أورنيللا عنتر
05/06/2012
للربيع في كيبيك شكل ولون خاص: مربّع أحمر، ينبثق عن إحدى الحركات التي تحارب الفقر: "من أجل كيبيك من دون فقر". اعتمدت إحدى الجمعيات الطلابية المربع الأحمر كرمز رسمي للإضراب، أعلنت عنه في أولى اجتماعاتها. التزمت الحركة الطالبية في المقاطعة الكندية بكل جوانبها برمز الانتفاضة، وارتدى كل من المتظاهرين والمضربين والمشاركين والمؤيدين للحراك مربعا أحمر صغيرا من القماش، علقوه على قمصانهم. لكن الطلاب الكيبيكيين أكثر إبداعا، إذ زينت الفتيات شفاههن بمربع رسمنه بأحمر الشفاه، وتعرين مكتفيات برسم مربع صغير على صدورهن، أما الشباب فرسموا الشعار على وجوههم.. واحتلّوا معا الشوارع.
منذ أكثر من 100 يوم، ومقاطعة كيبيك في كندا تشهد إضرابا طلابيا شاملا بسبب قرار الحكومة رفع الرسوم الدراسية الجامعية بنسبة 75 في المئة على مدى خمس سنوات. أكثر من 300 ألف طالب شاركوا في الإضراب والتظاهرات التي تعد الأكبر في تاريخ المقاطعة الناطقة بالفرنسية. الحراك الذي بدأ طلابيا، تطور بسرعة ليصبح حراكا مطلبيا اجتماعيا، سرعان ما نال لقب "ربيع الكيبيك"، تيّمنا ربما بالربيع العربي، الذي ألهم الكثير من الطلاب.
"العالم جائع للربيع"، بحسب كريستال (29 سنة) التي تدرس العلوم الاجتماعية، وتضيف: "الناس في كيبيك تعتقد أننا لسنا بحاجة إلى ربيع كالربيع العربي، لمجرّد أننا أفضل حالا من العرب. وهذا أمر محزن، لأن جرحا واحدا في العالم هو جرح للكلّ!". وجوه الشبه بين "الربيع العربي" و"ربيع الكيبيك" ليست بالقليلة، والقمع واستعمال العنف في وجه المعارضين هو خير مثال على ذلك. يرى جوناثان (24 سنة) الذي يدرس التاريخ في جامعة مونتريال، ويدير إحدى أهم الصفحات الخاصة بالحراك على "فايسبوك"، أن الحكومة تماطل وتحاول إبعاد الأنظار عن المشكلة الرئيسية، وهي ارتفاع الرسوم الدراسية. "أن تنفق الحكومة أموالا طائلة من أجل قمع التظاهرات، وأن تدفع زيادة على رواتب عناصر الشرطة لعملهم بعد الدوام، أكبر دليل على أنها تستطيع أن تحلّ مسألة زيادة الرسوم"، يقول جوناثان لـ"شباب السفير".
أمام إصرار الطلاب وتوسع الحراك، لجأت الحكومة إلى إجراءات قمعية أدت إلى اشتباكات مع الشرطة واعتقالات جماعية تخطت 2500 شخص بين طلاب ومعلمين وصحافيين. ظنت الحكومة أن مزيدا من القمع سوف يحلّ الأزمة ويعيد الطلاب إلى مقاعد الدراسة، كأن شيئا لم يكن. لكن السحر انقلب على الساحر، والقانون رقم 78 الذي منع التظاهر من دون ترخيص مسبق، والذي أقر عقوبات مالية كبيرة على المخالفين، زاد الطلاب عزما. فأصبح الحراك المطلبي حراكا مبدئيا يضع الحريات العامة في قمة قائمة مطالبه. تشرح كريستال مطالبها: "نريد وطنا يكون فيه الإنسان أهم من المصالح الشخصية. من غير المقبول أن تبيت عائلة بكاملها في الشارع لأنها لم تسدّد آخر قسط متوجب عليها، ومن غير المقبول أن تتقاضى امرأة راتبا أقل من راتب الرجل، بينما تقوم بالعمل نفسه". أما جوناثان، فمطلبه الأول والأساس هو التعليم للجميع: "الحكومة تريد جامعات تجارية يتم فيها التعامل مع الطلاب على أنهم زبائن. نريد جامعات يهمها نقل المعرفة أولا، وتكون فيها الفرص متكافئة مهما كانت قدرات الطالب المادية".
المطالب، بالنسبة لغلوريا (طالبة علوم اجتماعية) يختصرها مطلب واحد كبير: نظام اجتماعي مختلف يناهض النيوليبرالية. تشرح: "يدفع الشعب اليوم ثمن أزمة اقتصادية لا ذنب له فيها. النخبة البرجوازية في المجتمع حافظت على امتيازاتها على حساب الأغلبية الساحقة".
