مقابلة مع مجلة المشاهد السياسي اللندنية http://www.almushahidassiyasi.com/home/detail/OTE2MA==....
مروان عبد العال : نحن منحازون للسلم الأهلي في لبنان
لم يخطر ببال لبناني أو فلسطيني يوماً أن تكون رقعة أرض لا تتعدّى مساحتها 2 كيلومتر مربّع، التي يقوم عليها مخيّم «نهر البارد» في شمالي لبنان، والذي يتمتّع باستقرار أمني وإلى حد ما اجتماعي (...)، ونظراً الى بقائه بعيداً عن الهموم الأمنيّة التي عانتها باقي مخيّمات الفلسطينيين في لبنان.. لم يخطر ببال أحد أن يتحوّل هذا المخيّم بالذات الى ساحة حرب حقيقية، وإن لم يكن سكان المخيّم طرفاً فيها..! ففي العام 2007 وقع ما يسمّونه اللبنانيون المحظور، أي الصدام بين الجيش اللبناني و«أحد مخيّمات الفلسطينيين»، وهو ما يذكّر بمواجهات عبثيةّ وقعت في أيام سوداء خلت، في لبنان كما في غير قطر عربي.. حين اتّخذت مجموعة متطرّفة تدعى «فتح الإسلام» من المخيّم المذكور مقرّاً ومنطلقاً لتنفيذ عمليات ضد الجيش اللبناني، في واقعة قرأها اللبنانيون على أنها محاولة لتجديد أحد وجوه الحرب الأهليّة.
«المشاهد السياسي» ـ بيروت
> كانت الحرب بين الجيش اللبناني وبعض «الارهابيين» الذين تخبّأوا في مخيّم نهر البارد الفلسطيني في العام 2007 بعدما لجؤوا إليه، أدّت الى دمار المخيّم وتهجير سكانه البالغ عددهم أكثر من 35 ألف لاجئ فلسطيني، من جديد، مع ما ترتّب على ذلك من آثار نفسية واقتصادية على سكان ثاني أكبر مخيّم فلسطيني في لبنان. ومع أنهم «أمّنوا الغطاء الكامل للجيش اللبناني لتمكينه من الانتصار على الارهابيين»، ظلّ سكان البارد منذ العام 2007 وحتى مطلع العام الحالي، أسرى إجراءات أمنيّة مشدّدة أقلّها مشكلة التصاريح المسبقة لكل داخل أو خارج من المخيّم، وهذا وإن كان ضرورة ملحّة أمام الأجهزة الأمنيّة اللبنانية خوفاً من تكرار تجربة «فتح الإسلام»، إلا أنه رسم في أذهان أهل المخيّم عقدة «فتح الإسلام» وجعلهم يعتقدون بأنهم يدفعون الثمن مرّتين، مرّة في الحرب وأخرى لخمس سنوات خلت، لذا ظهر سكان البارد وفاعليات فلسطينية معنيّة يجهدون «لاستعادة صورة الضحيّة» على الأقلّ، علّ وعسى يتمّ تخفيف الاجراءات ضد المخيّم، وربّـما الأهمّ تغيير النظرة الى مخيّم «نهر البارد» باتّـجاه أنه مخيّم غير مصدّر للارهاب. اليوم يقول رئيس لجنة الحوار اللبناني ـ الفلسطيني خلدون الشريف: «إن ملفّ المخيّمات الفلسطينية في لبنان، لا سيما ملفّ «نهر البارد» حيث جرى إلغاء التصاريح الأمنيّة، والبدء بالمرحلة الثالثة من إعادة الاعمار، قد قطع شوطاً مهمّاً بالرغم من المشاكل الكثيرة، إلا أننا نحتاج الى الكثير من الدعم العربي والدولي، كون الملفّ الفلسطيني لا يعني الدولة اللبنانية فحسب، وإنما المجتمع العربي والدولي»، إلا أنه بقي الكثير، فبالرغم من كل ما تعانيه مخيّمات الفلسطينيين الأحد عشر في لبنان، فإن مخيّم «نهر البارد» يسعى الآن ليتساوى مع نظرائه في هذا البلد، حتى يعود فينضمّ إليها بالمطالبة بالحقوق الإنسانية والاجتماعية للاجئين التي من شأنها تعزيز صمودهم، وتمكّنهم من تحقيق العودة الى ديارهم، ولكن دون هذه الخطوة عقبات جمّة، أوّلها عدم وفاء الجهات والدول المانحة بالتزاماتها تجاه عملية إعادة إعمار المخيّم، وخصوصاً الدول العربية التي «تعهّدت دفترياً بالمساهمة بتكلفة الاعمار».. على حد قول رئيس لجنة مخيّم «نهر البارد» في منظّمة التحرير الفلسطينية ـ وعضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين السيد مروان عبد العال لـ«المشاهد السياسي»، وقد توقّف عبد العال عند العبء الاضافي في «نهر البارد» كما باقي المخيّمات، ألا وهو عبء العائلات الفلسطينية النازحة من سورية..
