في زحمة الأحداث وتواليها التي لا تتوقف في خضم الصراع مع المحتل.. حيث تأخذ الاولويات في العمل الوطني مكانتها في مقدمة الاهتمامات على حساب قضايا وهموم المواطن والتي تعبر في محتواها عن قضايا واستحقاقات لا بد منها من اجل تعزيز الصمود وتطوير اشكال ومجالات المواجهة والتصدي لإجراءات المحتل التي تستهدف النيل من صمود الشعب ونضاله من اجل حريته واستقلاله...
وعلى الرغم من كل ما يقال من مستويات المساهمة التي تقدمها الطبقات والشرائح الشعبية الفقيرة والمهمشة في النضال الوطني والبناء الاقتصادي والاجتماعي الا ان هذا لم يمنحها الحق في معالجة قضاياها الانسانية من قبل الجهات التي ترسم السياسات وتمثل القرار في رأس الهرم السياسي الفلسطيني...
واذا كانت مشكلة البطالة والفقر تمثل احدى ابرز مظاهر الظلم والقهر الاجتماعي للعمال الفلسطينيين فان مطلب الحماية الاجتماعية وتنظيم سوق العمل وفق ضوابط انسانية يمثل مدخلا لا بد منه للمعالجات الجادة والخروج من الازمة الراهنة التي يعيشها عمالنا والشرائح الاجتماعية الفقيرة والمهمشة ووقف نزيف عشرات الاف الخريجين من الشباب الذين ينضمون لسوق العمل الفلسطيني دون اجراءات محددة قادرة على استيعابهم .
ويتضمن مفهوم الحماية الاجتماعية انماطا واساليب متعددة بدءا بنظام السوق الاقتصادي المتبع وجملة الإجراءات التي من شأنها أن تساهم في تطور اقتصادي منسجم مع معطيات الواقع المعاش من ناحية وتعطي حيزا واسعا للعدالة الاجتماعية التي تمثل ضرورة لاستمرار العمل واستحقاقاته الإنسانية فيما يتعلق بأوضاع العاملين والطبقات المهمشة والفقيرة الأمر الذي من شأنه أن يحول المجتمع ككل إلى مجتمع منتج وفاعل قادر على مواجهة القضايا الوطنية والديمقراطية الكبرى للمجتمع ككل .
الا ان سيادة اقتصاد "السوق الحرة" الذي يمنح أفضلية لرأس المال الخاص من اجل اخضاع كافة الحقوق الاجتماعية للمساومة واستغلال عوامل الضعف والفقر والبطالة من اجل زيادة استغلاله وثراءه على حساب الطبقات الفقيرة والمهمشة . فعلى الرغم من الكم الهائل من الانظمة والقوانين النافذة المفعول في المناطق الفلسطينية والاتفاقيات الموقعة من قبل الجهات الرسمية الفلسطينية في اطار اتفاقيات العمل المشترك مع المنظمات الاقليمية على المستوى العربي أو الدولي "الاتفاقيات الدولية " الا ان الواقع لا يعكس اي نتائج ملموسة من شأنها ان تساهم في التفاؤل او تبشر بالخير على المدى المنظور وخاصة فيما يتعلق بالحماية الاجتماعية والحد الادنى للأجور ووضع القوانين والانظمة موضع التطبيق.. بل ان الواقع القائم يؤكد ان جملة هذه القضايا تخضع للمساومة بين اطراف الانتاج كما يسميها البعض" الشركاء الاجتماعيون" في ظل خلل كبير في امكانيات وقدرات كل طرف واستثماره لتفشي البطالة والفقر .
ان ما جرى من حوارات حول الحد الادنى للأجور بين "أصحاب العمل والنقابات والحكومة" يعكس بصورة واضحة الاستغلال البشع للظروف الراهنة من قبل راس المال الفلسطيني والحكومة على حد سواء في تعميق وتوسيع دائرة الاستغلال للطبقة العاملة الفلسطينية .
حيث يسعى أصحاب العمل والرأسماليين الفلسطينيين الى التهرب من هذا الاستحقاق وإبقاء موضوع الأجور خاضع للعرض والطلب والمساومة في ظل تفشي البطالة والفقر مما يتيح لهم فرض شروطهم على العمال ...
ومن ناحية اخرى فان النقابات والتي تناولت الموضوع من زاوية اجرائية فقط وانجرت الى التفاوض حول الموضوع "الحد الادنى للأجور" من زاوية مقدار الاجر واخضاعه للمساومة والمفاوضة كمبدأ لتحديده سعيا منها لتبرير نفسها كقيادة عمالية وبحثا عن انجاز تقدمه للعمال الفلسطينيين , مما جعل الخلاف يبدو وكأنه خلاف حول مقدار الحد الادنى للأجور وليس الأسس الواجب إتباعها لتحديده وفق المعايير والاسس الانسانية المتبعة والمعروفة في اطار الاتفاقيات والقوانين المعمول بها محليا وعربيا ودوليا .
