الصحافة الثورية - كريس هارمن

إذا رغب الناس في السخرية من الاشتراكيين الثوريين، يضحكون عادة من جهدنا المبذول في إنتاج وتوزيع وبيع
حجم الخط
إذا رغب الناس في السخرية من الاشتراكيين الثوريين، يضحكون عادة من جهدنا المبذول في إنتاج وتوزيع وبيع جرائدنا. يصورنا التراث الكاريكاتيري في شكل مخبول هائج رث الثياب يمسك لفافات الجرائد التي لايريد أحد شرائها. وهي صورة الثوريين السابقين، الذين يحققون الآن تقدما مهنيا مربحا، من النوع الذي تفضل السياسة المهذبة تشجيعه. وبإمكانهم مقارنة “نفوذهم” الحالي، وهم جالسون في اللجان البرلمانية إو مجالس إدارة الحدائق البلدية، مع ماضيهم الذي تبدد بينما يقفون أمام بوابات المصانع عاجزون عن بيع أحد الجرائد الأسبوعية أو غيرها. ولا عجب أن يقع الاشتراكيون أنفسهم في التأثر بهذه الرؤى بسهولة. فقد تصيبهم الأحاسيس نفسها التي شعر بها هيندمان، مؤسس أول منظمة ماركسية في بريطانيا، الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي. وبعد 28 عاما من إصدار جريدته جستيك (أو العدالة) امكنه الاعتراف برأيه فيها على هذا النحو: أوراق للدعاية البحتة، تتناول القضايا التي لا يرغب أغلب البشر الإطلاع عليها… علينا بذل مجهود أكبر حتى تتوسع ماليتنا، ونبدي حماسا ببعض الاتجاهات الأخرى. كانت إحدى الاخطاء القاتلة التي لم يمكن تداركها، وتولد بخصوصها نوعا من الهوس بالعناد. ولن نجتاز حد السوقية إذا تمادينا في تشويه مشروع إصدار وبيع الجريدة مثلما فعل هيندمان. ولكن الشيء المبتذل تماما، أن يشعر الثوريون كأفراد، أوحتى منظمات بمجملها، أن هناك طرقا أسهل لتوسيع مدى التأثير- سواء من خلال تناسي أمر الجريدة فعليا عند اكتساب بعض المواقع في الحركة العمالية، أو التوقف عن توزيع النشرات المجانية، أو محاولة الوصول إلى الجمهور الأقرب منالا عبر التسلل إلى وسائل الإعلام القائمة (سواء كانت محطة الإذاعة المحلية أو نيو ميوزيكال إكسبرس). وهذا رغم إننا عند الحديث عن كبار الاشتراكيين الثوريين، ترد إلى ذهننا أسماءهم مربوطة عادة بالجرائد التي كانوا يصدرونها. ماركس مع جريدة “نوي رينيشه زيتونج” أو الجريدة الرينانية الجديدة، ولينين مع “ايسكرا” أو الشرارة، و”برافدا” أو الحقيقة، وجرامشي مع “اوردين نوفو” أو النظام الجديد، وجيمس كونولي مع “ذي وركرز ريبابلك” أو سلطة العمال، وتروتسكي مع “ناشا سلوفو” أو لدينا كلمة، وروزا لوكسمبرح مع “روته فانه” او العلم الأحمر. ويحدث الارتباط بين القائد الثوري والجريدة الثورية، عندما يكون الثوريون مهمومين بتعزيز النضالات الجماهيرية بالذات. ولا يحدث مع من يفهمون التغيير باعتباره نتيجة لقيام أقلية صغيرة محدودة بأعمال بطولية لصالح الأغلبية. ولذلك لا يتردد الحديث عن جريدة كرونويل أو روبنشتين أو باكنين جاريبالدي أو تشي جيفارا. وحتى هؤلاء الثوريون البرجوازيون الذين يعتمدون على الحركة الجماهيرية في تحقيق اهدافهم، ينبغي عليهم أن يكون لديهم جريدة. ففي الثورة الفرنسية العظمية، لم يكن مارا قادرا على تحقيق ما له من شأن دون جريدته “لامي دي بيبل” أو صديق الشعب، ولا هيبير دون “بير دوتشيسن” أو الأب دوتشيسن. فالأمر ليس مسألة صدفة، إذ تنبع أهمية الجريدة المحورية تحديدا، من استهدافها كسب تأييد الجماهير للثورة. تنطوي اي ثورة حقيقية، على إحداث قطع بين الجماهير الشعبية والأفكار العامة التي نشأت عليها، وينتهج الناس طرقا جديدة في رؤية العالم ودورهم فيه على السواء. يبدأ الثوريون عادة كأقلية تحاول نشر رؤية جديدة عن العالم. ويستغرق هذا فترات طويلة من الزمن، ليس فقط بسبب عداء الطبقة الحاكمة القديمة، ولكن أيضا لعدم اكتراث كثيرين من اعضاء الطبقة المقهورة. لا يمكن تجنب فترة غياب الشعبية هذه، إذ تهيمن الطبقة الحاكمة أيديولوجيا في أي مجتمع. وتشكل أفكارها بالفعل الأفكار السائدة فيه. لن يبدأ الثوريون في كسب معركة الأفكار هذه، إلا إذا وجدوا طريقة للتواصل مع خبرات الجماهير “العادية” أو الشعب “غير المسيس”. عليهم أن يكونوا قادرين على توضيح أن الرؤية الثورية للعالم تتلائم مع بعض هذه الخبرات على الأقل، بصورة أفضل من الإيديولوجية السائدة. ولكن الثورييين لا يهتموا فقط بكسب الناس إلى الأفكار الجديدة. بل عليهم أيضا الاهتمام بجذب الناس إلى التحرك على أساس تلك الأفكار، وليس عليهم فقط إبراز ما هو خطأ، ولكن أيضا، وقبل أي شي، ما العمل. يمكن للتيار الثوري النجاح في أي مرحلة من مراحل تطوره، إذا استطاع فقط إيجاد بعض الوسائل لعمل صلات بين المبادئ والخبرة ومهام اللحظة. ولايمكن الاستغناء إطلاقا عن الجريدة الثورية، لأنها آلية لخلق العلاقات، وسد الفجوة بين النظرية والتطبيق. وكما قال ارنست جونز، زعيم الشارتيين، حينما كان يحاول جمع اشلاء أول حركة عمالية عظيمة في بداية خمسينيات القرن التاسع عشر: “ أول متطلبات الحركة وأكثرها جوهرية، أن يكون لها جريدة تسجل وقائعها، ومن خلال الجريدة تتمكن الحركة من تحقيق التواصل بين أعضاءها، وممارسة دعايتها وتحريضها، وحماية نفسها، وتحقيق الانتشار. إنها العماد الأساسي للنقابة، حاملة الراية وأداة الحوار. ومعها، تصبح الحركة قادرة على امتلاك عقلها وتفكيرها الخاص، وسط دوامة الأحزاب، والمحافظة على عناصرها المتنوعة معا“. وأشار لينين قبلها بنصف قرن في مقالته بما نبدأ، وكراسه؛ ما العمل: “ الجريدة ليست فقط أداة للدعاية والتحريض الجماعيين. بل أداة للتنظيم أيضا. وربما تجوز مقارنتها مع سقالة منصوبة