احتجاجات شعبية سودانية بطعم الثورة .

حجم الخط
القلق يدق أبواب دولة السودان في ظل الاحتجاجات الشعبية ، والتظاهرات التي تشهدها ، فالاحتجاجات في الأسابيع الثلاثة الأخيرة ، نمت كالفطر ، فهل بذرة ما يسمى بالربيع العربي ، تنبت في دولة السودان الآن ؟ وهل سيدخل السودان في زمن الثورات العربية ؟ وهل ما يجري يوشك على إدخاله في عملية تغيير حقيقية ؟ ثلاثة أسئلة هامة ، وإشكالية في نفس الوقت وهي بحاجة لإجابات علمية ، موضوعية ، ودقيقة ، الأمر الذي سيظهر حتماً على ضوء التطورات اللاحقة والأحداث ، والظروف في واقع حال السودان القادم . فإذا كانت السياسة اقتصاداً مكثفاً ، فالاقتصاد سياسة مكثفة في نفس القدر ، أوضاع السودان الراهنة ، تؤكد بشكل لا لبس فيه صحة هذه الحقيقة ( المقولة ) . فإثر خطة التقشف السودانية الهادفة إلى خفض عجز الموازنة بمليار دولار ، وزيادة نسبة التضخم إلى 50 % ، بعد ما كان في أيار الماضي لا يزيد عن 30% ، ارتفعت الأسعار بشكل جنوني خاصةً المشتقات النفطية منها ، والتي زادت 12 ضعفاً تقريباً ، مما تسبب بارتفاع كلفة المعيشة لغالبية قطاعات الشعب السوداني ، لتصبح تلك القطاعات أكثر حاجةً وعوزاً ، هذا رغم إصرار الحكومة على الاستمرار في تنفيذ سياستها التقشفية تحت ذريعة ، أن لا خيار أمامها غير ذلك ، بما يعني أن تمضي الأوضاع في البلاد نحو المزيد من الأزمة ، والتفاقم ليس الاقتصادي فحسب ، بل السياسي والاجتماعي أيضاً . دليلنا على ما نقول ، خروج الآلاف من الجماهير ، في جمعة ( لحس الكوع ) مطالبةً بوقف الارتفاع المستمر في أسعار المواد الحياتية الضرورية ، علاوةً على احتجاجها على الإجراءات الحكومية التي تفرض تقيداً على الحريات الديمقراطية ، خاصةً حرية التظاهر السلمي . إن تلك الاحتجاجات والتي خرجت في يوم الجمعة الماضي ( جمعة لحس الكوع ) تزامنت مع الذكرى الثالثة والعشرين لانقلاب عمر البشير والذي تسلم فيه مقاليد الحكم في السودان . إن قراءة وقائع الراهن سودانياً ، تدفع للاعتقاد الجازم ، إن الأزمة بكل عناوينها مرشحة للتفاقم الحاد ، فليس كافياً ، أن يطلق البشير في ذكرى سيطرته على الحكم قولاً ، إن ما يجري في بلاده ، ليس ربيعاً عربياً ، والذين تمنوا ذلك فيها أصيبوا بالخذلان ، حسب زعمه ، وإن المحتجين ليسوا أكثر ( محرشين وشذاذ أفاق ) . إن دولة السودان والتي خسرت عدة مليارات من الدولارات كعائدات نفطية بعد انفصال الجنوب وتوقف الأخير عن دفع التزامه المالي مقابل مرور نفطه في أنابيب عبر الشمال ستتحمل نظراً لكل تلك التطورات مزيداً من الصعوبات الاقتصادية فضلاً عن المزيد من التأزم في العلاقات مع دولة الجنوب بسبب مجريات الجذب السياسي والعسكري والاقتصادي بين كلتا الحكومتين . إن اختلاط الحابل بالنابل في أوضاع البلاد ، يجعلنا نعتقد ، إن مشهد ، ( الميلودراما ) السوداني الاجتماعي ، السياسي ، والاقتصادي ، والإنساني ، يستولد عناصر أزمة مركبة تمضي نحو التعمق والازدياد لماذا؟ أولاً – بسبب غياب نية ، وخطط حل عاجلة وهادفة لواقع الحال القائم في البلاد . ثانياً – ردود فعل النظام على التطورات والأحداث لا تبشر بالخير ، ويبدو أنه لم يفهم الدروس والرسائل المستخلصة من الثورات العربية في بلدان الجوار . ثالثاً - إن النظام مازال يغرق في سوء الإدارة السياسية والاقتصادية ، ممارساً الإقصاء أحياناً ، ومظاهر الاستعلاء ، وبعض أشكال العنصرية أحياناً أخرى . رابعاً – إن النظام لم يقدم أي حلٍ جدي لأي مشكلة من المشكلات التي واجهته ، إن يكن مع دولة الجنوب ، أو مشكلة أبيي المتنازع عليها التي يوجد فيها كمية ضخمة من النفط ، أو أية قضايا أخرى متفاقمة وبدون حلول . إن تجاوز قطوع الأزمة بكل عناوينها ، مسمياتها ، وأصعدتها في البلاد ، تتطلب سرعة تهيئة الظروف والمناخات وتوفير الآليات لإدخال إصلاحات سياسية ، اجتماعية ، واقتصادية كبيرة وهامة تستجيب لمطالب الشعب السوداني ، والجماهير السودانية المحتجة والمصرة على الاستمرار في احتجاجاتها وصولاً لتحقيق أهدافها المحقة والعادلة ، فهل تقدم الحكومة السودانية على ذلك ؟ أم تستمر الاحتجاجات وتتسع وصولاً للثورة ، لتكون محطة توقف قطار الربيع العربي القادمة الخرطوم .