوت : قرفت الوهم المعشعش في صدر الأحلام ، كلما ابتعد الوطن إلى مصاف الحلم يصير البطل أكثر حقيقة ، وأحيانا عندما تصل إلى الوطن وتراه حقيقة يصبح البطل سريالياً فائضاً لا لزوم له، ذات حرب كان التحدي فدائيا ًيجترح المعجزات ومخيما ًينسج صورة المستحيل ، حينما أفرط بالبطولة وما فرّط بالحق ، يظن الحكماء أن الإفراط في الشيء سيؤدي إلى عكسه، " فأل شؤم " أن تحسد نفسك لشدة الفرح ، حيث لا يحق لك إلا كل شيء عابر ، دون تطرف ، شريطة أن لا يدوم ولا يستطيب الإقامة فيك ومعك ، فرِح هو لاجيء مثلك ، مسموح لقلبك فرحٌ مؤقت بكل ما في المؤقت من شراهة ، هكذا قيل " كفانا الله شر الضحك " كي لا تنقلب إلى بكاء، كان بطلا بلا حدود حتى إنقرضت فيه البطولة، حتى صحّ فيه لي المقولة المعروفة : " ومن الحب ما قتل " ، إلى " ومن البطل ما قتل ". المسافة بين إندلاع الحجارة وسقوط الأصالة، كان يحمل جمرة الوردة وينفجر ، منذ أحرق الخيمة ولد فيه " يوضاس " كان ينمو من ثرثرة بين شخصيتين ، النبي مخلّصاً بوصفته الربانية ولحراس الهيكل يختصر بوطن وهمي0 كل خلاياه تنشطر وتصنع لغتها ونصرها الوهمي ، للصليب والمصلوب ، للبطل واللا بطل ، للجلاد والضحية أحببتك طالما أنت مع الشمس دائماً ، حتى أسطورة الموت حينما تولد منها كل أساطير الحياة ، تلبس الخرافة أحياناً ثوب الأسطورة ، علمتني أن الثوري هو الذي لا يستعير رواية الآخر حتى لو كانت خرافة ، لذا أخشى عليك أن تدع قلبي وحيداً يراقص الذئب ، " أن تخشى على ما لم يقع أبداً ! وتبكى على ما لم تخسره ! ومن يدري ؟ " هكذا قال (فاوست) كأنه يقرأ أفكاري في دوريّة استطلاع واحدة ، وهنا البطل " الدونكيشوتي " ابن المرحلة يعني إبن الموضة هو المنتصر الوهمي على طواحين الضياع ، هازئاً من البطل الفعلي والحقيقي ، نمشي اليوم في جنازة بطل يتآكل ، حين يدخل النمر إلى القفص ، ومهرج السيرك ما برح يراقص القردة .. -------------- الكائن(السابع) الصورة : النّكبة موسم صيفي ، كرنفال مميت ومقيت لا يكفيها يوم واحد ، للنّكبة أيام وخيام ، للنّكبة أبناء وأخوات وأحفاد أيضا ، في كل دائرة فيها شريط ذكريات وكائنات ، ألبوم صور بالأسود والأبيض دائما ، لا أعرف هكذا هي النّكبة ليست ملونة في مخيلتي أبدا، كأنها صورة سِرداب يعيدك لليلة القبض على الحكاية وقصة السطو على سيرة البطل ، تتعدد أساليب رسم " ألبوم " الصور وافتعال شكلها المدجّن تشويهاً أما بالعزل أو بالقتل المتسلسل للصورة ، كل حجر يرمى في ماء النكبة لتتسع بعدها دوائر السؤال : من يريد أن يسلبنا صورة البطل؟ ينزعه عنوة من شخصيتنا؟ ذاك الذي حوّل المأساة تحت وطأة النّكبة إلى تحدٍ وتصعيدٍ وثورةٍ، فكان المخيم البطل ، لكثرة ما ألهبه العشق ، أضاع صورته الحقيقية ، صار يكابد كي يستعيدها متأخراً ، يوم ضاعت التُّخوم بين البطولة و" الفهلوة " ، صار المخيم الفائض عن القانون وعن حاجة السوق السياسي وانتهت مدة الصلاحية ، صار مادة اختبار لطرق مبتكرة للإستخدام ، ليصير في ماكينة تصنيع جديدة ، تعصرهُ المعاناة من جديد، أنا الذي وصلتني تلك الصورة على رائحة نعنع بري يداعب زهر الكلام ، اليوم أردت أن أكون فراشة حتى تروق لك مرقصة الحرية ، في زمن البحر ندرك أننا في حالة غرق ، من ينتشّل الزورق؟ في مكان تتربّص فيه العنصرية وتصير فيه الإستغاثة خروج عن اللياقة ، مع ذلك فمِن راحتيه تتدفق أجمل الفراشات أمسك يدك في عتمة ممرٍ " نسبي "، يفضي إلى ضمير وطني " مطلق " ، تقديره الصامت والصريح : " كرامة" ! حتى يظل المخيم خطأ سيادي يتنافى وشروط الضيافة. ------------- الكائن (الثامن) الفدائي : ذات وطن ، اقتلع الأسلاك من قدميه ، ذات الحب يشبه لوعة تطحنها صدمة الدهشة ، لا تثنيه العتمة المخبأة وراء الجدران ، مثل القضبان " المعقوفة " والسوداء ، مكتوبة على دفاتر الرحلة ، وتمتد من مشهد البطل الإيجابي " الفدائي " أنت أول المطر وآخر الياسمين ، إلى الصورة المسبقة الصنع التي تم اختراعها ، هو الظل لا ينتمى للصورة ، مثل " الجماهير المُعلّبة " ، مبعثرة الملامح لا تشبهنا أبدا ، ولا تمت لروحي الجماعية والفردية بصلة ، صرت البطل السلبي بهيئة الانسان " الوحش " حين إخترعه " هوبس " كي يلهو فيه الساسة. كيف ينهار الدم وترتفع الأوسمة؟ صار مقاتلاً بلا وجه ، مثل أُهزوجة كبرى تتوعّد بطحن ذكريات المخيم كي تحتفى مزهوة بآخر لحظة في الحلم،كم مُفزع أن يتحوّل المخيم إلى مقبرة للحلم،ضحية تضعك بين مطرقتين ، الأولى وهي ترسم الصورة والثانية تصدقها وتصادق عليه،توحّدت فيه كل الأشياء ، وتصادمت فيه الوضعيات والماهيات ، ليس أجنبياً فهو ينطق بلغة الضّاد ، ولا هو مقيم ، وكذلك ليس لاجئا بشروط اللجوء بالمعايير الدولية المحترمة ، أو ضيفاً في عهدة كريمة ، لا حقوق إنسانية مدنية ولا سياسية ، وتراجعت طرق وخيارات التسوية من أجل حقوق وطنية ، وحكما صار الحق في المقاومة مستحيل، إذاً ما هو هذا الكائن سوى نوع من فصيلة الحيوان السياسي الذي فرّ من أمير " ميكافيلي " ، ويافطة مكتوب عليها: تمهّل أيها الشرير ، أنت ضحية سلبيةِ العالم ، لم تعد بطلاً في هذا " الغيتو " المتمرد ، تنمو مع أزهار الشر في حدائق " بودلير "، في صورة البطل " القبيح "، لك كل الرموز المُبهمة واللغة الفاضحة ، يا إبن الفجيعة ، إلى متى ستظل الضيف الثقيل الغير ممنوع من الصرف؟ في التحول التراجيدي من صورة الثائر إلى صورة المثير، لكن لكل أنواع الشفق، تستدر استغاثة دولية معتبرة ، ولا يليق بك إلا الصّدقة، حين ستشكل شخصيتك العصرية من كل وادٍ عصا ، تحمل دلالاتها المتدرّجة في ثوابت راسخة ، " المفتاح " كأمل للعودة إلى البيت ، إلى رمز اللجوء. " بطاقة الاعاشة " تستجدي " الكرتونة " كمحتوى لائق لمواد غذائية توزّعها المؤسسات الدولية ، تختلط فيها محور وحركة ورموز ، الخيمة والمخيم والبراكس وكيس الطحين ووكالة الغوث ومؤسسات غير حكومية ، مع عنوانين الكرامة في التناغم الهرموني من رمزية البندقية والمفتاح والمدرسة والخندق والتنظيم. رصاص البؤس أيضا يقتل ويقتل ، لذا " أنيأتهم " أردّد صيحة الاديب الفرنسي "أميل زولا" ، في قضية درايفوس.. إتّهم من يفتك بك سُماً وبؤسا ً، وحتى يحتفى بك مزايدة ويخنقك حباً أيضا.