حول مبنى تحت الإنشاء… المنظمة التي تتشكل حول تلك الجريدة تكون جاهزة لكل شيء، من إعلان شعارات الحزب، ومد نفوذه، وضمان استمراريته في فترات الإحباط الثوري الحادة، استعدادا للانتفاض المسلح على المستوى القومي. نندهش من عدد مرات الاستشهاد بكتاب “ما العمل” دون إشارة إلى حقيقة أن أكثر من نصفه كان مكرسا للإلحاح على قضية الجريدة الثورية! ولكن مجرد إصدار جريدة ليس كافيا في حد ذاته لسد الفجوة بين المبادئ والممارسة بشكل صحيح. بل لابد أن تخلق الجريدة علاقات صحيحة بين المبادئ والخبرات والتكتيكات الخاصة باللحظة. وهو الأمر الذي يتغير بشدة مع صعود وهبوط النضال. وكما أشار جرامشي، تنقسم دائما خبرات الناس في ظل الرأسمالية إلى نوعين مختلفين تماما. من ناحية، هناك خبراتهم التي يكتسبونها من مجرد الحياة داخل النظام ومعاناتهم في ظله. وهذه في حد ذاتها قالما تؤدي بهم إلى طرح أسئلة ثورية. بل إنها تميل إلى جعلهم يأخذون النظام كأمر مسلما به، وان يقبلوا ما تحدده الطبقة الحاكمة لهم بين الأشياء الممكنة والمستحيلة. أما الخبرة الأخرى، فتتجسد من النضال ضد مظاهر النظام، أيا كانت درجة محدوديتها. وعبر هذا النضال، يبدأ إحساس الطبقة المقهورة أن لديها قوة جماعية تمكنها من فرض بديل عن الظروف الراهنة. ويعني خلق صلة بين مبادئ الحزب الثوري وخبرة الجماهير الشعبية بالنسبة للحزب الثوري وجريدته، التواصل مع العناصر التي تأسست عبر النضال في خبرة الناس، وفصلها عن باقي الخبرات، واستخدامها لوضع أسس لرؤية مختلفة تماما للعالم. ويسهل هذا عندما يمضي نضال الطبقة المضطهدة من مرحلة قوية إلى أقوى منها، وعندما يلهم كل نصر بمزيد من الانتصارات. في مثل تلك الأحوال، يحدث تطور عفوي كبير في االطرق الجديدة لرؤية العالم. ويمكن للجريدة الثورية التعبير عن مبادئها عبر الكلمات والصور المستخدمة من المنتمين إلى الطبقة المضطهدة أنفسهم. ثم تصبح هناك حاجة إلى عملية استخلاص، لفصلها عن الأفكار القديمة التي مازالت مختلطة بوعي معظم الناس فعليا. ولا تكون عملية الاستخلاص شديدة الصعوبة. ولذلك، تكون انجح الجرائد التي تصدر خلال طفرات تصاعد النضال. وإذا نظرنا إلى مثل تلك الجرائد نستطيع رؤية الخليط الملائم من الافكار العامة، والخبرات الحية، والتحريض. مارا و”لا مي دي بيبل” أو صديق الشعب كانت “صديق الشعب” الجريدة الأكثر انتشارا بين الجرائد التي صدرت اثناء الثورة الفرنسية الكبرى 89-1793. لم تكن جريدة عمالية. وكان يحررها جان باول مارا، وهو طبيب البلاط السابق الذي شارك في حمل أعباء الثورة البرجوازية بالكامل. ولكنه فهم أنها لا يمكن إنجازها إلا إذا حشد الثوريون البورجوازيون جماهير باريس الفقيرة. ونظر إلى الجريدة باعتبارها ادارة رئيسية من أجل الوصول إلى هذا. وفور اشتراكه في التحريض العام في الشارع يوم الاستيلاء على الباستيل- 14 يوليو 1789- اقترح على اللجنة الشعبية في المنطقة التي كان يقيم فيها تأسيس جريدة. وعندما رفض الاقتراح، تولى أمر مثل هذا المشروع على عاتقه. كان يكتب يوميا ثمانية صفحات من قطع يماثل A5 تقريبا، ودفع المال اللازم لطباعتها. ولم تكن خلفه أي منظمة، إذ اعتمد على أن تجد الجريدة قراءها عبر باعة الجرائد المتجولين في الشارع. ولاقت الجريدة نجاحا مبهرا، وصارت في وقت قصير أفضل الجرائد مبيعا في باريس. ويرجع هذا إلى الطريقة التي جمع بها مارا بين العناصر الثلاث؛ المبادئ العامة، والخبرة، وما العمل. لم تكن مبادئه جديدة تماما. إذ كانت منشورة من قبل في أيام الثورة الأولى في عدة كراسات. وكانت بالأساس استعادة لأفكار الديمقراطية البرجوازية التي تضمنتها كتابات روسو. ولأن الجريدة لم تقم سوى بتكرار هذه المبادئ، لم يكن متوقعا أنها ستجد أي جمهور على الإطلاق. ولكن كان هناك العنصران الآخران، اللذان عملا على نجاحها الاستثنائي. كان عنصر “ما العمل” أساسيا في الجريدة. ويوما بعد يوم، وأسبوع بعد أسبوع، خلال أربعة أعوام، تخلص مارا من رطانة القادة الرسميين للثورة- في البداية الليبراليين الدستوريين، ثم بعد ذلك الجمهوريين المعتدلين من الجيروند – ودعا إلى تحرك حازم من أجل توسيع وتأييد الثورة. ويتضح من أفضل تقرير مكتوب باللغة الإنجليزية عن أعمال مارا: “تكونت (صديق الشعب) من ثمان صفحات صغيرة، كانت بكاملها تقريبا انتقادات وملاحظات على الأحداث الجارية، كتبها مارا بنفسه.” وتضمنت دعوة إلى التحرك، وسخرية من آخر مجموعة قدمت من الحلول الوسطى، وتحذيرا من المخاطر، وهجوما على من كان يعتبرهم أعداء الثورة. وأخبر مارا نفسه الناس أنهم يستطيعون تمييز جريدته عن الطبعات الزائفة التي كانت تعد من أجل تشويه سمعته، إذ تجد “كتابها دجالون يدعون إلى السلام، في حين اواصل انا الإدانة بينما يدق ناقوس الخطر. وربما أدى ذلك “الحث المتواصل على اليقظة، والإدانة بلا توقف لمن هم في السلطة إلى أن تصبح مطالعة (صديق الشعب) مملة إلى حد ما”. ولكن هذا التكرار للرسائل القائلة أن الثورة في خطر، كان تحديدا ما حقق للجريدة نجاحها. وبقدر رفض مارا لأي حل وسط مع من يراهم خطرا على الثورة، بقدر غضبه عندما مات خطيب المرحلة الدستورية الأولى من الثورة، ميرابو. وحينها استقبلت كل الاطراف هذا باعتباره حدثا جللا. وكان موقف مارا مختلف تماما: فكتب “للشعب أن يحمد الله. عدوكم الرهيب سقط بيد القدر.. مات ضحية لخياناته الكثيرة..” ولكنه لم يكن يركن إلى أي تفاؤل سهل، حتى في الوقت الذي يبدو فيه أن الشعب حقق نصرا عظيما. وبعد ما تحدد