مرسي وشفيق والقضية الفلسطينية

حجم الخط
أوضاع مصر تؤثر في فلسطين وقضيتها .هذه المقولة لا يشك فيها اثنان،فالتاريخ أثبت ذلك.في عهد عبد الناصر رفع الزعيم العربي لواء تحرير فلسطين, وكان هو والقاهرة محطتان بارزتان تتوجه إليها تنظيمات فلسطينية وعربية رفعت أيضاً لواء التحرير.الدول العربية بدورها راقبت توجهات السياسة المصرية آنذاك ترحيباً أو سخطاً،لكن الالتزام بتحرير فلسطين والموقف من قضيتها كان مؤشراً لقبول الجماهير العربية بهذا النظام السياسي أو ذاك.ظلت هذه المسألة قائمة حتى عام 1967 حيث الهزيمة أو النكسة التي نعيش ذكراها هذه الأيام.رغم ذلك بقي قانون التأثر والتأثير في أن الحدث المصري يؤثر على القضية الفلسطينية.بعد وفاة عبد الناصر ومجيء السادات واتضاح سياساته , ربما تأثر فعل هذا القانون،لكن الرئيس الراحل عرفات ظل يرقب الحدث والتوجه السياسي المصري نظراً لقناعته بأن ما يجري في مصر يؤثر بالضرورة على فلسطين.بعد توقيع اتفاقيات كمب ديفيد ربما خفتت حرارة العلاقات المصرية-الفلسطينية, لكن وبرغم ذلك كانت تلك الاتفاقية بوابة لتوقيع اتفاقيات أوسلو ووادي عربة من بعدها.بالطبع من الخطأ أن يجري استعمال اتفاقية كمب ديفيد مبرراً للتنازل في أوسلو،لكن لو لم توقع مصر على تلك الاتفاقية هل كان يجرؤ عرفات على اقتراف الاتفاقية الفلسطينية-الإسرائيلية المعروفة بأوسلو؟. بالطبع من الصعوبة بمكان تخيل أسئلة وأجوبةً مفترضة،غير أن لا شك بأن مسيرة مصر السياسية تؤثر على القضية الفلسطينية،فمصر هي الدولة العربية الأكبر والأقوى وهي الديموغرافيا والجغرافيا ومحاذاتها لفلسطين أيضاً. اليوم وبعد الربيع المصري ووصول الحدث في مصر إلى واقع ما هو عليه في هذه المرحلة،وعنوانها:الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية والتي يخوضها مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي ومرشح فلول النظام السابق أحمد شفيق،والذي وعلى ما يبدو فإن المجلس العسكري يقوم بدعمه ويذلل كل العقبات التي تعترض طريقه،بما في ذلك:العقبات القضائية حيث كان من الممكن سحب البساط من تحت قدميه بسريان مفعول قانون منع ترشيح أسماء للرئاسة من العهد البائد.لو حصل هذا لكان من الممكن لمرشح التغيير حمدين صباحي الدخول في الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة،بكل ما يعنيه ذلك من مراهنات تغييرية وطنية قومية عربية.هذا لم يحصل ,فنحن أمام مرشحين اثنين لا ثالث لهما،بالتالي فكيف سيكون تأثير كل منهما في حالة نجاحه،على القضية الفلسطينية؟. في حالة فوز مرسي : فإن من المفترض أن يتبنى الرئيس المصري الجديد،استراتيجية حماس بكل راديكاليتها عند الانطلاقة , أي أن يتم قطع كافة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وإسرائيل،وأن يتم إلغاء اتفاقية كمب ديفيد, وأن يجري تحديد استراتيجية مصرية جديدة،عنوانها:تحرير فلسطين من البحر إلى النهر،ففي مرحلة ما قبل الانتخابات(أي سابقاً) وصف مرسي, الفاشي ليبرمان وزير خارجية إسرائيل بأنه"مصاص دماء" ووصف المستوطنين وحركتهم بأنهم"دراكولات" وانتقد مرسي , زعيم حركة فتح ورئيس السلطة محمود عباس , الذي ووفقا لوجهة نظر مرسي ,يعتقد "بأن إسرائيل ستقبل إقامة دولة فلسطينية مستقلة" ووصفه :"بالسذاجة" في حين أشاد مرسي بحماس ومقاومتها للاحتلال الإسرائيلي. من جانبه،فإن إسماعيل هنية رئيس حكومة غزة(المقالة) وفي تصريح له(الخميس 24 مايو/أيار الماضي)ذكر : بأنه"سيكون لنتائج الانتخابات الرئاسية المصرية تأثير إيجابي جداً على مسار ومستقبل القضية الفلسطينية،فضلاً عن دور ومكانة المسلمين في العالم".