ويضاف الى ذلك عدم توحد النقابات حول رؤية موحدة , الامر الذي جعلها تقدم أكثر من رؤية للحد الادنى للأجور مما أتاح وأعطى فرصة لأصحاب العمل والحكومة للتهرب من الموضوع وتحميل المسؤولية للنقابات في فشل التوصل الى اتفاق حول الموضوع .
أما الحكومة وهي الطرف الراعي لتنفيذ الانظمة والقوانين فقد استغلت الواقع المشار اليه سابقا واعتبرته مبررا للتهرب من التزاماتها حول الموضوع ووعودها السابقة بهذا الشأن مع ملاحظة ان الحكومة هي اكبر مشغل في المناطق الفلسطينية وهي التي ستتحمل عبئا كبيرا في حال اقرار الحد الادنى للأجور في ظل تنامي مظاهر العجز المالي لتوفير متطلبات موظفي الحكومة وارتفاع وتائر النضال النقابي والمطلبي للعديد من قطاعات العمل الوظيفي الحكومي
بناء على ما تقدم فقد خضع موضوع الحماية الاجتماعية بمجمله رهنا بالواقع القائم والازمات الاقتصادية المتلاحقة التي تعانيها السلطة والميل الواضح لدى الجهات الرسمية بالانحياز لرأس المال وفرض رؤيته في معالجة القضايا النقابية مضافا اليه الضعف الواضح في اداء الحركة النقابية وعدم قدرتها على خلق حالة ضاغطة قادرة ان تفرض نفسها وتحصل على حقها بالعيش بحرية وكرامة من خلال تنفيذ الالتزامات التي تعلنها الجهات الرسمية من ناحية وضمان الحريات النقابية والتي يجري انتهاكها بشكل مستمر ومن ناحية ثانية التراخي والتماهي مع اصحاب العمل في فرض تطبيق الانظمة والقوانين السارية المفعول في مواقع العمل او في القضايا العامة – رغم كافة الوعود التي يطلقها المسؤولين ويجري التراجع عنها كما حصل في الحد الادنى للأجور .
ومن أجل ذلك لا بد للعمال الفلسطينيين ان يسعوا بكل امكانية من اجل المطالبة بحقوقهم النقابية الانسانية بما تنسجم مع دورهم وعطائهم وهذا يستدعي ان تتوحد النقابات أولا حول القضايا المطلبية المتعلقة بالسياسات الاقتصادية المتبعة أو القضايا النقابية المطلبية الاساسية لتقدمها بشكل موحد الى جمهورها أولا والى الجهات الرسمية المسؤولة عن تطبيق الانظمة والقوانين وتحديد السياسات الاقتصادية ....
وهذا هو المطلوب لوحدة الحركة النقابية الفلسطينية حيث ان الوحدة لا تعني تجميع البنى والهياكل وتقسيم الحصص والمسؤوليات بل هي برنامج نقابي نضالي موحد يؤمن به العمال ويوحد نضالهم النقابي من اجل نيل حقوقهم ....
أما فيما يتعلق بالحقوق فهي مطلب الحماية الاجتماعية واوجهها المتعددة بدءا بضرورة وجود قانون للضمان الاجتماعي وتحديد الحد الأدنى للأجور وفق معايير ومقاييس انسانية
فحسب ما صدر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، نتائج معالم الفقر في الأرض الفلسطينية للأعوام 2009-2010
(( وقدّر خط الفقر للأسرة المرجعية المكونة من خمسة أفراد (اثنين بالغين وثلاثة أطفال) في الأرض الفلسطينية 2372 شيكلا خلال عام 2010 (حوالي 609 دولار أميركي)
بينما بلغ خط الفقر المدقع لنفس الأسرة المرجعية 1783 شيكلا (حوالي 478 دولارا أميركيا) بمعدل سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الشيكل 3.73 خلال عام 2010.))
والمطلوب ان لا يقل الحد الادنى عن هذا السقف الذي حددته الجهات الرسمية وفق معايير ومقاييس محلية ودولية متفق عليها...
إن الإقرار بقانون للضمان الاجتماعي والحد الادنى للأجور من شأنه أن يساهم في تنظيم سوق العمل الفلسطيني ويحد من حالة الاستغلال السائدة ويساهم في الانتقال القضايا المطلبية الاخرى والتي من المفروض ان يكون عنوانها السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الحكومات الفلسطينية في كل من الضفة وغزة ومدى ملائمتها للواقع الفلسطيني المعاش وقدرتها على معالجة قضايا الفقر والبطالة والعمل ارتباطا بتعزيز دور الطبقة العاملة بالنضال الوطني في إطار النضال من اجل نيل الحرية والاستقلال والعودة...