لقد خبر الوضع الفلسطيني كيفية التعامل مع التصريحات والمواقف الاستفزازية التي تصدر عن قادة دولة الاحتلال الاستيطاني، والتي تعكس الطبيعة العدوانية والعنصرية التي لها صلة بنشأة وبنيان ووظيفة هذه الدولة. بل يمكن اعتبار تلك التصريحات، وما تتضمنه جزء من الترجمة اليومية الجارية للاشتباك التاريخي المفتوح معها..إن الشعب الفلسطيني الذي عانى ولايزال من كل أشكال الإرهاب، لايمكن أن يجزع من المواقف الأخيرة لوزير الخارجية الإسرائيلي: ليبرمان..والتي احتوتها رسالته الموجهة إلى أعضاء اللجنة الدولية الرباعية يوم 22/08/2012 وطالب من خلالها الضغط على الجانب الفلسطيني لإجراء انتخابات عامة من أجل تغيير الرئيس أبو مازن، لم يكن هذا الصهيوني الوحيد الذي اتخذ هذا المنحى في إطار رموز دولة الاحتلال، كما أنها لم تكن الخرجة الأولى له ضد الرئيس الفلسطيني.. إنه يحاول التماهي مع شارون الرئيس الأسبق للحكومة الإسرائيلية الذي ادعى أن "أبو عمار عقبة أمام السلام ولا يصلح أن يكون شريكا.. وهو من قاد أطول حصار لأبو عمار في مقره بالمقاطعة رام الله ثم انهى الحصار بتدمير المقر يوم 19/09/202 وصولا الى تسميمه بالبولونيوم حيث وافته المنية يوم 11/11/2004 بعد أن "عجز" الأطباء الفرنسيين عن علاجه.. بالتاكيد هناك اختلاف وهناك تقاطع بين هذه وتلك..لكن لا أمان لهؤلاء الصهاينة، لأن مقياس محاكمتهم لمواقف القادة الفلسطينيين مقياس موحد، إنهم يتعاملون من منطق القوة.. والمنتصر يفرض شروطه ومواقفه على الطرف الآخر الذي لم يتبق لديه شيء يستطيع أن يتراجع عنه بعد كل تلك المحطات من مسار التسوية التي ترعاها الإدارة الأمريكية تبعا لرؤيتها المتناغمة مع الرؤية الإسرائيلية، وما واكبها من تنازلات عن قضايا استراتيجية.
ماذا تريد القيادة الصهيونية من الرئيس الفلسطيني: من يدقق في ما احتوته رسالة ليبرمان للرباعية يصل إلى نتيجة خلاصتها: أن هذا الفاشي وما يمثل يريد أن تقف القيادة الفلسطينية خانعة لا يصدر عنها أي فعل سياسي أو إعلامي، أن تكون في وضع المتلقي دون أن تدافع عن الحد الأدنى من حقوق شعبنا.. لم يتحدث في رسالته عن "الارهاب" كما يحلو لهم تسمية المقاومة، إنه يتكلم "عن ازدياد النشاط الفلسطيني المضاد لإسرائيل على الساحات الدبلوماسية والقانونية، وتشجيعها لمقاطعة الاقتصاد الإسرائيلي والتحريض في الإعلام الفلسطيني" لذا فإن الرئيس الفلسطيني تبعا لرسالة ليبرمان غير معني أو غير قادر للتوصل الى اتفاق من شأنه أن يضع حدا للنزاع.. بدلا من ذلك فهو يخلق ثقافة توجيه اللوم لإسرائيل" هكذا لايريد توجيه اللوم الى دولته مع كل ماتقوم به من جرائم.. يصعب الحديث عن تناقضات في مواقف وممارسات اولئك الفاشيين عندما يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني وحقوقه مهما كان مستوى تلك الحقوق.. فهم ضد الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت يوم 25/01/2006 لأن حركة حماس قد نجحت بها..بالتالي اصبحت السلطة وهم الآن يدعون لاجراء انتخابات عامة يكون "هدفها" تغيير الرئيس الفلسطيني، أي إنهم يسعون ال فرض رئيس بمواصفات اسرائيلية.
