وسط صمت غير عادي استمر طيلة ثماني سنوات هي عمر رحيل أبو عمار عن شعبه، يعاد فتح ملف استشهاده، لكن عبر خطوة عملية تفرض على كل المعنيين بالمستويات المختلفة، استكمال مشوار المتابعة من المحطة التي توقفت عندها قناة الجزيرة، وهي بطبيعة الحال وبشكل مجرد خطوة مهمة ونوعية تحسب لصالح هذه القناة.
اتصالا بذلك: هناك أسئلة متعددة ومتشعبة مرتبطة باستشهاد هذا الزعيم الذي اندمج بقضية شعبه التحريرية على مدار عقود الثورة الفلسطينية المعاصرة ومنها: لماذا اغتاله هؤلاء الصهاينة بالرغم من إبرامه لاتفاقية أوسلو 13/09/1993 التي منحت دولة الاحتلال مكاسب وانجازات تاريخية، بعد ذلك ما هو الاستخلاص الرئيسي؟ هل هناك أداة فلسطينية كلفت بالتنفيذ أو المشاركة به، هل أعطت الأدارة الأمريكية الضوء الأخضر؟ هل يوجد تواطؤ إقليمي ..الخ ما هو دور الأجهزة الأمنية الفلسطينية أم أنها تكون في وادي آخر، بالتالي لماذا لم تساهم في حماية الرئيس.. ما هي العوامل التي منعت السلطة الفلسطينية من فتح هذا الملف. قبل ذلك وبعده، لابد من التذكير بتلك الحقيقة التي تمثلت بالمناخ الشعبي الفلسطيني الشامل وضمنه كافة القوى والفعاليات الفلسطينية.. في لحظة استشهاد الرئيس أبو عمار، هذا المناخ كان مؤطرا داخل قناعة راسخة، خلاصتها: أن رحيله لم يكن عاديا بل تمت تصفيته بطريقة غير تقليدية، هذا أولا، وثانيا: أن الإسرائيليين كانوا وراء الاغتيال..وثالثا: لن تحدث عملية اغتيال بهذا المستوى بدون موافقة أمريكية.. رابعا: أن السلطات الفرنسية بشكل أو بآخر تعتبر متواطئة، لأن رحيل الرئيس أبو عمار يوم 11/11/2004 قد تم وهو يخضع للعلاج في مستشفى بيرسي العسكري..فلا يعقل أن لا يرفع الأطباء الفرنسيين تقريرا إلى قيادتهم السياسية يشخص حالته" المرضية " وسبب وفاته..والآن تزداد القناعة بذلك، فكيف تمكن المختبر الطبي السويسري من اكتشاف تسممه بمادة البولونيوم 210 الخطيرة..من خلال فحصه لشيء من ملابسه بعد ثماني سنوات من رحيله. في حين أن جسده كان بين أيادي أشهر الأطباء الفرنسيين ..الخ " دون أن يتمكنوا من تحديد التشخيص السليم" ؟
في هذا الإطار نسجل النقاط التالية:
أولا: استدراكا للخطأ: لماذا لم تستجب المؤسسة الفلسطينية لمشاعر شعبها، لفتح ملف التحقيق بأسباب وفاته، بالتأكيد فإن الولوج في طريق التحقيق إلى نهايته، هو بمثابة معركة جادة مع الحكومة الصهيونية، فهل تعرضت القيادة الفلسطينية في تلك الأيام لضغوطات ثقيلة من أطراف إقليمية أو دولية طالبتها بشكل ضمني بطيّ هذا الملف، في حينها كانت بعض الأوساط تتداول حديثا صادرا عن جهة إقليمية، مفاده أن شارون رئيس الحكومة في تلك الفترة قد بعث برسالة للجهات الفلسطينية المسؤولة، بأن الأمر لن يتوقف على أبو عمار في حالة التمادي بنبش هذا الموضوع.. وليس بعيدا عن ذلك التهديدات التي كانت تصدر عن بعض القادة الصهاينة للرئيس أبو مازن واستمرت لفترة قريبة..إن الشريط الجمعوي الفلسطيني بقديمه و جديده لا يستبعد على القادة الصهاينة أية ممارسات دموية اتجاه شعبنا بكوادره وقادته، فكيف يكون الحال عندما يترأس شارون حكومتهم ويكون وزير حربية آنذاك شاؤول موفاز، وهو الآن نائب رئيس الحكومة.
