توقفت الحرب على غزة, ولا نقول انتهت, فثمة أسباب سياسية وعوامل موضوعية وذاتية اسرائيلية تبرر استمرار جولات الحرب على غزة, مرة ومرات, كلما رأى الاحتلال الاسرائيلي أن الحرب تحقق أهدافه ومراميه البعيدة والمباشرة والتكتيكية والاستراتيجية...
إن الحرب مع غزة لم تنتهي بعد..بصرف النظر عن نتائج هذه الجولة من مسار طويل في الحرب على غزة...فإذا كانت هذه الجولة قد حققت نصراً..أو صموداً...أو إنجازاً..أ, أو غيرت قواعد اللعبة...أو أحدثت معادلة جديدة في الصراع مع الاحتلال...أو أنها أحدثت توازناُ في الرعب المتبادل...فإنها في نفس الوقت قد وفرت أكثر من أي وقت مضى أسباب وعوامل جديدة للعدوان على غزة...فاسرائيل من ناحية لاتقبل أن تكون غزة قوة ردعية...ولا أن تتحول غزة الى كيان يشكل خطر على اسرائيل استراتيجياً.
إن العقل السياسي الاستراتيجي الاسرائيلي مسكون بالعنصرية...وايديولوجيا كراهية الآخر...ومسكون بتعاليه وأوهام توراتية حول الأغيار والنظرة الدونية لهم...هذا العقل السياسي المتماهي مع العقل التوارتي الأيديولوجي الصهيوني...هو الذي يدير الصراع مع الآخر الفلسطيني إن كان في غزة أو في الضفة ام في مناطق الـ48...أي أن حربه مع الفلسطيني هي حرب يقودها الفكر اليهودي التوارتي على خلفية الوعد الإلهي "لبني اسرائيل" من هنا فإن صراعه مع الفلسطيني اينما كان هو أيضاً صراع مفتوح تفرضه الأيديولوجيا والتوراة...وبالتالي فإن عدوانه على غزة وغير غزة متجدد كلما اقتضت الضرورة..دعونا نتأمل بعض تصريحات القيادة السياسية إبان العدوان..."ايلي شاي الوزير الاسرائيلي قال: يجب إعادة غزة الى القرون الوسطى....كما صرح الوزير يسرائيل كافس: بإن دمعة طفل يهودي تستحق تهجير كل سكان غزة الى سيناء" هذا هو العقل التوراتي العنصري.
بيد أن هذا العدوان المفتوح لا تبرره فقط الأيديولوجيا العنصرية....إنما تبرره أيضاً العقيدة السياسية والرؤى السياسية لمآل الأوضاع في المناطق المحتلة.
من هنا فإن غزة بعد معركة الأمس....غير غزة ما قبل جولة الأمس...بالنسبة للكيان الاسرائيلي...فثمة إدراك اسرائيلي بعد هذه الجولة من الحرب بأن غزة قد أدخلت الكيان الاسرائيلي في دائرة خطرة...لم تحتسب لها اسرائيل مسبقاً...ظناً منها أنها قادرة على إبقاء دور غزة لا يتعدى المناوشة والخربشة على الأمن الاسرائيلي وعلى خط الهدنة...أما أن تصل الصواريخ الغزاوية الى قلب تل أبيب والمدن الفلسطينية المحتلة عام 48...والمستوطنات...فذلك بالنسبة لاسرائيل يشكل تطور نوعي في طبيعة الصراع ودينامياته....إذ لأول مرة بعد صواريخ صدام...ومن ثم صواريخ حزب الله تستطيع المقاومة في غزة أن تصل بصواريخها الى العاصمة الصهيونية...بعد أن أحجمت الصواريخ العربية عن الانطلاق من مخابئها على مدار عقود...
