يوميات اضراب ح7

حجم الخط
سجلت هيئة قيادة الاضراب مثلا في الضبط والربط والمتابعة التي هي روح الانضباط ، وسادها روح الفريق الواحد، سيما وأنه لم تسجل أي روح للفئوية بالمعنى الظاهر حيث أنها كانت تجلس مرتان باليوم وتعمل على حل أي معضلات تواجهها وتتابع القرارات المتخذة، والحقيقة أنه تم تسجيل روح الايجاب لرفاق الجبهة الشعبية وقياداتها وحضورها في الخيمة وسيادة روح الانضباط والالتزام والاحترام وعدم المغادرة للمكان. كثيرة هي الأقاويل والروايات التي باتت محط لسان الكثيرين تستحق التوثيق سواء داخل الخيمة أو خارجها. في منطقة تل الهوا، وفي عصر أحد أيام الاضراب حيث كان الهدوء يسود المنطقة استقل أطفال المناضل جمال فروانه الناشط في فعاليات الاسرى احدى السيارات وعندما سألهم السائق الى أين أنتم ذاهبون، قالو له نريد الذهاب الى الجندي المجهول حتى نزور والدنا المضرب عن الطعام تضامنا مع الأسرى وعندما عرضوا عليه الأجر قال لهم أنا لا أريد فلوس منكم تضامنا مع الأسرى الذي يتضامن والدكم معهم،، كل ذلك في ظل الشح الدائم في البنزين والسولار. يزور الخيمة أفواج من الفعاليات الوطنية والعائلات فما أن تنتهي أفواج أل حلس حتى تداعى الى المكان ال البرديني وفي مساء 8 أيار كانت بربره حاضرة ممثلة بجمعيتها من كافة العائلات على بوابة خيمة الاضراب عن الطعام تضامنا مع الأسرى المضربين في السجون الصهيونية وتقديرا للأسرى المحررين وأهاليهم عن الطعام لليوم السابع اسنادا ودعماً للأسرى البواسل في سجون الاحتلال. وفي الثامن من أيار طاف الخيمة وفود كثيرة من الاعتبارية وفي الثلث الأخير من اليوم الثامن كعادتنا عقدنا جلسة هيئة الاضراب عن الطعام وكانت الأولوية لاستصدار قرار رفع كافة البوسترات والجلديات المقلقة ولا يترك سوى صور الأسرى بالسجون ولقد تصدرت الموقف حين أدرج أن الجبهة الشعبية سوف ترفع أول لوحاتها لديها والمعلقة بجوار الرفيق لؤي عودة رفيقنا المقدسي والذي يحتل ركن الشباب في الخيمة كما أسلفت سابقا. لؤي عارض على اعتبار أن الجدارية المرفوعة مرسوم عليها حنظلة وكلمات ثورية انسانية. ولكن تحت اصدار موقفي تنازل الرفيق لؤي ومن معه من المستنفرين لذلك حيث قمنا بانزال كافة البوسترات واليافطات لكافة القوى، حتى اذا مانظرت الى الخيمة سوف ترى الفضاء وشمات الهواء ، ان اليافطات كانت قد أغلقت منافس الهواء عن الخيمة ولم يرفرف سوى علم فلسطين. وهنا يكون التوافق الوطني عندما تكون يد أبو رمزي ويد أبو عبد نصيم وأبو ابراهيم وباقي القوى كقلب رجل واحد في مواجهة الازمات أو تنفيذ القرارات. ما ان انتهينا من انزال البوسترات واليافطات حيث كنت راقدا على فراشي في الجهة الشمالية الفرعية من خيمة الاضراب عن الطعام حين قامت أحد الاذاعات المرئية بعمل لقاء معي. ولقد كان اللقاء يركز على أن الاضراب المساند لأسرانا الذين لا يضربون سوى من أجل الكرامة التي تسعى إدارات السجون من الحط منها. وأكدت من خلال هذه الواجهة وبشكل واضح وجهة قيادة الاضراب بالسجون الصهيونية حين مثلت ان الأسرى وحدهم هم الذين يعلنون عن الالتزام بالاضراب أو ايقافه سيما وان أهل مكة أدرى بشعابها، ولذا لا يجوز لوزارة هنا أو وزارة هناك أو تنظيم هنا أو تنظيم هناك أن يصرح أي تصريح أو أن يزعم أنه يوجه أو يعطي وجهة لاسرانا ونحن من ورائهم سائرون. وما أن انتهى اللقاء حتى كان الاستاذ اسماعيل هنية يتفقد المضربين عن الطعام. الرفيق أبو نضال طومان جالس ينظر نظرة فاحصة سواء للقادمين وما يميزهم ورقيبهم الذاتي يدفعهم للالتحام والانصهار في موجة ذلك الاضراب المساند أو لاولئك الذين بات العمل النضالي لهم سلعة لا بل ملاذا استخداميا ممن باتت راياتهم أكثر من تعدادهم . فعلا ان ابو نضال صادف حين عبر عن ذلك بلغة العيون سيما وأنك عندما ترى أحد الاشخاص ممن يزيد عمره عن الخمسون ومعه عدة أفراد يريدون تعليق يافطة مقدمة من احدى الشركات والتي لاتعدو عن كونها برعاية لهذه الشركة والتي تحمل في مضمونها بضرورة تعزيز موقف الأسرى والنادهمة عن طريق الانتصار وقبل أن يجد مكانا لهذه اليافطة طالبا " ايش احتياجاتكم احنا نريد تقديم شيئ" وفي اثون الحديث يطلب بتعليق البوستر ولان الأمر ممنوعا على الجميع سحب اليافطة وخرج دون رجعة ودون أن يحضر ما استعد به، نعم انها ارادة وعي النصب الممنهج. لن تكون خيمة الاضراب عن الطعام اليتيمة وانما كان بجوارها عن قرب خيمة لاضراب النساء اللواتي منهن من تبقى مضربة وبعد المغرب تغادر سيما وانه يوجد منهن من لا تستطيع النوم خارج المنزل. فأم ابراهيم بارود التي يقبع ابنها داخل باستيلات العدو لسنين طويلة الجالسة تحت صورة فلذه كبدها، هذه المرأة التي باتت واحدة من رموز الحركة المساندة للأسرى مقتفية أثار رفيقة عمرها أم محمود الزق التي أنجبت ابنها داخل سجون الاحتلال والرفيقة الشافعي التي قضت قرابة السنتين ونصف في باستيلات السجون الصهويونية والتي مازالت قابضة على مبدئها وملازمة للأسرى في اضرابهم لمساندتهم مع أخواتها ورفيقاتها في خيمة الاضراب عن الطعام المساندة. لجنة اهالي الأسرى التي رغم كل محاولات لاحتواءها هنا أو هناك الا أنها باتت الأكثر الأكثر حيادية وغير منحازة الا الى أبنائهم ، فهم الاجندة الأكثر نقاء والأكثر ثباتا بما يحمله الترابط اللغوي مابين العاشق والمعشوق، فهل هناك أكثر عشقا وارتباطا بين الأسير وأهله من الاسير ووالدته أو زوجته أو أخيه أو أخته. انها جدلية العلاقة اللامتناهية والمتلازمة المترابطة بين الجرح والألم بين العاشق والمعشوق الذي لم تمضى لحظة ولا هنيهة الا أن تكون الذاكرة حاضرة بحضور التأوه والحسرة التي يكتوي منها كلا المعشوقين، وساحة الاشتباك المستمر مابين المجرم والضحية. سيما وان هذا العدو لا يستثني أي من وسائل القهر وهدر الكرامة والقتل المبرمج الا ويمارسها بحق هؤلاء الأبطال ولكن أبطالنا الأسرى استطاعوا مراكمة أكبر قدر من التجارب الحسية مع هذا العدو ممثلا بإدارات مصلحة السجون ورجالات المخابرات له جلعته قادر على مواجهة كافة المخططات الاستخبارية وكل عوامل القهر والقدرة من الابداع والقدرة على تجاوز كل محاولات فرض الاغتراب على اسرانا وفرض عملية التواصل الاجتماعي مع ذويهم واحزابهم حتى باتت سجون الاحتلال وبفضل وفعل مقاتلينا أكاديميات تخرج الأبطال من مناضلينا. وفي خيمة الاضراب عن الطعام التي يأمها كافة الأحزاب السياسية وأهالي الأسرى وهي الخليط الوطني الايدولوجي والتي ينساب بها الهدوء سيما أنه يسودها الاخوة والمحبة والتي لم تشهد أي اشكالية، نظرا لما يسودها من المعيار الاخلاقي والارتقاء الى مستوى الحدث. فالأسرى الذين وحدوا بوثيقتهم شعبنا الفلسطيني وباتوا مشروعا وحدويا اليوم بالخيمة وحدوا ابناء شعبنا على الصعيد الميداني، ولأول مرة ومن خلال