... يبدو ان هنالك لجماعة الإخوان وحركة حماس ثأر قديم وحقد دفين مع وعلى قوى اليسار الفلسطيني،وبالذات مع وعلى الجبهة الشعبية من أيام المجمع الإسلامي في اوائل الثمانينات،خلاف عدا عن كونه فكري وعقائدي،فهو أيضاً سياسي ومجتمعي،حيث ردت الجبهة الشعبية في قطاع غزة في تلك الفترة بعنف على محاولات جماعة الإخوان(المجمع الإسلامي) الإساءة إليها والتطاول على نضالاتها ورموزها،حيث كان الاحتلال في تلك الفترة يلمع الجماعات الإخوانية ويحاول ان يخلق منها بديلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية،وعلى ما أذكر اذا لم تخني الذاكرة بأن الدكتور رباح منها عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية حالياً،كان أحد ضحايا الهجمة الإخوانية في تلك الفترة حيث كسر عدد من أسنانه،والخلاف والهجمة والتحريض على الجبهة الشعبية ليست فقط مرتبطاً ومتوقفاً على الخلاف الفكري والسياسي،بل المواقف العقائدية والمبدئية التي تقفها الجبهة من القضايا الوطنية والقومية،وفي المقدمة منها قضية الانقسام،ورفضها ان تكون جزء من اقتسام الغنائم،او الداعم والمبرر لممارسات طرفي الانقسام من قمع الحريات وكم للأفواه وحملات الاعتقالات السياسية والاستئثار والتفرد بالإدارة والقيادة والقرار،هي من العوامل الهامة التي تجعل حماس بالتحديد تصب جام غضبها على الجبهة الشعبية سياسة وفكر وموقف ومسلك ورموز وشخوص،على الرغم من ان الجبهة لا تنطلق في سياساتها ومواقفها ونقدها من منطلقات فئوية وشخصية،بل تضع الاعتبارات الوطنية فوق أية اعتبارات أخرى،وحماس بطبيعتها والتي حاولت ان تزهو كالطاووس،وتصور نفسها على أن قائدة ورائدة المقاومة والكفاح والنضال،يعز عليها أن تتكشف حقيقتها مبكرا وتظهر بشكل عار للجماهير بأنها مستعدة لعمل أي شيء في سبيل مصالحها وفئويتها،وبأنها حركة إقصائية لا تريد ولا تقبل ان يشاركها احد في إدارة شؤون القطاع،ولا بوجود تعددية لا فكرية ولا سياسية ولا مجتمع مدني،وبأنها ليست زاهدة ولا قادتها مجموعة من النساك والتقاة والورعين،بل جذورهم ومواقعهم الطبقية كتجار وبرجوازية ريعية،تدفعهم للمتاجرة بكل شيء،وهذا يبرز ويوضح شهوتهم للسلطة وحبهم للدنيا والحياة،وهم مستعدون كما هو حال نيرون ان يهدموا المعبد على رأس من فيه في سبيل ان تستمر قيادتهم للإمارة في غزة
وعندما ترد حماس بتوتر وانفعال على تصريحات الدكتور رباح مهنا بأن هناك لقاءات سرية تعقد في دولة أوروبية بين حماس وإسرائيل،وبمشاركة من جماعة الإخوان المسلمين في مصر ودعم من قطر،وتتضح حقيقة أن تلك المفاوضات تجري بشان عقد هدنة طويلة ولمدة عشرين عاماً بين إسرائيل وحماس،وعلى دولة فلسطينية في حدود مؤقته،طالما إتهمت حماس السلطة الفلسطينية بقبولها والتفاوض حولها،ولنجد ان هناك سباقاً محموماً بين طرفي الإنقسام من اجل خطب ود الإسرائيليين والحصول على النصيب الكبر من الكعكة، وبما يثبت بأن الجبهة ليست في حالة من السكر لا المادي ولا السياسي،بل في أكثر فتراتها صحوة وامتلاكاً للرؤيا والوضوح ،فالسكران هو الذي رأسه تميل مرة في سبيل مصالحه صوب سوريا،ومرة أخرى صوب قطر،وأخرى صوب ايران وقطر ومصر والسعودية وامريكا في آن واحد،وفي لوحة من المتناقضات التي تعكس حركة تحركها المصالح والأجنحة،وتتخبط يميناً ويساراً في حالة من السكر الشديد ومن العيار الثقيل،فالزهار الذي يتهم الجبهة بتعدد اجنحتها وتياراتها،هو يعرف جيداً بأن حركته تعاني من ازمة عميقة جداً في هذا الجانب،أزمة اطاحت بمشعل عن رأس مكتبها السياسي عندما إرتمى في أحضان قطر،بعدما "بصق في البئر الذي شرب منه"وعض اليد التي مدت له في وقت كان فيه أصدقاءه اليوم هم اول من يريدون عضها وقطعها،فهذا هو السكر بحد ذاته يا حماس،ان يتمايل الشخص ويتخبط ويترنح يميناً وشمالاً وفقاً لمصالحه وأجنداته وفئويته المفرطة،وليس الثبات على المواقف والمبادىء.