تصريح هنية جاء باعتبار(أن مرسي مرشح الإخوان هو الفائز حكماً في الانتخابات الرئاسية).مثلما قلنا هذا هو الشكل المفترض لتأثير فوز مرسي(والإخوان) في الجولة الثانية،ولكن"لا تجري الرياح بمثل ما تشتهي السفن".فالمسلك السياسي في المعارضية هو غير المسلك في حالة تسلم السلطة : فلو عُرض على حماس هدنة إسرائيلية(ولو بطريق غير مباشر) أثناء وجودها في المعارضة لما وافقت على ذلك،ولكن بعد تسلم السلطة في القطاع(حتى لو كانت محتلة) قبلت حماس بالهدنة, وهي تضغط على بعض تنظيمات المقاومة بعدم إطلاق الصواريخ تحت طائلة السجن،الهدنة ممكن أن تكون لأربعين سنة،كما صرح رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل.ويمكن لحماس أن توافق على دولة على أية أرض يتم تحريرها من إسرائيل،وهي لا تُمانع في إجراء اتصالات مع الأوروبيين ,على سبيل المثال وليس الحصر،والمقصود أن حماس ونتيجة لتسلمها السلطة أخذت تميل إلى البراغمانية. ليس بعيداً عن نهج حماس،فإن الإخوان المسلمون وفي ظل مرسي كرئيس منتخب،فإنهم وبدلا من دفع حماس إلى التشدد،فإنهم سيضغطون عليها نحو المسلك الواقعي،وقد لعب الإخوان المسلمون دوراً كبيراً في شدّ حماس إلى البراغمانية. الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الغربية تنبهت إلى إمكانية فوز رئيس من الإخوان المسلمين بعد تحقيقهم نجاحاً كبيراً في الانتخابات التشريعية وقرارهم بإنزال مرشح لخوض الانتخابات الرئاسية،لذلك خاضت أمريكا حواراً مباشراً مع الإخوان في مصر وفي واشنطن من خلال مؤسسة"كارينغي للسلام الدولي" والتي عقدت مؤتمراً بعنوان"الإسلاميون في السلطة".دعت إليه قيادات من الإخوان المسلمين من مصر والمغرب والأردن وتونس وليبيا.هذه القيادات التقت أيضاً بوليام بيرنز مساعد وزير الخارجية الأمريكي.في المؤتمر وحول العلاقة مع إسرائيل، قال الوفد المصري"بأنه أعلن التزامه بالاتفاقيات الموقعة مع مصر(بالطبع منها كمب ديفد) لكن هذه الاتفاقيات لا تشكل بالنسبة للإخوان الأولوية فهناك القضايا الاقتصادية الملحة وأخرى غيرها. من الطبيعي والحالة هذه بعد ذلك أن تصرح هيلاري كلينتون"بأن لا مانع للولايات المتحدة من تسلم الأحزاب الإسلامية للحكم في بلدانها. مما سبق يتضح المسار والنهج السياسي لمرسي في حالة فوزه بالانتخابات الرئاسية،وملخصه في أنه لن يجري تغييرات راديكالية في تعامل مصر الرسمي مع القضية الفلسطينية.ربما يجري تخفيف للحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع،وربما لن تنشأ علاقات مصرية-إسرائيلية جديدة،لكن العلاقات مع إسرائيل لن تنقطع. في حالة فوز شفيق،فإن العلاقات المصرية-الإسرائيلية ستظل على عهدها،فبعد سقوط مبارك وتسلم المجلس العسكري للسلطة الفعلية،وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ظل الاتصال مع إسرائيل قائماً من خلال المخابرات المصرية , سواء الوساطة في الاتفاقية الموقعة بين الأسرى الفلسطينيين وإسرائيل،أو في محاولة تحذير إسرائيل من الهجوم على قطاع غزة.في بداية مرحلته فإن شفيق لن يُقدم على اتصالات مباشرة مع إسرائيل لحساسية ذلك أمام الشعب المصري. يظل الأمر مرتبط بمسار ونهج ثورة 25 يناير فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية،فالثورة وجماهير الشعب المصري هي القادرة أولاً وأخيراً على إلزام الرئيس المصري القادم بقطع كافة العلاقات مع إسرائيل.