محاكمة مبارك , وسباق الرئاسة, إلى أين ؟

حجم الخط
بقلم /عبد الحميد الشطلي . تحولت محاكمة الرئيس المخلوع ونجليه , ووزير داخليته , وستة من معاونيه , مع المليونير الهارب حسين سالم , بسبب الأحكام التي نجمت عنها إلى منفاخ حدادة هائل , ( كور حداد ) , نفخ الغضب , والاستياء في بر مصر , فأشعل فيه النيران , وأوقد الحرائق , ودفع بالحراك الشعبي ليُعبر عن نفسه على شكل احتجاجات , اضطرابات , مظاهرات , واعتصامات في الميادين , الشوارع , والساحات . انتظرت الجماهير المصرية , ما سُمِيَ تجاوزاً محاكمة القرن , أي محاكمة مبارك ونظامه البائد على أحر من الجمر , وكانت توقعاتها , أن تأخذ المحكمة بالقصاص العادل , بما يعيد الاعتبار لدماء ثوار الميادين والذين ضحوا بأرواحهم قرابين حرية انتصار ثورة 25 يناير , الأمر الذي لو حدث لنقل الثورة المصرية إلى طورٍ جديد . كل التوقعات كانت تذهب لجهة فرض أحكام قاسية على مبارك ورجاله , ولكن الذي حصل أصاب الحالة الشعبية المصرية بخيبة أمل كبيرة . إن آمال غالبية المصريين , كانت ترى , إن الدفع بالحالة المصرية السياسية للأمام , تعني القضاء المبرم على حكومة سجن لمان طره , كما يسميها المصريون , والتي يحملونها المسؤولية الأولى عن انفجار مظاهر العنف في المدن المصرية بين الحين والآخر , لماذا ؟! لأنها المستفيد الأول من إفشال الثورة المصرية وتخريبها , ولأنها أيضاً وعبر فلولها في مؤسسات الدولة المصرية مازالت تمسك بخيوط اللعبة الداخلية المصرية , ودليلنا نتائج سباق انتخابات الرئاسة , وما تحقق فيها لمرشحها أحمد شفيق . لم تكد تهدأ حالة الهيجان والاستياء في الحالة الشعبية , بعد الإعلان عن نتائج السباق الرئاسي , وبدأ ائتلافات الثورة , وتجسيداتها السياسية وقوى وأحزاب إلى جانب تشكيلات سياسية أخرى , بالبحث عن مخارج لما وصلت إليه الأمور لجهة قصر الاختيار الانتخابي القادم , حتى جاءت أحكام المحكمة على مبارك وأعوانه , فكانت الصدمة الثانية المؤلمة للجماهير المصرية , يقال ضربتين في الرأس توجع , إنهما ليس فقط ضربتين , بل صدمتين سياسيتين أحدثتا دواراً سياسياً تسبب بفقدان اتجاهات , وحالة قلق على مستقبل الشعب المصري . مصر كغيرها من أنظمة ما بعد الاستقلال , فشلت كما فشلت غالبية تلك الأنظمة من تبرير وجودها وبقائها في السلطة , بسبب عدم قدرتها على تجديد أنظمتها السياسية , ولأن ليس هناك إكسير حياة سحري , يتم تناوله , يجدد شباب الأنظمة وحيويتها ويسوغ استمرار بقاءها في الحكم , إن الديمقراطية , والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع وليس أي شكلٍ أو وسيلة أخرى , هي الأمور التي افتقدتها غالبية تلك الأنظمة . إن العديد من الدول العربية , تعاني من مشكلات مركبة , بعضها يعاني من أزمات بنيوية , أصابت التركيبات المجتمعية العربية باختلالات , ودفعتها أحياناً إلى مغامرات , أو مخاطرات تجريبية , في السياسة , المجتمع , والاقتصاد مما رتب وضع عراقيل , وصعوبات جمة حالت بينها وبين سرعة الانحياز والانتماء للمستقبل الأفضل , ومصر من هذه البلدان , لذا كان حرياً , تصفية المرحلة السابقة , نهجاً , نظاماً , ودستوراً , والانطلاق بقطار الثورة نحو التغيير في كل شيء , الأمر الذي لم يحدث في مصر بعد , ولم تنجزه الثورة المصرية , وتعاقب الأحداث خلال العشرة أيام الأخيرة , راكم المزيد من التعقيدات في المشهد السياسي المصري , وزاد الطين بلة , وصب الزيت على النار في واقع حال المصريين عموماً وأصحاب المصلحة الفعلية بالثورة ومفجريها بشكل خاص . إن قراءة أسباب ومداخل الأزمة الراهنة يوقفنا على التالي : أولاً – اقتصار الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة على مرشح حزب الحرية والعدالة ومرشح النظام القديم , وضع المصريين أمام خيارين لا ثالث لهما الأمر الذي تسبب بالغضب والدوار عند البعض , وضياع البوصلة عند البعض الآخر . ثانياً – الأحكام التي صدرت ضد مبارك وأعوانه , دفعت الجماهير المصرية لاستعادة شبح النظام السابق بكل ما يعنيه ذلك , من هواجس , وخوف واضطراب في قراءة المستقبل . ثالثاً – شعور قسم هام من ائتلافات الثورة , والحالة الشعبية , بانخفاض سقف التوقعات المعول عليها من الثورة , وزيادة مخاوفها بسبب عوامل كبح مختلفة طغت وأخذت تأسر التغييرات التي تحتاجها مصر . رابعاً – زيادة حجم التدخلات الخارجية والتمويل المالي السياسي الخارجي من قبل قوى ودول إقليمية ودولية , وأثره بزيادة تأزيم الحالة المصرية , هذه التدخلات التي تهدف للدفع بمرشح الفلول لكي يصل إلى كرسي الرئاسة , خدمةً لأهداف تكتيكية , وأخرى استراتيجية لصالح تلك القوى الإقليمية والدولية . إن تقليب صفحات الثورة المصرية , ومعرفة واقع حالها , يعطينا استبصاراً بالخطوات الواجب إنجازها كمخرج للحالة الراهنة . أولاً – مطلوب سد الثغرات , والنواقص , وتجاوز الأخطاء في معسكر الثورة , لا سيما لجهة التحالفات والتحشيد الثوري , وصولاً للاصطفاف خلف مرشح واحد للثورة فليس كافياً تبرير الفشل بتحميله للآخرين , أو شتم الثورة المضادة وكفى . ثانياً – الدفع لجهة تنفيذ قانون العزل السياسي على مرشح الفلول , الأمر الذي إذا حصل , يعيد السباق الانتخابي إلى جادة الصواب , ويجنب الشعب المصري النتائج المرتقبة في حال استمرار الوضع القائم . ثالثاً – أن تعيد الثورة منطقها وتحدد فلسفتها , كشعب يصنع ثورة , ويصنع فلسفة الثورة التي تحقق تطلعاته , أحلامه , وأمانيه بالحياة الكريمة , بما يعيد لهتاف الثوار في ميادين مصر الحياة , ( وحياة دمك يا شهيد , الثورة راجعة من جديد , ولا شرعية لقتلة المصريين ) . إن مصر تحيط بها مخاطر عديدة , والمصريون هم من يصنعون تاريخهم بأنفسهم وصولاً لشعار ميدان التحرير , عيش , وكرامة , حرية , وعدالة اجتماعية , إن غداً لناظره قريب .