مصير الملك في أحد الأيام المجيدة (الانتفاضة الكبرى) من الثورة، تميز احتفال مارا بالحدث بأعمق نبرة حذر: “ ربما كان 10 أغسطس المجيد يوما حاسما في انتصار الحرية، إذا ما اعتبرته كذلك، ولكن عرفت أيضا كيف تستفيد منه لصالحك. لقد هوى عدد هائل من الطغاة إلى الرغام، ولكنهم لن يبطئوا في العودة وتثبيت أنفسهم بصورة أكثر فظاعة مما كانوا عليه سابقا. وأكرر، يجب أن تظل فزعا. إذ لن يمهلك أعداءك عندما تحين فرصتهم. لا مجال لاي هوادة . سوف تضيع إذا لم تسحق فاسدي المجالس البلدية، والقضاة أعداء الوطن، وأكثر نواب الجمعية الوطنية عفنا.” كان هذه اليقطة التي اكسبت مارا كراهية لا تهمد لمن أرادوا إنهاء الثورة في منتصف الطريق. واتهمهم باقتراف جريمتين. في البداية اصر على أن الثورة لا ينبغي لها معاملة أعداءها بالرحمة. وعن حق حذر تماما من أن الأعداء لن يستنكفوا أي مستوى من الدموية للوصول إلى أهدافهم، وأن الثورة ينبغي أن تكون مستعدة لسحقهم قبل ذلك: “اني ساخط على مراعاتنا لأعدائنا المتوحشين بشكل غبي؛ سنكون حمقى إذا خشينا إصابتهم بخدش. دعهم فقط يسيطرون على الموقف ليوم واحد، ولن تلبث أن تراهم يجتاحون المحافظات بالنيران والسيوف، ويسحقون كل من يبدون مقاومة، ويذبحون المخلصين للبلاد، ويجزرون النساء والأطفال، ويخسفون بمدننا إلى رماد.” ثانيا، كان مستعدا لرفع مطالب محددة الجماهير الباريسية لدفعهم إلى الحركة. وكان هذا يحدث خصوصا عندما يصل الأمر إلى عجز حاد في المواد الغذائية الأساسية مثل الخبز. وكتب بلا مواربة في الجريدة: “في كل بلد لا تكون حقوق الناس فيها عبارة فارعة، من شأن سرقة بعض المحال، وشنق بعض الضاربين في الأسعار على أبوابها، أن تؤدي إلى وضع حدا لهؤلاء المستغلين الفسدة بسرعة، فهم يذهبون بخمسة ملايين إنسان إلى اليأس، ويؤدي ما يقومون به إلى هلاك الآلاف بسبب الحاجة.” وارتبط هذا التعبير عن السخط الشعبي، مع العنصر الثالث من بين العناصر المتوفرة في جريدته- ان يظهر بها صدى خبرة الناس. وبعد بداية الجريدة بفترة وجيزة، ابتكر مارا فكرة نشر خطابات يحكي فيها الافراد عن القهر الذي يعانون منه في ظل النظام القائم. ونشر ثلاثة أو أربعة آلاف من تلك الخطابات خلال عمر الجريدة. وأوضح مارا أن الافتقار إلى المساحة دفعه إلى إدخال بعض أعمال التحرير عليها: “لا عجب في سهولة ملاحظة أن الأسلوب نفسه يتكرر في معظم الخطابات التي انشرها: إذ تجبرني المساحة المحدودة في جريدتي على أن أقوم بتحريرها، وهذا على أساس المحافظة على عدم إضافة أي شيء إلى جوهرها”. ويتضح النجاح الذي حققه الجمع بين المبادئ والتحريض والخبرة في جريدة مارا، من محاولات السلطات لإخراسها. إذ حاول الليبراليون الدستوريين والجمهوريون المعتدلون على السواء الإجهاز على مطبعته، واعتقاله شخصيا، ومنع الجريدة من الصدور. وامضى سنتين في التنقل من شقة إلى شقة، يعمل في الأقبية ويختبئ في الجحور. رغم بلوغ شعبية الجريدة مستوى لم يسبق له مثيل في تلك الفترة. وعندما استطاع مارا الخروج في نهاية المطاف من السرية، مع سقوط الحزب الدستوري، كانت شعبيته غير خافية. وأصبح الخامس في قائمة المندوبين المنتخبين من باريس في الجمعية الوطنية، ومن خلال النفوذ الذي حققه في هيئة المجلس البلدي الثوري لباريس، كان واحدا من أقوى العناصر السياسية. ورغم إنه لم يكن على علاقة شخصية سابقة مع زعيم الجمهوريين المتشددين في مجموعات اليعاقبة، بعد هزيمة الجمهوريين المعتدلين في الجيروند، إلا أنه كان جزءا من الثلاثي الذي ادار البلاد فعليا، إلى جانب روبيسبير ودانتون. وبالنسبة لأنه كان شخصا بدون منظمة، فرد ثوري عليه تحديد المهمات الملحة من وجهة نظره، ويقوم بها دون مساعدة من آخر، فيمكن اعتبار أن ما قام به كان انجازا بارزا. والتفتت الثورة المضادة إليه عندما قضت في النهاية على نفوذه بالطريقة الوحيدة التي تعرفها- ضربة سكين قاتلة في صدره، بينما هو عاكف على بروفات جرديته في حمامه. “ نورثرن ستار” أو نجمة الشمال ارتبطت النضالات المبكرة لحركة الطبقة العاملة البريطانية ارتباطا لا ينفصل عن إصدار وتوزيع الجرائد والصحف. فكان الغضب العام الذي تصاعد في بيترلو في 1819، ثم تصاعد مرة أخرى من أجل الإصلاح في 1830، بإيعاز من جرائد مثل جريدة بوليتكال ريجستر (Political Register) أو الملف السياسي التي كان يصدرها كوبت، وجريدة بلاك دوارف (Black Dwarf) او القزم الأسود التي أصدرها وولر. وأدى الخوف من آثار الصحافة الراديكالية التخريبية على الطبقات الدنيا، إلى اتباع الحكومة سياسة متعمدة، تحاول من خلالها تقليص مستوى توزيع الجرائد إلى أقل حد ممكن، بفرض ضرائب باهظة على الجرائد. ولكن الصحافة الراديكالية وجدت طرقا لتجنب ذلك (مثل طباعة جرائد في صورة يمكن ادعاء انها ليست صحافة، مثل ألا يكون بها أخبار وإنما تعليقات فقط)، وبعدها، مع تحقيق الطبقات الوسطي لبعض أشكال الإصلاح في 1832، دون أن يؤثر هذا في شيء على الحرمان الذي تعاني منه الطبقة العاملة، اصبح اخترق القانون يتم بصورة متعمدة. وأدت الدور المحوري في هذه الحملة، جريدة اسبوعية من ثمان صفحات، “بور مانز جارديان” (Poor Man’s Guardian) أو جارديان الفقراء، التي أصدرها هنري هيثرنجتون، وقام براين برونتر اوبراين بتحريرها معظم فترة صدورها. وشاركت بشدة في حملات النقابات العمالية، وازدهرت في منتصف ثلاثينات القرن التاسع عشر، وارتفع توزيعها إلى 16 ألف نسخة، رغم اعتقال القائمين على طباعتها وتوزيعها، وسجنهم