على الرغم من القمع والعنف، حافظ الطلاب على الطابع السلمي لـ"ثورتهم". تقول كريستال إن الحل هو الحراك السلمي، فهو يشبههم أكثر، ثم إنه يستقطب أعدادا أكبر من الشعب إلى صفّ الطلاب. وتضيف: "قضيتنا هي قضيتهم، والحراك السلمي هو سلاحنا الوحيد. العنف لا يخدم مصلحتنا ولا مصلحة القضية". "العزف على الطناجر"، شكّل أبرز وجوه النضال السلمي في المقاطعة. "هذا الشكل من الاحتجاج الشعبي يأتي من تشيلي. في الثمانينيات، خرج التشيليون إلى شرفات منازلهم وطرقوا على الطناجر احتجاجا على الديكتاتورية"، تشرح غلوريا. وكنتيجة لإيمانهم بالسلمية، طالب المضربون بالتفاوض والحوار مع الحكومة التي سخرت من مطلبهم هذا، فكانت في كل مرّة تجتمع بهم بشكل غير رسمي، تغادر طاولة الحوار قبل إيجاد أي حل. "الحكومة لا تريد المسّ بالزيادة، تريد الحد من الرسوم فقط. ليس هذا ما يريده الشارع في كيبيك. نريد إلغاء الزيادة، ونريد تعليما مجانيا على المدى البعيد"، يشرح جوناثان.
تخاطبهم الحكومة قائلة إنهم يدفعون الرسوم الدراسية ليتعلموا ويكونوا صنّاع المستقبل لاحقا. تخاطبهم كما لو أنهم جهلة، أو أطفال أغبياء. عرضت الحكومة مؤخرا على الطلاب أن تبقي على ارتفاع الرسوم وأن تزيد في المقابل إمكانية الحصول على مساعدات ومنح جامعية، لكن 94 في المئة من الطلاب رفضوا العرض، تماما كما رفضوا التعامل مع مطلبهم على أنه "إكسسوار"، في حين أنه حقهم الطبيعي.
الربيع يزهر في بقع مختلفة من العالم، و"ربيع الكيبيك" يفتح آفاقا جديدة كان قد نسيها أو تناساها شعب "المقاطعة الكندية" منذ زمن. لكن المقاطعة بعد 22 آذار، يوم شهد الشارع أضخم تظاهرة فيها، حتما لن تكون كالمقاطعة بعد هذا التاريخ.. وربما لن تكون مقاطعة أصلا. فالحراك الطالبي قد أعاد إلى الواجهة إشكالية سيادة الكيبيك وانفصاله التام عن كندا.
--------------------------
مقاطعة كيبيك
كيبيك هي المقاطعة الناطقة بالفرنسية في كندا. عاصمة المقاطعة تحمل الاسم نفسه، كيبيك، أما مونتريال فهي من أهم مدنها.
تقع المقاطعة في شمال شرق أميركا الشمالية، وتتشارك حدودها الجنوبية مع الولايات المتحدة. ووفقا لمساحتها، تعد أكبر مقاطعة في كندا. بلغ عدد سكانها 8 ملايين نسمة، يتكونون من مجموعات إثنية ولغوية واجتماعية ثقافية مختلفة، بمن في ذلك الكنديون الفرنسيون. واللغة الرسمية فيها هي الفرنسية.
وكما هي الحال في أي نظام سياسي فيدرالي، دستور كندا يقسم المسؤوليات بين الدولة الاتحادية والمقاطعات. وعلى هذا النحو، في الدستور الكندي، تعرّف المحافظات بأنها "ذات سيادة" ضمن مجال صلاحياتها.
النظام السياسي في الكيبيك ديموقراطي تمثيلي برلماني، على النمط البريطاني. الديموقراطية التمثيلية، لأن المواطنين لا يمارسون سلطة مباشرة على أنفسهم، ولكن ينتخبون النواب لممارسة هذه السلطة نيابة عنهم. البرلمانية، لأن السلطة التنفيذية لا بد أن تحصل على ثقة الشعب والبرلمان، لممارسة صلاحياتها. أخيرا، على النمط البريطاني، لأن الكيبيك لم ترث عن بريطانيا المؤسسات السياسية فحسب، بل خصائص دستورية معينة أيضا، منها وجود قانون دستوري مكتوب وآخر عرفي.
يتنازع على السلطة فيها، منذ 50 سنة، حزبان هما: الحزب الليبرالي والحزب الكيبكي الذي يدعم الانفصال عن كندا.