المجدل (1)
توالت الضربات المريبة على مدينة المجدل , حيث نال الأموات من الضربات المدمرة ما لم يناله الأحياء.
يسار ... رغم أن غولدا مائير رئيسة الوزراء الصهيوني آنذاك قالت: " إن الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت" ، إلا أنهم لا يميزون بين الجيد من غيره.
لقد باتت الضربات الصهيونية ترسم ملامح مختلفة على حياة ومصير الشعب الفلسطيني سيما وان براميل الديناميت باتت ترسم خارطة الوطن من لحم ودم , وحفر عميقة أزالت معالم مقبرة المجدل وكأنما حربهم ليس مع الأحياء فحسب وإنما أيضا مع أي شيء يترك آثارا نقيضة لهم إنها الحرب الوجودية .
كان الأخطر من هذه الضربات هو الهلع الذي أصاب الناس حتى بات من يستطيع استئجار حمار أو من لديه أي دابة يكون الحظ قد حالفه بنقل القليل من العفش، كل ذلك وصوت تلك المجدلاوية يناجي السماء , ويقول .. "يا ريتهم كسموا ... يا ريتهم كسموا "
لم تعرف هذه المجدلاوية أن ما ينتظرها وأبناء شعبها هو أكثر من قرار التقسيم ، سيما وأن المشروع النازي الصهيوني أكبر بكثير من فلسطين بعينها وإنما يتخطى كل الوطن العربي بأسره .
الشيخ إبراهيم الذي انتهى من بناء غرفتان وصالة صغيرة بالقرب من سوق المجدل، ذلك السوق الذي يستظل المجادلة أو من يرده بتلك الجميزة التي تتربع وسطه والتي يناهز عمرها أكثر من مئة عام لتكون" الدوكيومنت" والشاهد الحي بأن المجدل للمجادلة وليس لليبيين أو المغاربة من اليهود الصهاينة الذين هاجروا إلى فلسطين واستولوا على بيوت الآمنين من الفلسطينيين.
كما أن ذلك السوق ليس للمجادلة فحسب وإنما هو سوق نعليه وبربره وحمامه والجورة وكوكبة وكافة القرى المحيطة بمدينة المجدل سيما وأن المجدل هي أم القرى وهي التي يردها أرباب صناعة النسيج السوري .. كيف لا وهي التي تنتج من قاعاتها لصناعة الملابس .. فهم التجار الأوائل ممن يجوبون مغارب فلسطين ومشارقها متخذين من الخليل نقطة ارتكاز لهم لتكون من ثياب وأقمشة المجدل أعظم تراث على غرار ان العايقة المجدلاوية هي التي تتحلى وتتزين, بثوب الجلجلي او, الميه ميه او ثوب, الجنة والنار.
هذه القاعات وان أردت قل "المنفكتورات الصناعية " والتي تمثل الأصالة والعراقة، انه الفعل الجماعي والاجتماعي سيما وان كل فرد من أبناء العائلة يكون شريكا بالإنتاج من ذكر وأنثى، بداية من إعداد المواسير والتي يقولون عنها الموسرة , وحين تكون المجدلاوية جالسه خلف الدولاب وتحاور ابنتها او كنتها فتقول _
وين كنت غايبه ... يا شرن ابرن
لترد عليها الكنّة
كنت اعمر دولابي عند احبابي .. ما كان ايون ..
في الغالب هذا هو شغل النساء، أما شغل الرجال فهو تجميع هذه المواسير وعمل المزادي "جمع مزديه " من خلال اختيار المكان المناسب سيما وان ذلك يستلزم مكان طويل ومستوي ليقوم من يعمل بتأسيس وعمل المزدية بنصب نقاط البوص الذي يتم فرد عليه الخيطان من وسيلة يتم تثبيت المواسيرعليها عبر قوائم من الاسلاك بحيث تكون كافة الخيطان تنتصب على نقاط البوص بطريقة مهنية تتكون من خلالها المزدية التي يتم تركيبها على الأنوال بعد ان يتم عملها عبر النير الناظم لكافة الخيوط الموجودة بالمزدية والتي كان معروف أن جودة عملها يكمن بقدرات ذلك المقعد والذي يجيدها تماما وهو عبدالله طه ممن كانت اصابعه تنثر ذهب كما يقولون.
زوجة ذلك المقعد الذي فقد القدرة على المشي والذي لم ييأس وثابر على مهنته التي تناسبت مع قدراته وعجزه ...
نعم انها دفنت تحت البلاط هنا وهناك مرتبنات من الذهب كما غيرها من الناس ورحلت ولم يعد احد ليسترجعها أملا بالعودة .
في قاعة "المنفكتورة" يغني الرجال ويمولون على إيقاعات مكوك النول وايقاع دواساته على غرار ...
ابنك الي مش من ظهرك ..... عد انه مات
لا تندم على الماضي ..... ولا تندم على الي فات
انسى الهم ينساك ... وان افتكرته ضناك
ياما ارخصك يا كور على الي باعك ....
ويا ما اغلاك يا كور علي اشتراك .....
بيتنا الذي لم يمض الزمن الزهيد من انتهاء تشييده والذي لا يفصلنا عن دار الشيخ عبد الله سوى الشارع الترابي الذي ينتهي بتقاطع مع الجوره وبربره وصولا إلى هربيا ودير سنيد .
مع اشتداد الضربات استأجر الشيخ إبراهيم ذلك الرجل الضرير وزوجته المصابة بشلل الأطفال منذ ولادتها .....
الشيخ إبراهيم حافظ القران عن ظهر قلب ..رحل إلى غزة مستأجرا أحد الدواب إلى أن انتهى المطاف به وزوجته وابنته البكر إلى منطقة الجميزات قرب شاطئ غزة .
لم يرق لهم اكتظاظ اللاجئين من المهاجرين ممن كانوا يسكنون بالخيمة اكثر من عائلة واحده بحيث يفصل بينهما فاصل من الخيش.كانت نهاية استقرار الشيخ ابراهيم وزوجته المصابة بشلل الأطفال.
في اليوم الثاني من وصوله الى خانيونس ذهب الشيخ ابراهيم الى مركز التموين الذي كان أحد نتائج الهجرة من الأمم المتحدة والذي كان يحاصره السودانيين من مشحطي الوجوه الذين يتسلحون اضافة الى سلاحهم الاوتوماتيكي كرابيج كانوا يسمونها كرابيج سودانية من شدة ألمها إذا ما اكتوى منها أي إنسان بسوط منها.
وفي أتون المزاحمة كان قد التف الكرباج على ظهر الشيخ إبراهيم الذي فقد وعي ما يقوله حين خرج من دينه ودموعه تهطل كالمطر قائلا "والله ما يرد راسي إلا المجدل .. اللي بيطلع من داره بينتقص معياره " .ولم يمض آخر النهار إلا والشيخ إبراهيم في المجدل.
رجع الشيخ إبراهيم ولكنه وجد أن الحال قد تغير فقد سكن منزله احد المهاجرين المغاربة.
... يتبع