بشكل متكرر. وأدى نجاحها إلى تحول الحكومة إلى تكتيك عكسي عام 1836- خفض الضرائب على الجرائد، والاعتماد على السوق بدلا من الضرائب المرتفعة في طرد الجرائد الراديكالية ضعيفة التمويل من المجال التجاري. وفي البداية، بدا هذا الإجراء ناجحا. وبدأ تراجع توزيع جريدة جارديان الفقراء، بينما خفت تأجج النقابات العمالية مابين 1985 و 1836، وأنهى هيثرينجتون أعماله، وحول انتباهه إلى الجرائد الأكثر نجاحا، التي وفقا لعباراته، شغلت نفسها “بالمخابرات والجرائم وحوادث الاغتصاب والانتحار والحرائق والتشويه، والمسارح والسباقات والملاكمة، وكل أنواع التسلية”. ولكن بعد ذلك، وفي نوفمبر 1837، صدرت “نورثرن ستار” أو نجمة الشمال في ليدز. وكانت جريدة اسبوعية من ثمان صفحات “بالقطع الكبير” (مثل حجم فينانشال تيمز الآن)، مغطاه بعامود وراء عامود من كتابة جافة إلى حد ما، ربما مع قالب واحد لرسم الصفحات لكل خمس أعداد، بينما الصفحة الأولى مكرسة أساسا للإعلانات (عادة، إلى حد الإعلان عن أدوية مشكوك فيها) وكان ثمنها أربع بنسات ونصف (في وقت كان من الممكن ألا يزيد مكسب العامل في اليوم عن شلن). ورغم هذا حققت نجاحا مذهلا. وفي فبراير 1837، كان مبيعاتها 10 آلاف نسخة كل أسبوع، وبعدها بعام فاقت الجريدة اليومية اللندنية “تيمز”، إذ وصلت المبيعات إلى 50 ألف. وكان على هيئة البريد شراء عربات خاصة بالإضافة إلى حافلات البريد المعتادة من أجل توزيعها! وضاهى عدد قراءها الفعلي تقريبا عشرة أضعاف رقم بيعها. إذ كان من الجائز أن يشتريها أصحاب الحانات لتكون متوفرة لزبائنهم من العمال، أو يشترك مجموعة من العمال معا في شراء نسخة ويتداولونها فيما بينهم. و يحكي بنجامين ويلسون Benjamin Wilson، وهو أحد الشارتيين في مدينة هاليفاكس، “كيف كان من العادات الشائعة في أحياء الصوف، [وسميت كذلك لكثافة انتاج النسيج الصوفي فيها] أن يجتمع الأصدقاء في منزل أحدهم لقراءة الجريدة والحديث في الشئون السياسية”. وحكى شاهد آخر كيف كان الناس في تودموردن يتجمعون يوم صدور نجم الشمال على الأرصفة في انتظار وصولها “وتكون وقتها أهم من أي شيء آخر عداها.” (اقتباس من Dorothy Thompson, The Early Chartists, London 1971, p.13) وفي ليستر، كان من الممكن أن يجتمع النساجون في الورشة وقت استراحة تناول الشاي بعد الظهر : “بعضهم جالسون على صناديق لفافات الخيط، وبعضهم على قوالب طوب، وربما يجلس من تكون الانوال التي يعملون عليها في المنتصف، على الواحهم التي يجلسون عليها اثناء العمل… بينما يقرأ أحدهم مقالة قصيرة من نجمة الشمال، التي يبقى موضوعها محل الاهتمام والمناقشة والدردشة خلال ما تبقى من اليوم”. وفيما يتعلق بالتقسيمات التي حددناها – الأفكار العامة، والخبرة، وما العمل- لا شك في أن قدرة نجمة الشمال على التعبير عن خبرات مئات وآلاف من العمال المشاركين في الحركة المتصاعدة، كانت العامل الرئيسي في نجاحها. إذ شهدت السنوات من 1873 – 1839 تصاعد هائل للنضالات- بسبب الإفقار المدقع لجماهير العمال نتيجة لانعكاسات الكساد الاقتصادي؛ ومحاولات حكومة اليمين فرض مرسوم تعديل قانون الفقراء عام 1834 وما تضمنه من ملاجئ في المناطق الصناعية في الشمال؛ وضد قانون الشرطة التي أحل قوات الشرطة الحديثة محل المجندين المنتخبين، الخاضعين إلى سيطرة الطبقة العاملة المحلية؛ وبخصوص محاكمة وتشريد قادة إضراب غزالي القطن في جلاسكو؛ والمطالبة بحصول الطبقة العاملة على حق الاقتراع؛ وحتى قمع التمرد في كندا على يد القوات البريطانية. وهكذا وردت ملاحظة في عدد نجمة الشمال الصادر في 13 يناير 1838: “أصبحت مقالتنا غاصة بالمظاهرات مرة أخرى. بدا الناس متسمون بالحيوية في كل مكان. في عددنا الحالي ستجد تقارير حول تجمعات في ستاليبريدج، وليدز و برادفور… وملاحظات مختصرة حول الاجتماع الجماهيري في هال حول قضية كندا… على هودريفيلد، حيث اوقف الإصرار الشديد للناس تعيين محرر لقانون الفقراء…” وتضمن العدد السابق عليه، 6 يناير، مقالات حول اجتماعات في بارنسلي (حول قوانين الشرطة المحلية)، وليدز وهدرزفيلد (عن الجمعيات التعاونية)، والموندبري وهاليفاكس ودوسبري (حول قانون الفقر)، وسادلورث (حول عمال الصوف الذين قدمهم صاحب العمل إلى المحكمة)، ومانشستر (حول كندا)، وهايد (حول قانون الفقراء)، وهدرزفيلد و برادفورد (حول قانون الفقراء)، وأيضا قائمة تبرعات من أجل عمال الغزل في جلاسكو، ومقالة حول “اجتماع ضخم” في نورثمبرلاند و دورام، حيث ذكر ان الناس حملوا لافتة مكتوب عليها: “غضب الله سوف يقع على من يفرق بين الرجل وزوجته”، “إذهب الآن ايها الثري وانتحب وأصرخ لأجل المصائب التي سوف تسقط عليك”، “من أجل الأطفال والزوجة سوف نحارب حتى بالسكين”، “دستور كندا، لعل أبطالها الشجعان ينجحون في الدفاع عنه”. وشرحت الجريدة في عرضها للكلمات التي القيت في تلك الاجتماعات، القضايا المطروحة بلغة يمكن لقرائها فهمها بسهولة (وربما كان الأهم، المستمعون إلى قرائتها). فاستطاعت نقل فظاعة قانون الفقراء، ومحاولات أصحاب العمل تخفيض الأجور بوسائل قانونية، والحرمان الذي يجبر الناس على العيش فيه. ولكنها استطاعت أيضا نقل شيئا في نفس درجة الاهمية- الاحساس بالمد المتصاعد للنضال ضد كل هذه الأشياء. لقد عكست الخبرة، ولكن في الوقت نفسه كثفتها وناقشتها. لم تنحصر مهامها في العروض فقط، ولكن المقالات الكثيرة أيضا. وشارك في الجريدة كثيرون متمتعون بالقدرة الهائلة على التعبير بأسلوبهم الخاص عن سخط