الجبهة والتي لي الشرف أنني كنت احد أعضائها القاصي والداني يعرفون بأن قيادتها الحزبية والتنظيمية والسياسية ليسوا نسخة كربونية،ولكن تجمعهم الوحدة التنظيمية والفكرية والسياسية،وتجري اجتهادات وتباينات في الآراء والمواقف في إطار الهيئات،ولكن لا تصل لا حد التطير ولا التحشيش الفكري،ولا الخروج على الموقف الحزبي و لا التنظيمي ولا السياسي،ولا حتى كما يحصل في حماس قائد يرتمي في أحضان قطر،وآخر يصرح من طهران،واحد يقول بالمقاومة،وآخر يصحبه حمد القطري رأس الفتنة والتخريب والعبث في العالم العربي،من دولة الى أخرى يحاول تسويقه والقول بان حماس لم تعد حركة مقاومة،ولربما يريدون له أن يصبح شيخ الفتاوي والإفتاء فالشيخ المزواج القرظاوي لم يعد صالحاً لهذا الموقع،حيث إتضح انه صنيعة ودمية في يد حمد القطري،يفتي بما يريد،ويعمل على تسعير الخلافات المذهبية والطائفية في العالم العربي،ناهيك عن فتاوي التخوين والتكفير،والتحريض على إحتلال البلدان العربية وتدميرها من قبل قوى الشر والطغيان وفي المقدمة منها الأمريكية والأطلسية. الجبهة لا تحتاج قياداتها لعشرات السيارات الفارهة ولا عشرات الحراس والمرافقين في موكب استعراضية،والذين توازي مصروفاتهم ميزانية الجبهة بكاملها،الحكيم القائد الأممي والقومي والوطني رحل،رافضاً حتى أن يبيع ل"جزيرة" حمد أو غيرها نشر مذكراته،وهي التي تطوع في نشرها عدد من الأصدقاء على نفقتهم الخاصة،ولو كان قائداً حمساوياً لجنا الملايين من ورائها،وكذلك هم القائد الشهيد أبو على مصطفى وأبو ماهر اليماني وغيرهم من قادة الجبهة الشعبية،وامين عام الجبهة الشعبية القائد أحمد سعدات المعتقل في سجون الاحتلال،هو واحد من اكثر قادة الشعب الفلسطيني ثورية ومبدئية على الإطلاق،فهو الذي يحق له ان يزايد على كل القادة على الإطلاق،ولكن أسألوا كل من عرفوه في غياهب السجون والزنازين،كم هو إنسان ومخلص ومبدئي ووطني.
الجبهة جاعت وعضت على النواجذ وصبرت،وقاومت كل محاولات الترهيب والترغيب،ولم تساوم ولم تبع موقفها وثبتت على مبادئها،في وقت كان بإمكانها لو تعاملت بلغة التجار،أن تحقق الكثير من المصالح لذاتها ولأعضائها،إنها القناعات القائمة على الفكر والمبدأ،وليس على المصلحة والميكافيلية.
تغيرون مواقفكم كما تغيرون ربطات أعناقكم هذا شانكم،ولكن لا يحق لكم أن تزايدوا على من كانوا دائماً حراساً للثوابت والموقف الوطني،وكونوا مطمئنين بأن كل ملايينكم لم ولن تنجح في شق وحدة الجبهة الشعبية فأنتم جربتم وغيركم وفشلتم وفشلوا.