الشيوعي سجين أزمته

ما يقدمه الشيوعيون كمبرر لخلافاتهم الداخلية يبين مدى التراجع الذي أصاب هذا الحزب العريق من جهة، ويؤش
حجم الخط
ما يقدمه الشيوعيون كمبرر لخلافاتهم الداخلية يبين مدى التراجع الذي أصاب هذا الحزب العريق من جهة، ويؤشر من جهة أخرى إلى حدة الأزمة التي تفتك بالظاهرة الحزبية في لبنان. هذا لا يعني ان إدراج اسم ابن الأمين العام للحزب على قائمة المرشحين للتفرغ في الجامعة اللبنانية، أو الالتباس الحاصل في مسألة جريدة «الأخبار» التي كان يملكها الحزب الشيوعي قضايا غير مهمة بالنسبة للشيوعيين. لكن هل تستحق مثل هذه الأمور هذا القدر من الأهمية والخطورة التي تكاد أن تهدد وحدة الحزب وتماسكه التنظيمي؟ أم أنها في الحقيقة تعبر في بعض وجوهها عن الأزمة المسكوت عنها في حياة الحزب الداخلية والتي تفتك ببنيته وتضرب مقومات وجوده وبالتالي تقيد دوره؟ أمام هذه الوضعية، يمكن القول انه أمام العجز في مواجهة التحديات التي تواجه الوطن ومصيره وموقع الحزب ودوره في هذه اللحظة المصيرية، تغدو المسائل الشخصانية والذاتية محكات لمراقبة عمل القيادة ومحاسبتها. لقد كان الموضوع الشخصاني، ولما يزل، حاضرا في كل الأزمات الحزبية، وسببا للكثير من الانشراخات في صفوف الأحزاب. غير ان بعض القادة الحزبيين نجحوا في العديد من الأحزاب في تحميل الخلافات الحزبية أبعادا ايديولوجية وتغليفها بشعارات براقة، سرعان ما تبين زيفها وعدم صدقيتها. غير ان الشيوعيين اليوم فقدوا في خلافاتهم اليوم مقدرتهم حتى على استخدام هذه الورقة. حاول الشيوعي أن يواجه منذ تسعينيات القرن الماضي احدى أهم الأزمات التي واجهته. من هنا جاء المؤتمر السادس للحزب الذي عقد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية كمدخل لمعالجة هذه الأزمة ووضع اللبنات الأولى لتجاوزها. فقد استطاع الحزب في هذا المؤتمر «التأسيسي» أن يقدم قراءة نقدية غير مسبوقة في تاريخه، ووضع منطلقات جدية لإعادة تصويب مسيرته في ظل التحولات التي فرضها سقوط المعسكر الاشتراكي. غير أن الحزب لم ينجح في الارتقاء إلى مستوى ما حدده في هذا المؤتمر، سواء على المستوى الفكري أو السياسي أو التنظيمي... الأمر الذي فاقم أزمته وجعله يهرب من مطب ليقع في آخر. ثم جاء الموقف السلبي الذي اتخذته القيادة من «حركة الإنقاذ» بالتحديد وقرارات الفصل بحق بعض الرموز «التاريخية»، وفشل الحوار الداخلي بين «الافرقاء» في صفوف الحزب ليعمق مسيرة التراجع التي حددها الحزب لنفسه (لا تدخل تجربة اليسار الديموقراطي ضمن هذا التوصيف لخروجها من الحزب وخروجها عن جوهر ما نادت به). فقد اعتقدت القيادة التي تولت المسؤولية بعد الشهيد جورج حاوي (ويبدو انها لم تزل تعتقد) أنها أمسكت بزمام الأمور، بعد التخلص من العديد من رموز الحزب المخضرمين وقادته السابقين. لكن هذا المنحى الذي يعتمد الفصل والتجميد والطرد والاتهام، لحل الإشكالات الداخلية وتسوية الخلافات الفكرية والسياسية بين «الرفاق» زاد من تقوقع الحزب حول ذاته، وألغى بشكل أو بآخر النقاش الداخلي، ما جعل تصيد الأخطاء السلوكية (رغم أهميتها) هو البديل من النقاش الفكري السياسي. من هنا أخذ النقاش طابعه الشخصاني ـ الذاتي. لأن الجانب الفكري غدا مجمداً إلى حد كبير، وتحديد التوجه السياسي للحزب أصبح مرتبكاً، والنشاط الحزبي محاصراً ومقيداً. من هنا تهرب الحزب من مناقشة القضايا الفكرية. وأغفل تحديد أولوياته السياسية، وانجرف في وهم «تحصيل القوة» من خلال الوصول إلى المجلس النيابي. واعتقد البعض في مركز القرار الحزبي ان مسايرة الآخر الطائفي ـ المذهبي يؤمن للحزب مقعدا نيابيا. لذلك هادن الحزب في تحالفاته، وبشكل غير منطقي، القوى الطائفية ـ المذهبية. بحيث أصبح يرى في من يحالفهم «نموذجا» لا يطاله الباطل، مقابل نظرته للآخرين الذين أصبحوا «طائفيين» و«مذهبيين» و«أدوات الخارج» و«مشبوهين»... ان ورقة التفاهم بين الشيوعي و«التيار الوطني» شاهد على بساطة الحزب في تحليله للواقع السياسي وعدم دقته في معرفة خصيصة التيار الوطني «العلماني» بامتياز. قد تكون الضائقة المالية التي يواجهها الحزب فرضت عليه مثل هذا النمط من العلاقات والرؤى والتفكير، ما جعله أسير التأرجح في المواقف وسجين أزمته المسكوت عنها. هذه الوضعية الخاصة بالحزب الشيوعي اللبناني قد لا تكون موجودة بالقدر ذاته في الأحزاب «العلمانية» الأخرى، أو غير العلمانية. فالأحزاب العلمانية، وبعض الأحزاب القومية على وجه الخصوص، قد يكون لديها الأزمة ذاتها وأكثر. غير أنها لم تزل في مرحلة ما قبل «العولمة» وما قبل «الحداثة»، ولم تزل مسكونة بإيديولجيتها شبه المغلقة، وفي إطار تنظيمي شبه حديدي. أما الأحزاب العلمانية الحديثة النشأة فهي بطبيعتها شخصانية التكوين وطائفية الاتجاه ومذهبية المنبت، الأمر الذي يجعل علمانيتها لزوم ما يلزم من جهة، ويجعلها متماثلة مع الأحزاب الطائفية والمذهبية، ما يجعل «أزماتها» غير ذي معنى لأنه يسهل عليها الانتقال والتحول والتنقل... دون حرج أو مشكلة. من هنا فإن أزمة الحزب الشيوعي لها بعدها الذاتي التنظيمي والفكري والسياسي الخاص من جهة، وبعدها الوطني الموضوعي العام من جهة اخرى. بمعنى آخر، فإن الأزمة الذاتية التي تعصف في الحياة الداخلية للحزب الشيوعي اللبناني لا تجد في توجه الأحزاب التغيرية الأخرى سندا ومساندا للانعتاق من ارتباكاتها، ما يجعل الحزب سجين «شرنقته» الذاتية، الأمر الذي قد يهدد وجوده ويؤدي إلى المزيد من تفككه وتراخيه. شوكت اشتي أستاذ جامعي ـ لبنان