وغضب المضطهَدين والمستغَلين، وخاصة مراسلها فيرجاس اوكونور. وصف جي دي اتش كول بشكل جيد كيف : “كان فيرجاس اوكونور من بين أعضاء الحركة الشارتية، الأحب إلى القراء بلا منازع، وأكثر المكروهين أيضا. كانت له سيطرة هائلة على الناس، ليس في مقاطعة واحدة فقط، ولكن في سائر انحاء انجلترا… كان فريدا في نوعه بحديثه المعتدل، وتطورت لديه عادة الكتابة بصورة قريبة جدا من الطريقة التي يتحدث بها- مستخدما كلمات وعبارات كوسيلة لإثارة قراءة، لا يحتد أبدا ولكنه عادة يؤكد بشدة على أي شيء يريد إقناع القراء به، ودائما يحمل تلميحاته بالعاطفة الجياشة ويجعلها محددة تماما، مع مزجها بأقل ما يمكن من الأفكار المجردة… كان احساسه بالمعاناة قوي وأصيل، وجعل الصعاليك والمقهورين في كافة انحاء انجلترا يشعرون أنه صديقهم، واستمروا في التسامح إزاءه وحبه، مهما كان مخطئا” (Chartist Studies, pp.300-301). وقد يقول فخورا… ان هذا اتاح له جاذبية إزاء “السترات القطنية”- أو الجماهير الفقيرة من العاملين في النسيج ورجال المناجم وعمال المصانع. وكتب بالأسلوب نفسه الذي نقله إلى الجريدة، افتتاحية عن مرسوم تعديل قانون الفقراء في أول عدد صدر عام 1838: “هذا المرسوم إهانة للأغنياء، واحتيال على الفقراء وخيانة إزاء الطبيعة. إنه سرقة، لابد أن يرتفع الاحتجاج والصراخ ضدها؛ كلب مسعور ينبغي أن يطارد من تل إلى تل ومن واد إلى واد. كل رجل يلاقي الموت في معارضة هذا العدو الوطني يستحق بجدارة نصبا لتخليد ذكراه، أكثر مما يستحقه مقاتل مدرب يعرض نفسه في مقابل أجر، غير مبال بالقضية التي شرع بالخدمة في سبيلها.” ولن تجد مثل هذه الحجج المنطقية في كثير من الصحافة الراديكالية. إنها طعن قائم على افتراضات متناقضة. ولكنها التقت بمزاج ملايين الناس حرفيا، وبهذا جعلتهم أكثر قربا من فهم المصدر الحقيقي للإضطهاد الذي يعانون منه. تلهف الناس على قراءة الجريدة لأنها اخبرتهم بما يشعرون به ويفعلونه، وهم انفسهم وآلاف آخرين يشبهونهم. ولم يقرأوه فقط. ولكن أيضا بعثوا بالتقارير إلى الجريدة وعاونوا في توزيعها. كان لها مراسلون في كل مكان يوجد به اقل مستوى من نضال الطبقة العاملة. وكما كتب المحرر عام 1841: “النجمة بها كثير من المواد الاصيلة بما يضاهي عشرة جرائد في المملكة”. وكان هذا ما جعل الجريدة أكثر من مجرد موضوعات معدة للقراءة: فجعل منها أداة لتنظيم الحركة أيضا. كان ينظر إلى نجمة الشمال غالبا باعتبارها منتجا ثانويا لحركة الشارتية. ولكنها بوضوح بدأت إصداراتها الجيدة قبل ستة أشهر من تأسيس الحركة رسميا، التي قامت على دعوة أشخاص مثل لوفت في لندن، كانوا اكثر اعتدالا في نبرتهم مقارنة بأوكونر. شمل تحريض نجمة الشمال مجموعة مكتملة من القضايا “الاقتصادية”- وخاصة قانون الفقراء ومسألة حقوق النقابات العمالية – الأمر الذي نتج عنه تعميما سياسيا، أدى إلى تكون هذه القاعدة العريضة للمطالبة بالاقتراع حول الميثاق. واتضح هذا من خلال درجة تمكن اوكونر من السيطرة على الحركة لمدة عشر سنوات، في حين سرعان ما اتجه من بدأوها رسميا إلى طرده. ورغم ذلك، لم تكن دعوة النجمة قائمة فقط على عكسها للخبرة. لقد كان أوكونور عاقلا بما يكفي ليجتذب إلى فريق التحرير اشخاص لديهم صفاء الافكار الذي يفتقده هو نفسه. ووفقا لكلمات دوروثي تومسون “ضم فريق العاملين بها كثيرين من أصحاب افضل القدرات في الحركة”. وكان من بين هؤلاء بصفة خاصة، برونتري اوبراين، الكاتب الرئيس للافتتاحية من 1838 إلى 1840، وجوليان هارني، محررها خلال معظم اربعينيات القرن التاسع عشر. وكانا بحق شخصين يتعاملان بكل جدية مع صياغة الأفكار الواضحة، ويفندون ايدلولوجية الطبقة الحاكمة. وحدد كل منهما وجهته بناء على أفكار جناح اليسار المتشدد في الثورة الفرنسية: ترجم أوبراين كتاب بوناروتي “مؤامرة الداعين إلى المساواة لبابوف” إلى الإنجليزية، وكتب بنفسه بيوجرافيا لم ينتهى منها حول روبسبير، كما كان هارني على اتصال دائم مع بعض المهاجرين من الحركات الثورية الأوربية. ولكن كل منهما لم يكد يشرع في محاولة المضي إلى ماهو ابعد، وتناول الأفكار الاقتصادية للبروجوازية الصناعية الصاعدة. لم يستطيعا تجاوز النجاح الجزئي في هذا الصدد؛ ولكنهما على الاقل شرعا في كشف بعض الأفكار التي فصلها ماركس في نقده المحكم للمجتمع البرجوازي ككل. واستخدما تلك الأفكار في وضع العمال على بداية طريق فهم مصالح طبقتهم. وكما أوضح الإصلاحي “المعتدل” فرانسوا بليس: “ ظل أوبراين يكتب لمدة طويلة كتابات ملائمة جدا في الأفكار التي تم ترسيخها بعناية لدى كل فرد ضمن عمال كثيرون يولون اهتمامهم للشئون العامة. وكان غرضه كما كان دائما، فض القبضة الخاصة عن الممتلكات وكل الأرباح والفوائد والتراكم… (Quoted in Cole, p.245).” وبنفس الوضوح الذي كان يكتب به، وردت في مقالة عن ايرلندا في عدد ستار 27 فبراير 1838: “تتحدث هذه العصابة (أي الحكومة) عن مستعمراتنا. كاذبون، هؤلاء المتنطعين. ليس لدينا أية مستعمرات؛ استولت ارستقراطيتنا وتجارنا على مستعمرات في كل انحاء العالم، ولكن الشعب في انجلترا- شعب انجلترا الحقيقي، لا يمتلك بالفعل شريطا واحدا من الأرض في بلده- وأقل من هذا كثيرا بالمستعمرات في اي دولة أخرى. ما يسمونه مستعمراتنا، إنما يخص أعداءنا، من يقهرونا ويستعبدونا.” وتظهر نقطة ضعف الجريدة عندما نأتي إلى سؤال ما العمل. وهي نقطة ضعف اوكونور نفسه، فهو قادر ببراعة على تقديم عرض واضح لمظالم الناس، ولكنه عاجز تماما