إرحمونا من حبّكم ! ---------------- الكائن (التاسع) الاستعارة : ذات نكبة ، استمرار لما سبق ، شهوة مقيتة لقتل الصورة ! انتظر قدومك بنشوة التعب العظيم و بشوق مثل مرارة كأس الشاي الثقيل . غاب جسدك فصرت أكتب عبر الهواء وليس عليه ، أستعير شفافية الفضاء ، حيث تتداعى خطاي على شوارع مستعارة وفوق أرصفة الآخرين ، يعضُّ على شفتيه وهو يلبس أحزانه ، البطل المنفي ويستعار حين تسلب صورته الأصلية، يستهلكه الإعلام ، ويغتاله عمداً اجترار السياسة ، حتى تنزف صورته كل الشوارع.استُبدِل بصورة ملفّقة ، قناع وجههِ ، يمحو ملامح الصورة النّقية من خلال الإصرار على إغتيال الوطن فينا. حين أحلم أنه أنا كبديل مؤقت لوطن في نفسي ، العبث في قلب صورة البطل الباقي ، هو انتحار الحلم، مثلما نحطّم أسطورة الشهيد من جهة والأسير من جهة أخرى ، نقتل الوعي والضمير الجمعي والإنسان الطيب، حين نعمل على استلاب صورة الفلسطيني الحالم عند حدود الزمن الرقمي واللئيم, في زمن مسكوب في غربال الذاكرة ، تترجمه ملحمة الحرية أو مذبحها ، كل شيء يصبو لقيامة بطل ، نسأله متى يحضر ؟ إن كان شبحاً ندعوه أن يتأنّسن ، لكن ليس ماضياً يعبُر زمن غابر ، " سيدي غانم " هو فلسطين التي أحفظها عن ظهر قلب، وبطلها الذي ما ضلّ الطريق ، وإن صلبوهُ نشهد أن شبّه لهم ، هذا المتخيِّل الجميل الذي يولد من رحم التاريخ يَحمَل وهو يُسهم في صناعة التاريخ الجديد ، ينقح صورته من تلوث اللغة وخداع السياسة ، البطل من ينتشل غربتي من خيمة شتاتها ويصدق ما قالته الثورات الشعبية قديماً وحديثاً أن الشعوب تنتصر عندما تكون " البطل الجماعي ". ------------- الكائن(العاشر) الدائرة الاخيرة : يوم حانت ساعة السنونو ، صار للنّكبة لغة ومفردات، تسلب من الحب كلمة الشوق ، تختطف معناها الذي لا يسكن بالوصل ، كي لا يعول عليه كما قال " إبن عربي " ، يضمحِل معنى البطل الفرد في الدائرة الأخيرة كذلك ، وتأخذ كلمة المخلّص معناها " النّكبوي " لقد تلاشى المنقذ وتعب المشرّد من انتظار المنتظر، كل شيء ينتهي في ذروة إشتياقنا له ، اشتياق للحياة بعينها ، حين نقول لعشاق الحياة، لا نشك بحبكم للحياة، ، إن كنتم إلى هذا الحد تحبونها لماذا أكرهتمونا إياها ؟ لذا لن نختار الموت ، سيكون صوت الغضب الذي يردّد مع غسان كنفاني في أرض البرتقال الحزين وعام 1962 مبشراً بلسان البطل ( فيقول لنفسه بصوت منخفض : أيّة حياة هذه ! الموت أفضل منها " والصراخ ، يا سيدي عدوي " ، فإذا الجميع يصرخ دفعة واحدة : " أية حياة هذه!الموت أفضل منها " والناس عادة ، لا يحبون الموت كثيراً فلا بد أن يفكروا بأمر آخر.) أيّة حياة فارغة ، بلا هذا الضمير الجمعي الذي يصرخ دفعة واحدة ، لأنه صانع البطل " الشعب " الذي يدري أي حياة يريد، وإن أراد فعل ، وإن فعل صدق ، البطل الجماعي ليس فصيل أو سلطة أو جهة أو طائفة أو مذهب ، البطل الجماعي هو صورة الوحدة الوطنية عمودياً بين السياسية والمجتمع وأفقيا بين الكل الوطني من قماشة الوطن الملوّنة ، متى يعود هذا البطل ؟ إن كان لا يزال فينا مكان لهذا البطل كي يعود ! البطل الحقيقي يولد من رحم بطل تلاشى لغير رجعه فطوتهُ السنوات الصدئة ، بطل جديد وحده من يستطيع أن يكتب التاريخ من جديد ويزرع الحلم الجميل في صخر الوطن وفي فرح طفولي لا ينتهي. 10 أيار 2012 • عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أديب وقاص وفنان تشكيلي فلسطيني