حين يقرر القلم الكتابة فمن الطبيعي أن يبقى محكوما على صعيد الزمن لعوامله الثلاثة التي يتكون منها ، فالماضي والحاضر والمستقبل تشكل في مجموعها الداخلي أبسط تعريف لمفهوم هذا الزمن ، وبمعنى آخر فهذا الزمن ما هو سوى تعبير لهذه الحياة التي تتدحرج وتنساب بلا توقف ، فالعودة للوراء مستحيلة وغير قابلة للحدوث ، ومهما حاول الإنسان التحايل على هذه الحقيقة فسوف تأتي اللحظة التي يستسلم فيها للصدمة ، ويضطر بالتالي إلى رفع الرايات البيضاء إنصياعا وإعترافا بسيف هذا الزمن الذي لا يرحم ولا يحابي أحدا .
شعوبنا العربية عاشت زمانها وحياتها ولا تزال ، وها هو ماضيها محفوظ ومخزون في الذاكرة ، وفي بطون الكتب التي إنكتب محتواها بكل الأحبار وبمختلف الألوان التي إستطاع الإنسان إكتشافها وإبتكارها ليدون بواسطتها كل ما طاب له من وقائع وأحداث ، أما حاضرها فلا يحتاج للتعليق و هاهو ماثل أمامنا بكل جزئياته وتفاصيله ، والمشهد يواصل الدوران على المسرح ومن حق الجميع أن يمتلك المفهوم والمعنى الذي يراه منطبقا ومنسجما مع قدراته وإمكانياته الذهنية والعقلية لهذا الدوران و التدحرج .
الحلقة الأشد في صعوبتها هي تلك التي تتعلق بالمستقبل وما ستحمله أزمانه القادمة من حوادث ووقائع ومفاجآت ، خصوصا عندما نجد أن هذه الصعوبة نابعة ومرتبطة بعنوان الربيع العربي الذي أصبحت جميع الأوطان والشعوب العربية عالقة على شبكته و إن كنا حتى الآن لا نعلم إذا كانت هي الصائد أو المصيود ، فالتداخل والتقاطع بين مجريات هذا الربيع وأحداثه يجعل الإنسان حائرا وقلقا ومترددا فيما قد يكتب أويقول .
هذا الربيع ليس بثورة ، ولا علاقة له بقوانين وأنظمة وعلوم الثورات إذا كنا متفقين حول المعنى العلمي والدقيق للثورة وكما نصنت عليه كل التجارب الثورية السابقة التي تفجرت بعد أن إمتلكت الأداة والبرنامج والأهداف ، وهذا الربيع ليس بمؤامرة ، لأن المؤامرة تعني فرض واقع جديد أسوأ بكثير من السابق ، و من يراجع الواقع الميداني لمسار الحدث ومنذ إندلاع الشرارة الأولى فسوف يصطدم بالكثير من المعيقات والموانع التي ستغلق كل الأبواب على العقل إذا ما حاول الذهاب نحو تناول الامور على قاعدة فكرة المؤامرة .
فهل ما يجري إذا هو مجرد إنتفاضة وهبات شعبية ؟ ولدتها الرغبة العميقة والدفينة لتغيير الإستبداد والقمع والإضطهاد والظلم والقهر الذي كان الحكام وحكوماتهم ومؤسساتهم وأجهزتهم التعسفية يفرضونه على كاهل شعوبهم ومواطنيهم ، وكل ذلك على امل أن يكون البديل القادم ارحم ، وهل هذا هو السقف الأعلى الذي سيكون بمقدور هذا الربيع و جماهيره أن يصلوا إليه ؟ وما عدا ذلك فهو في حكم الممنوع والمرفوض لأنه سيتعارض ويتناقض مع المصالح الأمريكية والغربية والصهيونية ، ومن هنا تنبع الحاجة إلى إيجاد المعادلات الجديدة التي و بموجبها سيكون بمقدور الطرفين السير جنبا إلى جنب وبعيدا عن الحروب و التصادم والإحتكاك المباشر .