عن المضي في التفكير حتى يصل إلى استنتاح الاستراتيجية والتكتيكات التي تعالج هذه المظالم، ولهذا يتراجع دائما عند اللحظات الحاسمة في النضال. أمكن التعامل بسهولة مع تحديد ما ينبغي فعله عندما كانت الحركة في بداية صعودها سواء في 7-1838، أو في 1-1842، أو في 7-1848. بشكل أساسي، طلبت من العمال التوحد في حركة احتجاج واسعة، ووضع آمالهم فيما يمتلكون من قوة، ولا يطمحون في أي تأثير “اخلاقي” على الطبقة الحاكمة (وصفت الجريدة “الضغط الأخلاقي” عام 1838 بانه “هراء أخلاقي”). ولكن عندما وصلت الأمور حد الأزمة، مثلما حدث في صيف 1839 و صيف 1842 وربيع 1848، كانت الجريدة عاجزة عن توفير أي اتجاه واضح للتقدم. وأيضا بعد تلك المحطات الحاسمة في النضال، سرعان ما انخفض توزيعها إلى 18 ألف في 1840، 12 ألف في 1842، و6 آلاف في 1846، ثم عاد إلى الارتفاع إلى 10 آلاف في 1848، و اتجه إلى الانخفاض إلى 5 آلاف في 1850. ورغم ذلك، فقد حافظت على ترابط أسس أول حركة للطبقة العاملة على مستوى العالم لمدة أكثر من عقد، حتى خلال الأوقات العسيرة. وعلى حد تعبير أحد الذين وجهوا النقد “لتطرفها”، كانت وقت شدتها تتألف من مجرد “زمرة ضئيلة من عشرة أو عشرين شخص في كل مدينة، يجتمعون بصفة عامة في أحد المشارب، ويقولون عن انفسهم فروعا لجمعية الميثاق الوطني” (Matthew Fletcher of Bury, quoted in Dorothy Thompson, p.77). وأخيرا فقد كانت، من وجوه عدة، مثالا ساطعا على ما يمكن أن تكونه جريدة الطبقة العاملة. دايلي هيرالد 11-1922 لم تكن ديلي هيرالد جريدة ثورية بمعنى إطلاقها دعوة صريحة قاطعة للإطاحة بالقوة بالمجتمع القائم. ورغم هذا فالأمر يستدعي إلقاء نظرة عليها لسببين. إنها تظهر كيف يمكن لمن كانوا في أقصى يسار الطيف السياسي اصدار جريدة في فترة تصاعد للنضال، قادرة على تحدي الصحافة البرجوازية عندما يتعلق الأمر بقراء الطبقة العاملة. ولهذا، كان يقتبس منها دائما باعتبارها مثالا على الصحافة الثورية، للتعرف من خلالها على الشيوعية الدولية في سنواتها الأولى. بدأت الجريدة نشرة من أربع صفحات بخصوص إضراب وقع في لندن أثناء إغلاق المطابع في يناير 1911. ولم يتناول العدد الأول منها سوى الإضراب، ورغم بداية المقال الأول بمقطع لوليام موريس، إلا أن لهجتها كانت ما تزال تعكس تأثير الأفكار الراسخة الرائجة: إذ ذكرت أحدى المقالات في الصفحة الأولى “االرجال لإنجليز الذين انجبوا أبناءً للموت من أجل معارك الامبراطورية في الخارج، لن يستسلموا مثل حشد من الآسيويين الجوعى… رأس المال قد يكون قويا، ولكن البشرية أقوى”. ولكن سرعان ما تناولت الجريدة قضايا صناعية أخرى غير الطباعة – مثل أحوال المخابز، أو ما كان يحدث في نقابة عمال المناجم في فيفي- وأظهرت تأثير المتبنين للاشتراكية الذين صارت لهم أدوارا في إصدارها، مثل بن تيليت من نقابة عمال الموانئ وجورج لانسبري عضو البرلمان اليساري عن حزب العمل. وتضمنت مقالات تطرح القضية الاشتراكية. وبالمثل كانت أيضا تتسع لتضم عمود عن كرة القدم وعمود عن البستنة. وتغيرت معالجتها لنضال عمال الطباعة بشكل ملحوظ من النغمة الحرفية في الأعداد الأولى: إذ تضمنت الصفحة الأولى في عدد 21 ابريل صورة عاملات بالمخازن مضربات، ولقاء مع إلين سميث قائدة القسم النسائي في نقابة العاملين بانتاج الملابس. وأدى نجاح نشرة الإضراب – التي رفعت المبيعات من 12000 إلى 27000- إلى توجيه المشاركون في إصدارها لنداء ليحصلوا على التمويل اللازم للمحافظة على استمرارها كدورية منتظمة. ولم تنجح محاولتهم على الفور، وبعد ثلاثة أشهر توقفت عن الصدور مؤقتا. وبعد عام، في ابريل 1912، أستأنفوا نشرها، ورغم عدم تجاوز رأسمالها الداخلي مبلغ 300 جنيها، إلا إنها تمتعت بنجاح مدهش خلال السنتين التاليتين. وبينما لا توجد معلومات دقيقة حول حجم مبيعاتها، ولكن هناك تقديرات بتراوح نطاق توزيعها بين 50 و 150 ألف. ولم يكن هذا الرقم كبيرا مقارنة بأكبر دوريتان يوميتان شعبيتان حينها، جريدة ميل وجريدة ميرور، الذي قدر بين 750 ألف ومليون نسخة، ولكنها كانت تساوت مع جريدة اكسبريس وتيليجراف، اللتان كانت مبيعاتهما تتراوح بين 200 و 300 ألف- ولاسيما وأنها تباع إلى العمال اليدويين الذين لم تتطور لديهم عادة شراء جريدة يومية مقارنة بجرائد يوم الأحد الأسبوعية. ونلمس نجاح هيرالد بوضوح أكبر إذا علمنا أن قادة حزب العمل الرسمي بدأوا إصدار جريدة يومية للحزب في صيف عام 1012بغرض منافستها، وهي جريدة ديلي سيتزن التي تتمتع بدعم مالي هائل. وفي الإصدار الجديد من هيرالد, استخدمت آخر تكنيكات إصدار الجرائد الرائجة بلا مواربة. وهكذا ظهر العدد الثالث منها يحمل مانشيت “غرقى تيتنك”. ولكن وجهت تكنيكات الإثارة أيضا ضد النظام القائم كلما أمكن هذا. وكذلك طرحت يوما بعد يوم تساؤلات حول ظروف الغرق، على صفحتها الأولى- احتياطات السلامة على السفينة، أحوال طاقمها، وقبل كل شيء لماذا سمح لركاب الدرجة الأولى من الرجال بالنزول إلى زوارق الانقاذ، بينما ركاب الدرجة الرخيصة من النساء والأطفال اجبروا على البقاء في المركب الغارقة. ولكن لم يكن استخدام هيرالد لتلك التكنيكات أبرز ملمحها، وإنما أسلوب جمعها لذلك مع التعريف الوثيق بنضالات العمال. وكما أوضح جورج لانسبري، عرفت أنها “جريدة متمردة” لانها “تجد نفسها دائما مؤيدة للعمال المضربين… وكثيرا ما كان المناضلين والمناضلات لتحسين ظروفهم يتوجهون بكثرة إلى ديلي هيرالد في تلك السنوات الأولى…” وتضمنت