مصر: هل تنقذ عقلية الاستدانة الاقتصاد.. أم تدمّره؟

هيفاء زعيتر
وصلت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد أمس إلى القاهرة. الزيارة ليست بروتوكولية ع
حجم الخط
هيفاء زعيتر وصلت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد أمس إلى القاهرة. الزيارة ليست بروتوكولية عادية. فهي تأتي في سياق اقتصادي بالغ الحساسية تمرّ به مصر، وتضطلع بمسؤوليته حكومة إسلامية رافق وصولها إلى السلطة العديد من إشارات الاستفهام المرتبطة بمقاربتها وقواعد إدارتها لملف الاقتصاد المصري. وتكتسب زيارة لاغارد، التي تلتقي خلالها الرئيس محمد مرسي ورئيس الحكومة هشام قنديل إلى جانب المجموعة الاقتصادية الوزارية، أهمية إضافية. ففيها سترئس المسؤولة عن «النقد» جولة جديدة من المشاورات مع الحكومة حول اتفاق مع الصندوق تحصل بموجبه مصر على قرض بقيمة 3,2 مليار دولار (يُحكى عن طلب رفعه إلى 4،8 مليار) بسعر فائدة 1,1 في المئة، وتتم إتاحته على ثلاث دفعات، يحوّل أول قسم منها فور مصادقة مجلس المديرين التنفيذيين للصندوق على الاتفاق. ثمة مؤشرات عدة تشي بأن المفاوضات تتجه نحو الاتفاق، بدءاً من زيارة لاغارد الشخصية إلى مصر، مروراً بتصريحات المسؤولين المصريين المرحبة بعقد الاتفاق، وأبرزهم وزير المالية ممتاز السعيد، وصولاً إلى الانخفاض الحاد في مخزون الاحتياطي الأجنبي والذي يضع الحكومة أمام خيار شبه وحيد هو الاقتراض. في المقابل، لم تمنع كل الحجج التي ساقها المسؤولون حول «الحاجة الطارئة» لدعم مادي في أن تهدئ ردود الفعل المعارضة للتورط مجدداً في فخّ الاستدانة. بداية لا بدّ من عودة بسيطة إلى مرحلة طلب القرض المذكور، والمسار الذي سلكته المفاوضات. في حزيران العام الماضي، أي بعد أربعة أشهر على إسقاط النظام، طلبت السلطات المصرية من صندوق النقد الدولي قرضاً بقيمة ثلاثة مليارات دولار، بسبب العجز المتوقع في الميزانية المصرية آنذاك. ولكن طلب القرض رُفض لاحقاً، بضغوط مصرية. ويحكي متابعون عن ضغوط إخوانية حينها لرفض الموافقة على القرض، تبيّن لاحقاً أنها رغبة بتعطيل حكومة كمال الجنزوري، إذ سرعان ما لجأ «الإخوان» عند الوصول إلى الحكم إلى تفعيل هذا الطلب مجدداً، فانتقل بسحر ساحر من دائرة «الحرام» إلى دائرة «الحلال». وكان وزير المالية أكد قبل يومين أن نسبة الدين الخارجي للناتج المحلي الإجمالي تصل حالياً إلى 12 في المئة فقط، وهي نسبة جيدة للغاية وحتى لو تم رفعها إلى 30 في المئة ستبقى في حدود الأمان، مشيراً إلى أن الحكومة تستهدف من الاقتراض الخارجي تخفيف الضغط على السيولة المحلية في ظل زيادة الاقتراض المحلي، فضلاً عن تهدئة أسعار الفائدة على سندات الخزانة. القرض في ميزان الحكم بين مدافع عن القرض الدولي ومعارض له، يطرح الخبير الاقتصادي والاستراتيجي الدولي رشاد عبدو أربعة أسئلة يعتبرها أساسية للحكم الحيادي عليه. «هل تحتاج مصر إلى هذا القرض؟ هل ستكون له تداعيات إيجابية أم سلبية؟ ما الذي سيشعر به المواطن العادي من تغيير بعد حصول مصر على القرض؟ وهل القروض مفيدة لأي اقتصاد في الدنيا؟». الجواب، بحسب عبدو الذي يتولى رئاسة «المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والإستراتيجية»، يحدده واقع «كيف ستتصرف الحكومة بالأموال التي ستقترضها؟»