حماس وفتح بين المصالحة والصفقة وقوى الشعب المهدورة

حجم الخط
أعلن في غزة، أول من أمس (28/5)، عن انطلاق عمل لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، بعد تأخر عُزي إلى أسباب تقنية و (تذليل بعض العقبات)، من المفترض أنه تم في اليوم نفسه لقاء بين وفدي فتح وحماس في القاهرة تم فيه تبادل أسماء مقترحة لعضوية حكومة فلسطينية عتيدة. في الحقيقة، رغم الأسباب التقنية المزعومة والعقبات المذللة التي لم يفسرها أحد، لتأخير عمل اللجنة، إلا أن الجو البروتوكولي بطابع احتفالي مضاف، لاستقبال رئيس حكومة حماس اسماعيل هنية، للدكتور حنا ناصر رئيس اللجنة المركزية للانتخابات وطاقم مساعديه، هذا المشهد يشير إلى بعد سياسي متضمن في التأخير والانطلاق نفسره، من جانبنا، مادام أحدا لم يقدم تفسيراً، برغبة حماس، أو على الأقل جناحها في غزة بإعطاء وزن اضافي لحكومة هنية المقالة، وربما إصرارا من هذا الأخير على القول بوضوح لمن يلزم ويهمه الأمر، أن له دورا لا يمكن القفز عليه وأن قطار (المصالحة) لابد من أن يمر على محطته. على العموم، هذا ليس جديدا في سلوك طرفي الانقسام ولعبهما السياسي على حساب الشعب، والسؤال الذي يطرح نفسه: هل الصفقة الجديدة بين فتح وحماس ترتقي فعلا لمستوى (المصالحة الوطنية) ثم ماذا بعد؟ بلا شك إن هذا الصفقة التي يطيب لهم تسميتها (مصالحة) قد تأخرت كثيرا حتى بالنسبة لهما، وأثناء الانقسام وأثناء عمليات الشد والجذب بين المنقسمين، خاض الشعب معارك كثيرة من مواجهة الاستيطان إلى معركة الأسرى بدون انتظار وقت في جداول أعمال الفريقين المتناحرين، ومازال شعبنا يخوض هذه المعارك دون انتظار قطار (مصالحتهما) معارك مرشحة لمزيد من الاشتعال والتأجج في ضوء سياسات العدوان الإسرائيلية. إذاً: بعد كل هذا الوقت من المماطلة والمناكفة، من الذي يستطيع تحديد القوى الضائعة نتيجة الانقسام، إذ قد يدعي كل طرف أنه لم يقصر في معارك الوطن والدفاع عن مصالح الشعب، ولكن الانقسام أوجد منطقة عمياء، منطقة (ثقب أسود)، إن صح التعبير، ابتلعت وهدرت الكثير من الطاقات والقدرات والجهود التي كان يجب أن توظف ضد إسرائيل والاحتلال والمستوطنين، والقضية هنا ليست فقط القدرة على حصر الهدر بل أيضا تسمية من يتحمل المسؤولية ومحاسبته. فهل سيكون الوضع الآن: عفى الله عما سلف؟ أم أن مراجعة ما ستحدث؟ للأسف يبدو أن سؤال المراجعة لا مكان له في (الصفقة) فكلا الطرفين بحاجة لبعضهما البعض، وربما لسان حال المواطن الفلسطيني البسيط أن كلاً منهما يستحق الآخر فعلا، ولكن المشكلة أن هذا الزواج المفاجئ بينهما إنما يدفع المواطن نفسه مقدمه ومؤخر صداقه!! يكتسب تحليلنا شرعيته من جواب النفي على السؤال الأول المطروح أعلاه: فما حدث ليس مصالحة وطنية بل صفقة بين فتح وحماس صفقة تشبه إلى حد بعيد ما حدث في مكة ولكن مع بعض التشذيب واختلاف العراب، ولانظن العراب المصري نفسه مقتنع بما حدث ولكن مصر لديها مشاغل أخرى أهم من صراع الكراسي الفتح-حمساوي، وتريد اغلاق هذا الملف ولو تحت أي اسم، ولو مؤقتاً، ومن المؤسف أن تصمت القوى الفلسطينية عن هذا التلاعب، وأن تنجرف الى الصفقة طمعا بحصة في الغنيمة، سواء مناصب حكومية أو أموال (تنمية) ونعلم أن الطرف الوحيد – ربما- الذي استنكر هذا الاتفاق المصلحي الفئوي الضيق وأعلن سلفا رفض الانخراط فيه هو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقد أصابت الجبهة بتشكيكها العلني بهذا الاتفاق وتجنبها الغوص في أوحاله، ولكن السؤال هو هل تستطيع الجبهة وهي التي كانت رائدة في محاربة الانقسام ورائدة في معركة الشعب الأخيرة أعني اضراب الأسرى، هل تستطيع أن تشكل نقطة استقطاب جدية يلتف حولها كل المتضررين من زواج حماس-فتح المشكوك في صحته، وتكون بالتالي قادرة على تشكيل تيار شعبي قادر على وضع المستفيدين من الانقسام ثم –صفقة تبادل الغنائم بحد ذاتها في مزبلة التاريخ؟؟ هل سيستمر الشعب الفلسطيني في السكون على الاستفراد والتفرد بأحلامه ورؤاه ومداومة طعنه من الفصيلين الذين بالذات يدعيان أنهما الأوسع تمثيلا في صفوفه؟ هذه الأسئلة كلها ستجيب عنها الأيام وربما ليست ببعيدة، وكل ما يمكن قوله الآن أننا لا يمكن أن نأمل من (الصفقة) أن تتحول بقدرة قادر إلى (مصالحة فعلية) فهذا النوع من التحولات ليس من شيمهم للأسف.