صفحاتها مقالات متتالية حول إضرابات وظروف العمال والنزاع مع اصحاب العمل. وهكذا تضمن العدد الأول من السلسلة الجديدة أخبارا عن إضراب السكك الحديدية، ومناقشة حول إضراب الفحم الذي انتهى قبل صدورها مباشرة، وتفاصيل عن إنهاء إضراب شارك فيه 30 ألف عامل جوت في ديندي، ومقال عن نزاع الكهربائيين أمام محكمة إيرل. ودعا أمناء النقابات العمالية والمجالس النقابية ولجان حزب العمل والجمعيات التعاونية … إلى تحويل أي أخبار إلى دايلي هيرالد. وعندما أضرب 100 ألف من عمال الموانئ وعمال النقل في لندن في يونيو ويوليو، كانت هيرالد لسان حال الإضراب بشكل رئيسي. وبعد ذلك بعام، عندما استبعد عمال دبلن، قادت هيرالد حملة تضامن في عموم بريطانيا. وشهدت تلك الأعوام أكبر صعود لنضال الطبقة العاملة من زمن الشارتية، تمثل في الإضرابات الضخمة التي أدت إلى إدخال العمل النقابي إلى مجال صناعي بعد الآخر، بمبادرة تتم عادة بواسطة عناصر “غير رسمية” متأثرة بالأفكار الأشتراكية والنقابوية. ومثلت هيرالد وسيلة مكنت العمال المشاركين من الشعور بقوتهم الذاتية، عبر قراءه تقاريرها عما يقومون به من مواجهات مع النظام تحديدا. ومن خلال عكسها لخبراتهم وقت نضالهم العظيم، عملت على تعزيز تلك الخبرة. وجاء في أحد الخطابات إلى هيرالد في اكتوبر 1912 : دع أي شخص ينظر إلى تأثير الملاحظات التي تنقلها هيرالد على مر الأيام عن التمرد والاستقلال، حتى ولو دون تعمد. إذ يولد تسجيلها لانتفاضات العمال على مر الأيام، شعورا قويا بنضال العمال، كما يُظهر ضرورة التضامن والتحرك الواسع. ولكن ماذا عن الأفكار العامة التي كانت دافعا للقائمين على إدارة الجريدة؟ وهذا لم يتضح فعليا بأي حال. وفيما يتعلق بلانسبري الذي يوجه الجريدة بينما يتزايد نفوذه المهيمن عليها، كان يراها كمنتدى لكل أنواع الأفكار التي تقف في وجه النظام القائم، بدلا من كونها جريدة تعمل على تطوير خط ما. وهكذا كانت تتزاحم في المقالات الرئيسية أفكار النقابويين والاشتراكيين الشارتيين والمدافعات عن حق الاقتراع، والاشتراكيين النقابيين، والماركسيين والفوضوييين، والتوزيعيين مثل شيسترتونز وهيلير بيلوك. وجمعت فكرة عامة وحيدة، وهي تحبيذهم للشعور العدائي تجاه النظام القائم. وإذا تطرق الأمر إلى سؤال ما العمل، ترجم هذا الخليط الكامل من الأفكار نفسه في حالة تشوش. ولم يكن هذا أمرا ذا بال في الفترة التي استمرت حتى صيف 1914. وكل ما بدا ضروريا هو الدفع إلى تصعيد تدفق نضال المصانع في كل الجبهات، ضد القادة النقابيين المحافظين من الجيل القديم، وبخصوص الحكم المحلي لأيرلندا، و حق الاقتراع للنساء، وضد محاولات شراء ذمم العمال مع بدايات دولة الرفاه. وكان تشارلز لابورث، محرر الجريدة لمدة عام وعضو نقابة العمال الصناعيين في العالم IWW، نقابويا متشددا بصورة واضحة. وأستبعده لانسبري لأنه لم يعد قادرا على احتمال منهج التعريض بالآخرين الذي اعتبره “بالاساس انجيلا جيدا للكراهية من الطراز العتيق” (The miracle of Fleet Street, p.33). رغم أن لانسبري كان يقوم بدور قيادي في “رابطة هيرالد” لأنصار الجريدة، المكونة من 50 مجموعة محلية، إلا أنه أكد بوضوح أن الرابطة ليس لها رسميا دور رقابي على الجريدة! ولكن، أصبح عدم وجود سياسة واضحة مسألة شديدة الأهميةم في أغسطس 1914. وكان اندلاع الحرب يعني قطعا حاسما بين لانسبري، الذي نحت وجهة نظره المنحازة للسلام بالجريدة إلى الوقوف ضد الحرب، وأشخاص مثل تيليت وتشيستيرتونز، الذين أيدوها. وانخفض توزيع الجريدة، في الوقت الذي بدأت تكلفة الطباعة ترتفع بشدة أيضا، وبعد أسابيع قليلة تحولت إلى جريدة أسبوعية، بدلا من إصدارها يوميا. وأستأنفت الجريدة صدورها اليومي مرة أخرى، مع ظهور الإصدار الثالث في 31 مارس 1919، هذه المرة برأس مال يزيد على 140 ألف جنيه، ممنوحا من النقابات والجمعيات التعاونية. ويتضح ما أدى إليه مصدر التمويل الجديد من تغيير عند مقارنة بالجريدة بنفسها قبل الحرب: لم تعد الجريدة المتمردة التي كانت تعرض أخبار الإضرابات غير الرسمية، ولكن الجريدة التي يدعمها، على الأقل أسميا، القادة الرسميين في الحركة العمالية. وتضمن العدد الأول تحية واضحة، ليس فقط من شخصيات عرفوا بأنهم يساريون مثل توم مان والبرت انكبن، ولكن أيضا رامساي مكدونالد، وجي أتش توماس، وفيليب سنودين، وإدوارد برنشتين. ولاحظ لانسبري فيما بعد أن العمال يتوقعون من هيرالد تأييدها لأي نضال، كان أم غير رسمي، فكتب أن من حسن الحظ عدم وقوع كثير من الإضرابات غير الرسمية في 1919 و 1929. ولكن النضالات كانت قائمة على نطاق واسع. وبدأت عام 1919 مع إضراب المهندسين في جلاسكو، الذي أدى إلى صدامات دموية مع الشرطة، والإضراب العام في بيلفاست. وتواصل هذا مع التحريض القديم في المناجم، الذي بدا أثناء الإضراب الشامل وكأنه على وشك الانفجار مرة أخرى، وإضراب الشرطة الذي فض بالقوة، وإضراب السكك الحديدية، وحرب العصابات ضد الحاكم البريطاني في أيرلندا. وكان ذلك يتم في ضوء انطلاق الثورة البولشفية في روسيا، التي كانت امتدت بالفعل إلى المجر، والتي بدت مقتربة من الخليج الألماني أيضا. وواصلت هيرالد نشر الخبرات النضالية للعمال في صفحة تحت عنوان “عمال العالم يوما بيوم”. وكان ينشر بها 15 تقرير في المتوسط حول الإضرابات، والمفاوضات حول الأجور، وما إلى ذلك. وقد نجد أيضا مقالات في صفحات الأخبار الأخرى حول محاكمة قادة مهندسي جلاسكو على سبيل المثال، في جوار الجرائم والحوادث