نستطيع القول أن النتائج الناجمة عن هذا الربيع وحتى تاريخه غير مطمئنة أبدا ، والضباب الكثيف يعيق رؤية صورة القادم ، والجماهير التي قدمت الدماء لتراب هذا الربيع لم يتحقق لها الحد الأدنى من مطالب التغيير، و بالرغم من ذلك فإن المحافظة على بقاء أنظمة عربية سيناط بها مسؤلية السهر على تنفيذ الأوامر والميول والرغبات التي تريدها الولايات المتحدة والغرب وحليفتهم الرئيسية " إسرائيل " هو أمر إستراتيجي و غاية في الضرورة ، و هو الضامن الوحيد لأمن و سلامة استمرار تدفق النفط و الغاز من ناحية ، و بقاء " إسرائيل " قوية و متحكمة و طاغية في المنطقة من ناحية اخرى .
ولأن جميع العواصم التي مر وطاف بها قطار هذا الربيع العربي لا تزال تعيش في أجواء الكثير من أزماتها الداخلية فلا يوجد بينها من هو قادر أو مؤهل للقيام بهذا الدور ، فمن الطبيعي إذا أن تتوجه أنظار أعداء هذه الأمة إلى أقطار عربية لا تزال أبوابها ونوافذها مغلقة في وجه رياح هذا الربيع و وعودها بالتغيير ، وبالتالي ، فإن الدول الخليجية هي أكثر المرشحين و المقبولين الذين تنطبق عليهم الشروط ولديهم الإمكانيات المادية بالأساس لقبول الدور المعروض تنفيذا لما هو مفروض .
تعلمنا ومنذ أن كنا في مرحلة الحضانة السياسية أن النفط والغاز يقعان في معسكر أعداء الثورة ما دام الملوك والأمراء هم الذين يتحكمون في براميله ، وأسعاره ، وكيف تصرف وتنفق و تهدر إيراداته ، وعليه ، فقد لا يختلف إثنان على أن الإستنتاجات الأولية لهذا الربيع العربي لا تزال تؤكد على هذه الحقيقة ، وبالبناء على ذلك فإن الموضوعية وكل علوم المنطق تشير إلى أن هذا الربيع لن يرى ولن يذوق طعم الحرية الفعلي حتى يتم تحرير هذا النفط وشقيقه التؤام الغاز .
تحالف و تآمر النفط والغاز هو الذي فتح ذراعيه لإستقبال أول الهاربين بن علي الذي يتمطى الآن في القصور السعودية على شواطىء جدة ، وهذا الحلف هو الذي شرعن وفتح الأبواب لتدمير ليبيا بواسطة قوات حلف الناتو ، وذات الحلف يواصل التآمر على ميدان التحرير المصري للإجهاز على كل الإنجازات التي حققتها الجماهير الغاضبة و المنتفضة ، و ها هو يتصدر لكل ما يخطط ويحاك في الداخل السوري وتحت شتى العناوين والفرضيات إضافة إلى محاولاته الرامية لتفجير الوضع الداخلي اللبناني ، و أخيرا فلن ننسى كيف حرك هذا الحلف قواته العسكرية و دخل بها إلى البحرين لقمع و سحق إنتفاضة المسحوقين من أهلها .
طريق الربيع لا يزال طويلا و بعيدا ، و لا مجال للحديث عن نهايات فعلية تعيد للإنسان العربي كرامته حتي يتم تحرير هذا النفط و الغاز ، ما أنا واثق منه أن " كاز" شعوبنا و لحمها و دمها أقوى و سوف يطيح بعروش هذا النفط و الغاز و يهزمها ، هذه هي الثورة التي نحلم بها ، و هذه هي الطريق التي سنجد فلسطين المحررة في نهايتها و بعد أن يتم كنس و دحر الغاصب الصهيوني عن ثراها المقدس .
د. امديرس القادري