من الواضح أن هناك أهداف أخرى وراء رسالة ليبرمان الذي يدرك أن دعوته تلك لن يقبلها أحد، إذن لماذا إثارة ملف الطعن بشرعية الرئيس ابو مازن بهذا الوقت: أولا، هناك منهج مواصلة الضغط على الوضع الفلسطيني، وفي الحالة المحددة بهدف الابتزاز السياسي استكمالا للضغوطات الاقتصادية، الأمنية والعسكرية.. بوجهة كسر المواقف السياسية.. بعد أن نجحت الضغوطات بأشكالها المتعددة الاقليمية والدولية في تجميد أو إنهاء عمليات المقاومة، التي أصبحت تخضع للحسبة التكتيكية والبراغماتية من قبل السلطات في قطاع غزة.. ومحظورة في الضفة الغربية، وبات رجالها قيد الملاحقة إذا قاموا بأي عمل ضد المحتلين، وموضوعيا حل محلها تلك الفعاليات المحددة للمقاومة الشعبية السلمية التي لم تشهد أي تطور من زاوية الاتساع أو التنامي بالرغم من أهميتها في إطار خارطة الصراع وأشكال النضال بقيت محصورة في هذه القرية أو ذلك الحقل,
إن الطروحات الفلسطينية: أولا- حول المفاوضات الثنائية مع الجانب الإسرائيلي وضرورة توفر مقوماتها قبل العودة اليها، المتمثلة بايقاف البناء الاستيطاني بالضفة الغربية الذي أصبح يهدد حياة المواطن بكل تفاصيلها كما أنه أنهى عمليا فكرة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 في إطار ما يسمى بحل الدولتين..ثم أن يكون للمفاضوات مرجعية ومحددات: كقرارات الأمم المتحدة ووجوب توفر جدولة زمنية لتحقيق تلك القرارات,..الخ وثانيا: المعركة الدبلوماسية التي أدارتها القيادة الفلسطينية على صعيد مؤسسات الأمم المتحدة بهدف الحصول على العضوية العاملة لدولة فلسطين، وهو معطى له علاقة بفشل المفاوضات الثنائية واغلاق الأبواب والنوافذ من الجانب الإسرائيلي الامريكي على أية مراهنات أو تطلعات فلسطينية متصلة بالمفاوضات والتسوية.. لكن تلك المحاولة بالحصول على العضوية العاملة قد باءت بالفشل بسبب التصدي الأمريكي لها في مجلس الأمن الدولي,, في سياق متصل يلحظ أن القيادة الفلسطينية قد أصدرت قرارا بتفعيل المعركة السياسية الدبلوماسية مجددا لكن بافق الحصول على العضوية المراقبة لدولة فلسطين بالأمم المتحدة هذا التراجع عن العضوية العاملة غير واضح في اسبابه، لكنه غير مبرر لأن منظمة التحرير الفلسطينية تحوز على العضوية المراقبة بالمنطمة الدولية، بل واتصالا بالمعركة السياسية حصلت فلسطين على العضوية الكاملة في اليونسكو "وهي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة" وفقا لقرار مؤتمرها العام المنعقد في 31/10/201 القاضي بأن تصبح فلسطين العضو رقم 195 في المنظمة، وهو مكسب مهم وحيوي، يفيد بالتحضير للعضوية اعاملة بالأمم المتحدة..وتجدر الغشارة إلى أن الرئيس ساركوزي كان قد طرح فكرة العضوية المراقبة في مواجهة مقترح العضوية العاملة وتم رفضه فلسطينيا، الأن وبالرغم من مشروعية الطلب الفلسطيني بضيغته الأولى والثانية ومحدودية وتواضع الثانية إلا أنها جوبهت بمعارضة أمريكية اسرائيلية شديدة تبعها تهديد بقطع المساعدات الإقتصادية الأمريكية إن لم يتم التراجع الفلسطيني هذه هي حقيقة الموقف الأمريكي..إن تلك الطروحات الفلسطينية قد أثارت مخاوف القيادة الإسرائيلية بالتالي غدت الجزء المباشر من أهدافها أي محاولة فرض التنازل عن تلك الطروحات، توطئة لفرض التنازلات عن القضايا الأهم.