> من خلال متابعتك شؤون المخيّم، كيف تلخّص مشاكله اليوم، لا سيما بعد مرور خمس سنوات على المعركة التي خاضها الجيش اللبناني ضد جماعة «فتح الإسلام» المتطرّفة في المخيّم؟
< سؤال كبير يصعب اختصاره في هذا المقام، في ظلّ الواقع الأليم الذي يعيشه المخيّم منذ خمس سنوات، فالمعروف أن في هذا المخيّم حصلت نكسة في ملفّ العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، ولكن هناك أكثر من عنوان يبدأ بعنوان إعادة إعمار المخيّم، وما يترتّب عليه من شروط أهمّها طبعاً أن المخيّم دمّر تدميراً شاملاً بأحيائه الأربعة، والآن العنوان هو ملف الدول المانحة من خلال منظّمة «الأونروا» بإشراف الدولة اللبنانية، وبالتعاون مع منظّمة التحرير الفلسطينية، بهدف إعادة الاعمار، ولكن لم يتأمّن أكثر من نصف الأموال التي رصدت. الآن انتهى العمل من مرحلتين من أصل ثماني مراحل، في الوقت نفسه هناك إشكالات في المخيّم في الترميم وهناك منح دفعت في هذا المجال، أما القضايا المعقّدة التي جرى حلّها أخيراً هي قضية التصريح الأمني لسكّان المخيّم أو الداخلين إليه، وهذا التصريح طبعاً توفّره الأجهزة الأمنيّة، واليوم أصبح هناك وجود للجيش اللبناني عند مداخل المخيّم، فألغيت التصاريح وأعيد العمل بالبطاقة للدخول الى المخيّم.
الآن تعود الحياة الى طبيعتها تدريجاً، وفي نهاية الأمر فإن المخيّم هو جزء من المنطقة ومن لبنان، وجزء من الوضع السياسي والبيئة السياسية والأمنيّة المحيطة.
> ما هي التداعيات المباشرة لمشكلة «فتح الإسلام» على الأمن الداخلي في المخيّم ووضع سكانه؟
< سكان المخيّم وكل المنظّمات الفلسطينية داخل المخيّم، وبشكل أعمّ منظّمة التحرير الفلسطينية، الجميع لم ينأوا بأنفسهم عمّا جرى في العام 2007 (المواجهة بين الجيش و«فتح الإسلام»)، فهم كانوا منحازين الى جانب الجيش اللبناني، ولم يريدوا أن يكونوا مع القاتل، بل أعطوا الغطاء الكامل للجيش اللبناني ليحقّق الانتصار. المسألة الثانية المهمّة هي أنه تّم التعاطي في السنوات الخمس الماضية مع أهل المخيّم على أنهم ليسوا الضحيّة، بل وكأنهم هم جزء من المشكلة أو متواطئون مع الارهابيين، وبالتالي صار أهل المخيّم يناضلون لاسترداد صورة الضحيّة على الأقلّ، وهم كانوا ضحيّة تلك العصابة التي عبثت بأمن المخيّم. أعتقد أنه تمّ تجاوز هذا الأمر الآن، خصوصاً من خلال إلغاء التصاريح والاجراءات الأمنيّة، فجرى إعادة الأمور الى نصابها الصحيح، وموقف المخيّم هو ضد انتهاك أمن المجتمع اللبناني.
