التضامن مع الأسرى والرسالة الإعلامية

حجم الخط
دربت نفسي قبل سنوات ست مضت عندما أصيغ بياناً صحافياً باسم وزارتي التي اعمل فيها بحكم موقعي في العلاقات العامة أن ابحث عن أبعاد إنسانية وآثار إيجابية للمشروع الذي تم إنجازه، اذ لم يعد كافياً أن نقول أننا انجزنا طريقا بطول عشرة كيلو مترات وتم طلاء سطح الطريق ونضع صورة والسلام، دربت نفسي مستعيناً بمن هم أهل للخبرة والمعرفة من زملاء المهنة خارج إطار العمل الحكومي أن أشير لرأي صاحب قطعة الأرض التي مر من جانبه الطريق فبات من السهل عليه أن يحمل قطاف زيتونه بيسر وسهولة، وأن اهتم بطفلة كانت تتضايق وهي تتوجه للمدرسة فبات الامر بالنسبة لها بعد انجاز المشروع أكثر راحة. في الوطن لا نتقن أن نضع قصة إنسانية وراء الحدث ولا ادعي أنني الاستثناء الوحيد في الوطن فهذا جنون عظمة لا أدعيه ولا أريده لنفسي الأمارة بالسوء. انتشرت خيام التضامن مع الأسرى في الوطن واحدة أمام مقر نادي الاسير في الخليل، وأخرى في ميدان الشهيد ياسر عرفات في رام الله، وفي ساحة الحرية في البيرة، وعلى دوار الشهداء في نابلس وغيرها وغيرها، الصورة التقليدية أن امهات يحملن صور ابنائهن ومتضامنين يزورون الخيمة ويؤدون صلاة الجمعة فيها، وممثلي قوى وفصائل يأتون لتلقي التحية والتضامن، لكن الوقوف امام قصة كل سيدة وفتاة وطفل وشاب جاء إلى الخيمة ليقولوا للعالم عبر الرسالة الاعلامية من هو (محمد) ومن هو (علاء) ومن هو ( محمود) ومن هي تلك الأم التي تحمل الصورة، ماذا فعلت ليلة اعتقاله وماذا فعلت على مدار الاربعة عشر عاما التي مضت وماذا تفعل اليوم وماذا تقول، تلك هي الرواية والحكاية والمضمون والرسالة. ولم يعد كافياً التعاطي مع هؤلاء فقط ولكن لماذا لم يتم التعاطي بمهنية عالية مع الابداعات الشعبية التي رافقت إضراب الحركة الأسيرة والتضامن معها، إبداعات كانت كبيرة بحجم الحدث بغض النظر عن الاحجام والأوزان وفلسفة السؤال عن حقيقة هذا القول، ابداع تلك الفتاة التي وقفت في وسط ميدان المنارة وأوقفت حركة السير عشر دقائق تضامناً مع الاسرى، الأمر الذي دفع السائقين للنزول من سياراتهم للوقوف بجانبها للتوازن مع عمق اللحظة، واولئك الشباب والصبايا الذين طافوا مطاعم ومقاه ليقدموا عبوة من الماء والملح ليقولوا للناس: هذا ما يقتاته الاسرى . عبر فضائية فلسطين تجد الصورة تتكرر في التقارير من المراسلين في المحافظات، الامهات، والعمات، يجلسن ويحملن الصور، وفي ثنايا التقرير مقابلات مع شخصيات يتكرر اللقاء معها حول مواضيع اجتماعية واقتصادية واكاديمية دون أن نسمع صوت أم في التقرير أو نعرف لعل مواطنة جاءت فقط للتضامن ولا يوجد لديها أسير أساساً، بحيث بتنا عندما نشاهد التقارير عبر فضائية فلسطين نتوقع من سيظهر في التقرير فوراً دون جهد ذهني وعبقري يذكر ( الطابق مكشوف). كان بالإمكان افضل مما كان ولم يكن من مبرر لتتحول صفحات تحمل عنوان ( مهنة الصحافة) بأسماء مختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي لتقول من نعوت وتعليقات ولعنات وكأن هذا كاف للتضامن مع الاسرى وتقديم مضمون مميز كرسالة. في الوطن لا نحسن استخلاص العبر ولا نراكم على الانجاز بل نصر أن نبدأ من نقطة الصفر بصورة تعيدنا دائما إلى المربع الاول ليس الا، ونتشنج ونغضب من اي مكاشفة ونقد موضوعي، ونعتبر أن مبلغ العلم والمعرفة ما وصلته أنا شخصياً ومن يناقشني هو حاسد ( مكيود )، وصفحتي على مواقع التواصل الاجتماعي "الفيسبوك" و "تويتر" ملك لي اقول فيها ما شئت، وبالتالي اي مجموعة انشئها يجب أن اقرف الناس من خلالها واللي مش عاجبه يدبر اموره.