تساءل مسئول الدائرة الثقافية المركزية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الكاتب والمفكر الفلسطيني غازي الصوراني لو كان غسان كنفاني على قيد الحياة ؟ وعاد إلى الوطن "يعتكز عصا عادية ويحدق في خيبة غير عادية في ظل وظلام هذه الحالة من الانقسام وتشتت الهوية والشعب والقضية ؟ ماذا لو التقى برفاقه بدوافع الحنين إلى ذكريات الماضي النضالي المجيد لفصائل اليسار وألقى في جمع غفير منهم كلمة دون أن يعرف أن معظمهم ما عاد يكترث بأعماله ولا باستلهامها أو الاهتداء بها حتى لو عرفها .. وما عاد يكترث أيضا بالفكر الماركسي ومنهجه وبالمبادئ الثورية الوطنية والقومية والأممية التي استشهد من أجلها غسان ..!؟
واعتبر الصوراني في مقالة له بعنوان " في الذكرى الأربعين لاستشهاد الرفيق غسان كنفاني " أن الحديثُ عن غسانَ الكاتبِ الروائي المناضلِ والمثقفِ الجبهاوي –كما الحديثِ عن الحكيمِ ووديع وأبو علي مصطفى ومحمد الأسود وأحمد سعدات وكلِ الثوريين- لا معنىً له ولا قيمة إن لم يكن تحريضاً ثورياً وديمقراطياً من أجل تغيير وتجاوز هذا الواقع الفلسطيني والعربي الذي بات اليوم خاضعاً ومرتهناً للتحالف الامبريالي الصهيوني.
وشدد الصوراني أن هذه الخطوة ستظل بلا معنى ان لم نبدأ في التحريض عبر النضال الديمقراطي الداخلي على طرفي الانقسام ، فتح وحماس، اللذان أسهما فيما وصلت إليه أوضاعُنا الفلسطينيةِ من طريقٍ وأفقٍ مسدودٍ على كافةِ الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، حيثُ بات من المؤكدِ لكم ولكلِ أبناءِ شعبِنا في الوطنِ والمنافي ان استمرارَ هذا الانقسام هو خدمةٌ صافيةٌ للعدوِ الصهيوني مدعوماً من ألّدِ أعداءِ الفلسطينيين والعرب وكلِ فقراء العالم ،الولاياتُ المتحدة الامريكية .
وأشار الصوراني إلى أنه لا يوجد انفصام بين غسان المثقف المبدع حاملِ الرسالة، وغسان المثقف العضوي الملتزم تنظيمياً بمبادىء جبهته الشعبية وأهدافِها، بحكم تقاطع أو توحد الرؤيتين في نقطةِ التقاءٍ هامةٍ، وهي الوظيفةُ النقديةُ للمثقف، والوظيفةُ النقدية هنا تتخطى التبشيرَ أو الرسالةَ إلى الثورة والتغيير وتجاوز الواقع.
وشدد الصوراني أن غسان كان مثالا للمثقف العضوي الحداثي والعقلاني التنويري والوطني والقومي الماركسي في آن واحد ، لكنه لم يكن صاحب رؤية أحادية معرفية يقينية ، قومية أو ماركسية يلتزم بجمود نصوصها بقدر ما كان مبدعاً في أدبه الثوري عبر تأويله للنصوص وتفسيره لها بما يقترب أو يتناسب أو يتطابق مع الواقع المعاش، فلم يكن ناطقاً باسم النص بل كان ثورياً يسعى إلى تغيير الواقع عبر وعيه له واستخدامه للمنهج المادي الجدلي في اكتشافه من جهة وعبر قناعته الموضوعية الثورية بمبادئ وأهداف الجبهة الشعبية من جهة ثانية.
وأضاف الصوراني أن كنفاني أدرك أن مهمة المثقف هي ممارسة النقد الجذري لما هو كائن التزاماً بما ينبغي أن يكون عبر وظيفته النقدية بالمعنى الموضوعي ، وهي تتناقض كلياً مع وظيفة التبرير ،او النفاق الانتهازي والشللي أو الاعتراف بالأمر الواقع ، هنا يتداخل عضويا مفهوم المثقف مع مفهوم الطليعة بالمعنى المعرفي والسياسي التي ترى الالتزام بأهداف النضال الوطني ضمن الإطار القومي تجسيداً لرؤيتها .
وأكد الصوراني أن الشهيد كنفاني ربط مصيره الشخصي –بشكل مباشر وغير مباشر - بمصير شعبه كتابة وعملاً ، هكذا كانت رواياته صورة خلاقة عن قراره الذاتي ، فتوحدت معاناة شعبه بمعاناته الخاصة، وتمثل في صوته ، صوت الفلسطينيين المقتلعين – المنفيين – المسحوقين – المكافحين . وتمثل في صوته خاصة ، صوت الجماهير الذين دفعوا غالياً ثمن الهزائم بحياتهم قبل ممتلكاتهم القليلة.