ثانيا، لا يجب استبعاد اسوأ الاحتمالات المرتبطة بالمخطط الإسرائيلي بافق خض وزعزعة الوضع الداخلي الفلسطيني ، بوضع الرئيس أبو مازن في زاوية محددة وخيارات محدودة: إما أن يقدم تلك التنازلات ثم ما بعدها وبالتالي قتله سياسيا أو التهديد بالتصفية كما فعلوا مع الرئيس أبو عمار.. لذا يعتقد هؤلاء الصهاينة أنه قد يلجأ لاستقالة، وإن حصل ذلك فإن الدربكة بالداخل الفلسطيني لن تعرف نتائجها وبالذات في ظل الانقسام الكارثي، هذا هو الطريق لاستنزاف طاقات الفلسطينيين أو تحويل وجتها، من ثم إعطاء مبرر للإسرائيلي كي يقول للراي العام الدولي: أنظروا ماذا يفعل هؤلاء، إنهم غير مؤهلين "للسلام ولحل الدولتين".
ثالثا، يضاف إلى ذلك، المأزق الإسرائيلي المتعلق بالملف النووي الايراني، حيث طغى الموقف المتوتر بالاشهر الأخيرة، باستخدام لغة التهديد العسكري.. وكان الرد الايراني حاسما مما فعل التناقضات بالداخل الإسرائيلي.. وظهور نوع من الاختلاف مع الإدارة الأمريكية بالأولويات في التعامل مع هذا الملف، فالدبلوماسية أولا بالنسبة لأمريكا بهذه الفترة، لذا أصبحت اسرائيل باحتياج إلى مخرج لمغادرة هذا المأزق الداخلي والخارجي، من خلال تحريك زوايا الموقف واستحضار ملف العلاقة مع الفلسطينيين، من أجل ترطيب المناخات حول القادة الصهاينة في الداخل كما في الخارج فالملف الفلسطيني مقدور عليه بالنسبة لهم عكس الملف الايراني.
المطلوب فلسطينيا: إن تجربة الاشتباك بمعناها التاريخي والمباشر..تفرض على القيادة الفلسطينية اخذ هذه التهديدات على محمل الجد دون استخفاف بأي من الاحتمالات، لأن ما يجري على أرض فلسطين التاريخية بكل مكوناتها الجغرافية والبشرية والسياسية.. تفرض ذلك وصولا إلى التذكير بالقضية التي لازالت مائلة امامنا وهي تصفية او عمار: 1- الدرس الأول: الثبات عند الموقف السياسي بكل مقتضياته باللحظة الراهنة ومن ثم التمسك بتك الحقوق المتبقية لشعبنا..وهي المستهدفة من قبل المحتلين.. مرة أخرى وأخرى ربما كانت تجربة أبو عمار الذي اختار الشهادة بدلا من الموت السياسي درسا يقتدي به.. 2-تحصين البيت الداخلي، هنا يصعب الحديث عن الصمود الفلسطيني ومواجهة التحديات والمخططات المعادية، بدون استعادة الوحدة الوطنية على قاعدة سياسية واضحة، وتجاوز تداعيات الانقسام البغيض، 3-في ظل التطورات التي تشهدها منطقتنا العربية حيث كانت القضية التحررية لشعبنا جزء من هذا الحراك الشعبي سواء بالمعنى المباشر أو الموضوعي.. مما يفرض أن تكون البوصلة في التعامل مع هذه المتغيرات بالاتكاء على: مصلحة نضالنا الوطني التحرري.. ومصلحة شعوبنا العربية، 4- تفعيل كافة الأشكال الكفاحية الموحدة والممكنة من أجل تحقيق الأهداف الوطنية، لأن هناك مخاوف بانكماش "العضلات" الكفاحية قبل موتها.
يجب أن نتذكر دائما: أن ابرام الرئيس ابو عمار كل تلك الاتفاقيات مع دولة الاستعمار الاستيطاني والتي هزت مفاصل الوضع الفلسطيني في تلك المرحلة لما احتوته من تنازلات كبرى ومجانية، لم يكن يحلم بها الصهاينة.. لم يمنعهم من قتله عندا قال لهم: لا..هذا هو عدو شعبنا.
----------
* ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الجزائر