> بالعودة الى «نهر البارد» ما قبل «فتح الإسلام»، هذا المخيّم مع مخيّم البدّاوي، كونهما أقرب الى الحدود السورية، وعلى مقربة من مدينة طرابلس، مع ما في ذلك الموقع من حساسية خاصّة، ما هي الخصوصية التي ينفرد بها هذان المخيّمان عن باقي المخيّمات في لبنان؟
< ربما أهم ما يمتاز به مخيّما الشمال هو التركيبة الاجتماعية التي تختلف عن مخيّمات بيروت والجنوب، هذا التواصل بالذاكرة وبالتقاليد، فهم أنفسهم من قرى الجليل في فلسطين، والأهمّ أن هناك حالة من الاستقرار في مخيّمي الشمال، ففي حين هناك مخيّمات دمّرت جرّاء الحرب اللبنانية، كما جرى في مخيّم تل الزعتر وضبيّة مثلاً، وغيرهما من المخيّمات التي دمّرها العدوّ الإسرائيلي، بينما في الشمال بقيت مخيّمات الفلسطينيين بمنأى عن التوتّرات الأمنيّة وأكثر استقراراً، فهي بموقعها الجغرافي بين سورية وبين عكار في لبنان، لعبت دور الحلقة الاقتصادية، وسبب ذلك هو الاستقرار الأمني. كما تأثّرت إيجاباً الحركة الثقافية في المخيّمات، وربما كان سبب اختيار «فتح الإسلام» لمخيّم «نهر البارد» أولاً موقعه الاستراتيجي، واحتمال وجود بيئة حاضنة لها خارج المخيّم وليس داخله، ثم الحالة الأمنيّة في المخيّم، حيث كان يعيش حالة تراخ أمني، ولم يكن هناك حلقة أمنيّة مغلقة في المخيّم المفتوح على البحر، ما شكّل خاصرة رخوة بالنسبة لمثل هذه الحالات.
> نسمع بين الحين والآخر صرخات من أهل المخيّم عن تأخّر عملية إعادة الاعمار! أين أصبحت هذه العملية ومن يقف وراء التأخير؟
< المشكلة الرئيسية الي تواجهنا هي عملية التمويل، وبعض الجهات وقفت حجر عثرة أمام تأمين التمويل كما يجب، والآن مثلاً بعض الدول التي أقرّت دفترياً مساعدات للمخيّم لم توفّر المبالغ التي رصدتها، بعض الدول العربية أيضاً لم تلتزم بما عليها.
> لبنانياً ما هي العقبات؟
< العقبات اللبنانية تتعلّق بالشق اللوجستي والبيروقراطي، ولكن هناك بعض المشاكل التي بالامكان تذليلها.
> في ضوء ما ذكرت.. وعندما نتكلّم على سلاح داخل المخيّمات، الى أي مدى لـ«نهر البارد» علاقة بهذا العنوان؟
< في «نهر البارد» لا يوجد سلاح، هناك لجان شعبية إدارية وثقافية فقط، فلا يوجد لا سلاح خفيف ولا سلاح ثقيل، طبعاً هذا العنوان مرتبط بقضية سياسية كبيرة ولا ينحصر بـ«نهر البارد»، ولكن العودة الى مرحلة ما قبل العام 2007 في المخيّم، أي الى زمن فوضى السلاح، فأعتقد أن هذه المرحلة باتت وراءنا.
> أيضاً في موضوع السلاح، كما هو معلوم أقرّ مؤتمر الحوار اللبناني في العام 2006 بند معالجة السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات، إذا ما توافر توافق لبناني ـ لبناني، فهل ترى الى أن الجانب الفلسطيني سيسهّل تنفيذ هذا البند؟
< صحيح أن هذا يحتاج أولاً الى توافق لبناني ـ لبناني، وبالنسبة إلينا نحن وعلى العكس طرحنا مسألة تنظيم السلاح داخل المخيّمات أيضاً، لكن خارج المخيّمات فهو يقع في نطاق ما يريده اللبنانيون.