الخيمة يسود هناك التلاحم بين فتح وحماس براياتهم وكلماتهم وخطاباتهم وفعالياتهم ودون حساسيات أو تداعيات هنا أو هناك، واذا ما كان هناك في لحظة من اللحظات أي امتعاض أو حرقة لدى المضربين فانه لم يكن بينهم وانما كان وبرز من خلال الامتعاظ من تعامل الاطباء والممرضات في استقبالهم للمرضى الموفدين من خيمة الاضراب عن الطعام الى مستشفى الشفاء. وفي اليوم الثامن للاضراب عن الطعام نظمت هيئة الاضراب عن الطعام بالتعاون مع احد الاخوة الميدانين من حركة فتح أمسية شعرية القى بها العديد من الشعراء قصائدهم الشعرية المؤازرة والمساندة للأسرى، وفي أمسية أخرى في اليوم التاسع كان الحضور لاحياء الحفل الوطني لمطرب شعبي ووطني، والذي كان على رأس أناشيده وأغانيه الوطنية ( يا نفحة الشهداء) والتي تفاعل معها جموع المضربين والمؤازرين للمضربين في الخيمة وفي السجون النازية. أضاف الى أغاني مرسيل خليفة "أمي" وأغاني الشيخ امام التي جعلت من جموع وحشود المؤازرين والمضرين وحدة واحدة من الغليان الثوري والمشاعر الجياشة المتدفقة تلاحما وانصهارا مع الأسرى في باستيلات العدو ومؤازريهم في الاضراب وفي خيمة الجندي المجهول التي بات ليلها نهارها. وفي اليوم العاشر للاضراب عن الطعام يبدأ الحراك نحو الاستجابة لمطالب الأسرى من خلال خضوع العدو وادارات السجون والاستجابة للمطالب والذي كان قد أسس له حوار طويل وجاد مع الاخوة المصرين والذي تلاه دعوة لفريق مكون من الاسرى المحررين في صفقة وفاء الاحرار، حيث كان على رأس الوفد الرفيق سامر أبو سير وأبوعبدلله أبو نعيمة والأخ تيسير البردني والأخ المجاهد أبو ابرهيم من حركة حماس وام امبراهيم بارود، وأيمن طه . في هذه اللحظات كل شيئ ممكن ان يكون والأسرى على أعصابهم، كما أن ادارات السجون باتت كالنمر المصنوع من الورقة تنهار أمام عظمة صمود الاسرى البطولي غير قابل للاختراق والتراجع. كانت خطتنا في لجنة الاضراب عن الطعام في حال الاستجابة لمطالب اسرانا الابطال أن يكون التالي : أ. مؤتمر صحفي يتم من خلاله الاعلان عن الانتصار وقراءة الاتفاق. ب. ان لا نحل أو ننهي الاضراب الا بعد الاعلان من سجون الاحتلال وعبر الاتصال المباشر. ج. ترتيب موقفنا وتسليم كافة الممتلكات العهدة للمضربين وأخذ صورة جماعية للمضربين عن الطعام والعودة الى بيوتنا منتصرين. نعم لقد كان ذلك ولكن استئثار الاخوة في حركة فتح بمعرفة الخبر فكان اعلانهم الذي افقد النظام في البداية حالته كما أن المؤتمر الصحفي التي باتت تتزاحم به رايات حماس ورايات فتح مما كان سوف يضيع بهجة الانتصار لولا تحرك العقلاء اضافة الى بروز عنصر القوة والترهيب من خلال كسر عصي رايات حركة فتح منقبل العاملين بالاجهزة من انصار حركة حماس، وهذا يرجع الى أنه مازال هناك ترسيخ لحالة الانقسام التي ما ان انتهى الاضراب حتى باتت معالمه تنعكس على سلوكيات الطرفين من خلال عمليات البروز والتجاذب بين الطرفين. رغم كل ذلك الا أن عنوانا كالأسرى واللاجئين وحق العودة كفيل أن تجعل البوصلة ثابتة ترسيخا لوحدة شعبنا المقاوم كما أن جدارا اسناديا من اهالي الاسرى ومناضلين ومجاهدين أبو الا أن يكونوا جنبا الى جنب مع اخوانهم ورفاقهم ومجاهيديهم في باستيلات العدو ولن يكونوا الا عنوانا للانتصار . _________________ * قيادي في الجبهة الشعبية ، شارك باضرابه عن الطعام في خيمة غزة خلال اضراب الأسرى