، فإذا كان «القرض موظفاً في مشاريع تنموية تتجه للإنتاج بما يخدم الدين ويسدّ الفوائد فسيكون ذا منفعة، أما إذا جُيّر لسدّ عجز الموازنة من دون أن يكون له مردود، فالشعب سيدفع ضريبة هذه الخطوة». في الحقيقة، تحتاج مصر لهذا المبلغ، فاحتياط النقد الأجنبي المخصص لشراء السلع الأساسية والاستراتيجية وصل إلى 12,5 مليار دولار. وفي وقت تقول الدول النامية إنها ما زالت في دائرة الأمان إن كان بإمكانها شراء هذه السلع لمدة ثلاثة أشهر سلفاً، «يتطلب هذا الشرط من مصر 13 مليار دولار، فيما لا نملك سوى 14 من بينها مليار ونصف بمثابة وديعتين للسعودية وقطر». وفي السياق يشير عبدو إلى مزايا قد يقدمها القرض إذا تمت به تغطية الاحتياطي النقدي الأجنبي، إذ يفترض الحصول على 30 مليار جنيه مقابل الدولارات التي ستودع في البنك المركزي ما يسد عجز أكثر من 250 مليار جنيه، ويشجع المستثمرين الأجانب. ولكن هذه المزايا ذاتها تضم عيوباً كثيرة أولها أن «البنك المركزي ليس لديه مبلغ الـ30 مليار، لذا سيضطر إلى طبع العملات كجزء من التيسير الكمي، ما سيؤدي إلى تضخم حقيقي يدفع ثمنه المواطن.. وفي النهاية ليس هناك من دولة تبني اقتصادها على الاقتراض»، بحسب عبدو الذي لا يبدو متفائلاً بأداء الحكومة في المرحلة المقبلة. التداعيات السلبيّة للقرض يفنّدها الباحث والخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق بدءاً من دوره في زيادة المديونية الخارجية، ووضع السلطات تحت وصاية المؤسسات الدولية، وزيادة الضغوط على ذوي الدخل المحدود، فضلاً عن ضرورة تخفيض الدعم على نفقات الطاقة، وشبكات الرعاية الاجتماعية وغيرها. ويبدو فاروق على ثقة تامة بأن «الاقتصاد المصري ليس بحاجة إلى هذا القرض، فالأخير ناتج فقط عن عقلية الاستدانة التي ورثها النظام الحالي عن النظام السابق، والتي تفتقر إلى الأفكار الخلاقة لإعادة هيكلة النظام الاقتصادي وتغلب حوافز الاستثمار على مسألة إعادة النظر في السياسات». ويدعم الخبير الاقتصادي حكمه بالحديث عن «رفض تام واجه به المسؤولون الاقتراحات التي تقدّم بها وزملاؤه من أجل دفع عجلة الاقتصاد، مثل تخفيض الإنفاق الحكومي، وزيادة حصيلة الخزانة العامة، واتباع نظام الضريبة التصاعدية وغيرها». وفي سياق متصل، يشكك الكاتب في مجلة «أوبن ديمكراسي» طارق عمر في تأثير توصيات صندوق النقد السلبية، حيث ارتفعت معدلات الفقر بالتزامن مع بدء الإصلاحات الهيكلية بناء على هذه التوصيات. وتشير الأرقام إلى أن شخصاً من بين كل خمسة أشخاص كان يعيش بمعدل دولارين يومياً عند بدء الإصلاحات، فيما ارتفع العدد اليوم إلى النصف. هل سيبصر القرض النور إذاً؟ في الواقع، يشير فاروق إلى أن لا مشكلة في إقراض مصر، فموقفها الاقتصادي غير متدهور والمبلغ زهيد، كما تقتضي السياسة بأخذ الدول الصاعدة في اتجاه الرأسمالية. أما المخاوف فتظلّ كثيرة يلخص سببها تعريف «مبسّط» للاقتصاد يسوقه رشاد عبدو وهو «الاستثمار الأمثل لموارد المجتمع المتاحة».. وعقلية الاقتراض لا توحي أبداً بذهاب الحكومة المصرية في هذا الاتجاه.