> ولكن قبل ما يريده اللبنانيون هناك ممرّ إجباري، وهو ما يريده السوري من هذه المعسكرات الفلسطينية خارج المخيّمات؟
< أنا أرى الى أنها مرتبطة بخلافات لبنانية داخلية، وقد حضر في الماضي الأخ أحمد جبريل (الأمين العام للجبهة الشعبية.. القيادة العامة) الى قريطم، إبّان ترؤّس الرئيس سعد الحريري الحكومة اللبنانية، وجرى حوار حول الموضوع، ثم تابعته أطراف لبنانية مع القيادة في سورية. هذا الموضوع يجب أن يعاد الى الضوء لتنفيذ ما تّم الاتّفاق عليه في الحوار.
> الضغط السكاني ـ المعيشي في مخيّم «نهر البارد» أضيف إليه اليوم ضغط آخر بنزوح عائلات فلسطينية من سورية الى المخيّم، كيف تتعاطون مع هذه الأزمة، وهل تمّ استيعاب هذه العائلات؟
< هناك نسبة عالية من العائلات. أكثر من خمسين عائلة لجأت الى المخيّم، وهذا فرض علينا تحدّيات جديدة. هناك طلاب فلسطينيون يدرسون وفاق المنهاج السوري، ويحتاج الى أساتذة من المنهاج نفسه وهم موجودون، ولكن إدارة المدارس تحاول إيجاد صفوف خاصّة لهم، وهذا ليس بالأمر اليسير على سبيل المثال، فضلاً عن الحاجة الى أنواع أخرى من المساعدات، وهذا واقع الشعب الفلسطيني من لجوء الى لجوء.
> إذاً مخيّم «نهر البارد» يحتاج في المرحلة المقبلة الى تمويل لاستكمال إعادة الاعمار، وربما ليلتحق من جديد في ركب باقي المخيّمات المطالبة بالحقوق الإنسانية للاجئين الفلسطينيين في لبنان؟
< هناك حاجة الى الاسراع بمعالجة الجرح الذي أصاب مخيّم «نهر البارد»، لينعكس إيجاباً على العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، وهذا الملف هو امتحان في هذا الاطار.
> الى أي مدى يستطيع أهل المخيّم والفلسطينيون أن ينأوا بأنفسهم عمّا يجري حولهم، سواء في لبنان وتحديداً في شمالي لبنان وبالأخص في طرابلس، وما يجري أيضاً في سورية؟
< لا خيار أمامهم إلا هذا الخيار، فلا يمكن للشعب الفلسطيني أن ينوب عن الشعوب العربية باتّخاذ القرارات، ونحن كنا نطالب بأن لا يأخذ عنا أحد هذه الصلاحية، ولكن لا يمكن لأحد أن يغيب عن القضية الفلسطينية كونها قضية تهمّ كل الشعوب العربية، ولكن نحن لا يمكن أن نكون متفرّجين، فنحن منحازون بشكل كامل للأمن والسلم الأهلي في لبنان.
> .. وفي سورية؟
< في سورية نحن مع حلّ بالطريقة السلمية.
> وماذا عن الثورة في سورية وأنتم أبناء الثورة؟
< هذا موضوع يحتاج الى نقاش، الشعب السوري يقرّر مصيره كما يريد، ولكن هناك شروطاً عديدة، ونحن كجبهة شعبية مع التغيير، إذا كان تغييراً جدّيّاً وإلى الأمام، وتغييراً تقدّمياً ونحن جبهة تقدّميّة وأن لا يعيدنا الى الوراء، وأنا أريد ثورة سلميّة، وأن لا يأخذ طابع التناقض التناحري، وليس عبر الاحتلال والتدخّل الأجنبي بل صناعة محلّيّة.
> وهذه الشروط أليست متوافرة في الثورة السورية الحالية في رأيك؟
< الحل في رأيي، وحتى تكون المنطقة معافاة وليس سورية فقط، لا يكون إلا بتوافر هذه الشروط، وإلا سنكون أمام وضع خطر، وبالنسبة لنا كفلسطينيين لا نريد سوى فلسطين والعودة الى فلسطين >