المؤكد أن هناك خطأ غير عادي بعدم المباشرة في الخطوات العملية للتحقيق، كما إن أسباب هذا الخطأ بقيت محصورة ضمن سياج أصحاب القرار.. في هذا الجانب هناك الآن محاولة لاستدراك الخطأ بالموافقة على إخضاع رفاته للفحص المختبري، فهل يكون هذا القرار نهائي أم سوف يخضع بدوره للضغوطات.
ثانيا: معركة سياسية:
لقد عانى شعبنا من أسلوب الاغتيال بأشكاله المختلفة، بحيث يمكن القول أن لا ضوابط لدى الصهاينة، لا موانع جغرافية أو سياسية أو أخلاقية، ساعدهم في تنفيذ مخططهم تلك التسهيلات اللوجيستية، العملية، والعلمية التي تقدمها لهم أجهزة الدول الاستعمارية الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى اتساع المسافة التي تتحرك فوقها أجهزتهم في منطقتنا العربية بعد التوقيع على اتفاقيات التطبيع من قبل بعض الدول العربية. هناك فرصة أمام القيادة الفلسطينية ومعها المجموع الوطني لكي يصار إلى تحويل عملية اغتيال الرئيس أبو عمار إلى قضية سياسية بحيث يتم طرح ملف الاغتيال بمعناه الشامل، لا أن يترك لما بعد ثلاث عقود حتى يعترف الصهاينة بأنفسهم بما قاموا به، كما حصل بالضبط مع واقعة اغتيال القائد الكبير وديع حداد في 28/3/1978 التي تشبه إلى حد بعيد أسلوب اغتيال الرئيس أبو عمار، إن طريقة الذهاب للأمم المتحدة وكافة مؤسساتها، محكمة الجنايات الدولية، مجلس حقوق الإنسان، الجمعية العامة، مجلس الأمن..باتت مفتوحة، وعدالة قضيتنا والدم الفلسطيني سيكونان أقوى من الفيتو الأمريكي الغربي.
فكما خدم أبو عمار قضية شعبة إلى أخر يوم في عمره، ها هو يعود ليخدمها بعد استشهاده، إنها معركة الذهاب بالقادة الصهاينة إلى محكمة الجنايات الدولية..وربما يكون مفيدا الاستعانة بجامعة الدول العربية من أجل انتزاع قرار بتشكيل لجنة تحقيق دولية.
ثالثا: جرأة قناة الجزيرة: إن ما أنجزته هذه القناة لا يمكن التقليل من أهميته اتجاه البحث عن الحقيقة، إنها مهدت الطريق أمام الطرف الفلسطيني الذي بإمكانه التأسيس على هذا الانجاز، وعدم التوقف إلا في المحطة النهائية، على قاعدة هذا الإقرار لابد من طرح السؤال الطبيعي، لماذا مشت الجزيرة بهذا الدرب بعد ما يقارب ثماني سنوات، ماذا حصل، ما هي العوامل المحفزة في هذه الفترة بدون مقدمات، لذا نسوق الاحتمالات التالية: 1-الانسجام مع الطابع المهني الذي يشكل الناظم الرئيسي للوسائط الإعلامية الجادة..2-أهمية هذه القضية عند تسطيرها كسبق إعلامي له وزنه وصداه، وهو على صلة بمشاعر الشارع العربي والفلسطيني..3-أن يرمى بهذا الملف في وجه القيادة الفلسطينية، لأسباب مختلفة، وبالذات أن ضجيج مشكلة الوثائق التي حصلت عليها الجزيرة لازال لم يهدأ. 4- أن تسعى الجزيرة إلى استعادة شيء من البريق الذي خسرته كقناة إعلامية على ضوء بعض مواقفها بالفترة الأخيرة بما في ذلك تأييدها للعمليات العسكرية لحلف الناتو التي قام بها في ليبيا، لكن وبغض النظر عن هذه الاحتمالات المحفزة إلا أن ما قامت به هذه القناة حول اغتيال الرئيس أبو عمار يعتبر عملا كبيرا قد تعجز عن القيام به بعض الدول.
-------
* ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الجزائر