التي تركز عليها بقية الصحف الرائجة. وكانت الاخبار الدولية تدور أيضا حول النضال- إضرابات في الولايات المتحدة، والحرب في أيرلندا، وإضراب في الهند، ومعارك الجيوش الروسية والمجرية. والأهم، استخدمت الجريدة تكنيكات صحافة “الإثارة” لعرض ظروف معيشة الناس (نشرت في الصفحات الأولى عن الإسكان بيثنال جرين بصورة “مرعبة”)، وخطط الحكومة لضرب حركة العمال في الداخل والخارج. وحققت الجريدة أربع ضربات جريئة مهمة- عندما نشرت عن المعاهدات السرية التي عقدتها الحكومة البريطانية أثناء الحرب، مما اتاح إلقاء الضوء على الثورة الروسية؛ وعندما نشرت أوامر سرية وجهت لضباط الجيش لإعداد قواتهم لفض إضراب؛ وعندما كشفت تفاصيل مقابلة بين تشرشل وأحد جنرالات روسيا البيضاء بخصوص إرسال قوة تتألف من 10 آلاف “متطوع” ضد الثورة؛ وأخيرا عندما عرضت كيف طبعت الحكومة البريطانية نسخة مزورة من البرافدا. ولا عجب أن الجريدة كانت لها شعبية هائلة بين جميع نشطاء الطبقة العاملة تقريبا، وأصبح حجم التوزيع مابين 200 ألف إلى 370 ألف، ووصل إلى مايزيد عن 500 ألف أثناء إضراب عام 1919. ولا عجب أيضا في قلق الحكومة من نفوذها، إلى درجة حظر تداولها داخل القوات المسلحة. ولكن في أي شيء استخدمت الجريدة شعبيتها؟ ظل لها وضع جريدة “اليسار”، بمعنى أنها ظلت مصطفة في طولة خارقة إلى جانب؛ “المعارك المباشرة”، والعمل بالمصانع لأهداف السياسية، ومارست أوسع تضامن ممكن مع ناشطي المواقع النضالية. ولكن في 1919 و 1929 لم يكن كثير من الحركات العمالية على استعداد لمعارضة تلك الأشياء علنا. إذ شكل قادة النقابات الأساسية “تحالفا ثلاثيا” على أساس تبادل الدعم فيما بينهم، ونشر رامساي مكدونالد كتابا يقول فيه أنه لا بأس من العمل في المواقع الصناعية من أجل اهداف سياسية، طالما كان ذلك مطبقا بشكل مؤسسي وليس بصورة غير مؤسسية، وحتى أن “المعتدل” جي اتش توماس، كان يصوت بالموافقة على القرارات التي تتخذ في المؤتمرات لصالح المعارك المباشرة. وأكدت أكثر موضوعات الجريدة على أن المسألة لا يجب اقتصارها على مجرد كلمات، وأن الحركة ضرورية أيضا. ولكنها لم تكن مستعدة لتقديم تفصيلات واضحة حول ما يستلزمه هذا. ولاحظ أحد كتاب هيرالد، أتش إن بريلزفورد، أنه بينما يحدد اليسار في انحاء القارة منهجا للمعارك المباشرة في التطبيق العملي، إلا إنهم في بريطانيا مازالوا لا يناقشون ستوى صواب المشاركة من خطأها: “في انحاء القارة، لا يناقش الاشتراكيون إلا ميكانزمات هذا المنهج، ولكن عندنا يبدو لي أننا لا ننقاش شيئا إلا الاخلاق” (Daily Herald, 17 September 1919). وفي 1920، قصدت الجريدة إلى مناقشة، ضرورة توحيد النضالات المختلفة، سواء كان الأمر متعلق بتوحيد النضال في بريطانيا مع نضال الاستقلال في إيرلندا، أو متعلق بتوحيد نضال عمال السكك الحديدية مع عمال المناجم، وكانت محقة في طرح هذا للنقاش. ولكن عندما كان الأمر يتطرق إلى تحديد المسئول عن إفشال الوحدة، احتفظت بالصمت المطبق. وأصبح ذلك واضحا تماما في 1921 عندما فسخ عمال نقابات السكك الحديدية والنقل التحالف الثلاثي الذي يجمعهم بعمال المناجم، وتركوهم يواجهون هزيمتهم بمفردهم. وأعلنت هيرالد أن يوم الواقعة يمثل “يوم الجمعة الأسود”، ونشرت قرارات لفروع في نقابة السكك الحديدية تعبر عن الأسف لما حدث. ولكن تصريح محرر الجريدة ذكر بإصرار، “نحن لا نملك توجيه اللوم إلى أفراد أو أقسام من الحركة تحديدا”. لم تستطع ديلي هيرالد “لوم” “الأفراد” الذين كانوا مسئولين عن أهم هزيمة عانت الطبقة العاملة بسببها لمدة جيل، ويرجع هذا إلى سعي “مجلس الإدارة”، لإعطاء نفسه دور “عدم الانحياز” بالذات بسبب علاقاته بقادة النقابات “اليساريين” (كان بيفن قائد عمال النقل رئيسا للجنة جمع التمويل الخاصة بالجريدة). وكما لاحظ ألاسدير هاتشيت في دراسته شديدة الأهمية حول الجريدة: “كسبت الجريدة دائما احترام كل أقسام الحركة بسبب تقاريرها حول أخبار العمال، ونتيجة للاتهامات التي توجهها للحكومة. ولكن سياسة المحررين المتسمة بعدم الانتقاد وعدم التفرقة حينما تطرح مشاكل الحركة للنقاش، و’الانفعال الهائل‘ مع أي مكسب، أيا كانت ضآلته، أكسب الجريدة تأييد أصحاب الميول الثورية، كما جعل أيضا المغرقين في الإصلاحية فعالين في إصلاحيتهم في الوقت نفسه. وعبروا عن دعم المعارك المباشرة بأساليب، تتجنب في غالبيتها العظمى، المساس بالبرلمان كمؤسسة”. وفي فترة تصاعد النضال, يتزايد حماس ’مجلس إدارة‘ الجريدة، مصحوبا بدعوة للأعمال النضالية، وهي فترة يؤدي فيها مجرد نشر صرخات غضب الأقسام المختلفة من العمال، إلى خلق زخما ثوريا معمما. ولكنهم يفقدون الأمل فجأة، عندما تأتي لحظة تحول حاسمة في النضال. فلا يجدون ما يقال. وكان معنى صمتها، أنها لم تستطيع المضي من حينها فصاعدا، إلا بالتوجه إلى اليمين كجهة وحيدة. وفي أعقاب هزيمة عمال المناجم ، ارتفعت البطالة دون أن تواجهها مقاومة، حيث كان أعضاء النقابات في حالة إحباط شديدة. وتقوضت قاعدة التمسك بالنضال التي كانت تغذي هيرالد العتيقة، وهبطت مبيعات الجريدة. وفي نهاية المطاف، باع لانسبري القضية عام 1925، بالمعنى الحرفي للكلمة. إذ سلم إدارة صحيفته إلى المجلس العام لاتحاد النقابات، الذي باع بدوره نصف الأسهم إلى أودهامز، شركة النشر الضخمة. ولم تعتمد فترة ازدهار للجريدة في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، على هبة تمرد ما، ولكنها نفحة حظ بسبب نظيراتها من الجرائد حينها. و