هذا تطور استراتيجي في لوحة الصراع بالنسبة لاسرائيل..لا تتعاطى معه اسرائيل بردة فعل سريعة..ولا تقف عنده بلا مسؤولية سياسية وأمنية...إنما تمعن الفكر الاستراتيجي في مواجهة هذا التطور الناشئ والخطر على الكيان...وإذا كان صحيحاً أن هذه الصواريخ لم تحدث خسائر بشرية أو مادية يعتد بها...فالواقع أن مجرد امتلاك الصواريخ هو أمرٌ ذو دلالة استراتيجية لا يخطئ الخبراء الاستراتيجيون الاسرائيليون في النظر الى خطورتها...فاليوم الكيان أمام صورايخ لها مدايات ومسافات تصل المدن الاسرائيلية...ولكن غداً ستكون هذه الصواريخ أكثر مدى...وأكثر توجيهاً وإحداثيات...وأكثر تدميراً..أي أن المسألة لن تقف عند صواريخ اليوم...إنما تتعداها الى الأكثر تطوراً في المستقبل...والأكثر عدداً..أي أن اسرائيل ستواجه معادلة في االمستقبل أكثر خطورة من معادلة هذه الجولة من الحرب.
وإذا ما تجاوزنا أيضاً خطورة ما مثلته مدايات الصواريخ على لوحة الجغرافيا الفلسطينية من مستجد نوعي لا يمكن تجاهله, أربك سيناريو الحرب التي بدأتها اسرائيل كجولة محدودة...فإننا في الواقع أمام ما هو أخطر من الصواريخ ومداياتها..وهو أن هذه الصواريخ قد أصابت في مقتل بديهيات ويقينيات تاريخية في المجتمع الاسرائيلي ولدى النخب السياسية والثقافية والعسكرية والإعلامية حيث حملها الاسرائيلي في وعيه على مدى عقود..وقد مثلت هذه اليقينيات ذروة الغطرسة الاسرائيلية..وهي أن حروبها مع العرب حروب خاطفة..وأنها خارج حدودها...وأنها على أرض الغير...وأن حدودها محصنة واستحالة خرقها...وأن أمنها الداخلي متوفر...وأن جيشها لا يقهر..وأن سلاح الجو الاسرائيلي هو الأكثر تفوقاً وقدرة على شل استراتيجيات الخصم..وأن دباباتها تستطيع أن تخترق العمق العربي حتى العواصم العربية...وأنها تستطيع أن تضرب في العمق العربي من المحيط الى الخليج دون خسائر...وأن الموساد الاسرائيلي يسكن في كل بيت عربي...!!!
لقد نشأ جيل كامل من "الشعب اللاسرئيلي" على هذه البديهيات أو اليقينيات..الأمر الذي جعل المجتمع الاسرائيلي يعيش حالة من السكينة والطمأنينة وأنه ليس في خطر من المواجهات العربية...ونسوا أن وجودهم ليس إلا غزوة صهيونية طارئة...ونسوا أنهم مستوطنون وليسوا سكان.
بيد أن وصول الصواريخ الى العمق قد هز هذه اليقينيات...وباتت تتكسر واحدة وراء الأخرى...والجدار المعنوي من الدينامو بدأ يتهدم حجراً وراء حجر..
والسؤال..هل أدرك الاسرائيليون هذا المنحى الخطر في المتغيرات التسليحية..وفي موازين القوى..وفي الآثار المترتبة من هذه المتغيرات على المجتمع الاسرائيلي...؟؟
مما لا شك فيه أن الساسة الاسرائيليون يدركون الجديد والمختلف في هذه الجولة من الحرب..الأمر الذي يدفعهم الى الوقوف عن كثب أمام كل هذه المتغيرات..واشتقاق الحلول الممكنة لتلافي إمكانية تدهور ميزان القوى..ولقطع الطريق على المآلات المحتملة التي تضع الكيان في مواقع الدفاع في المسقبل بدل خط الهجوم كاستراتيجية دفاعية...
ولعله من السذاجة الاعتقاد أن العدو الاسرائيلي في مطلبه للتهدئه..ولأول مرة ..يمثل انكساراً حقيقياً أمام ضربات المقاومة الصاروخية...في حين أن الصحيح والمنطق أن العدو يعيد حساباته من جديد...وأن مطلب التهدئة ليس إلا محاولة لمواجهة الطارئ النوعي في المواجهة سيما وأنه لم يكن يبيت عدواناً برياً...إنما مكتفياً بالضربات الجوية...وفي ظنه وأهدافه كشف حقيقة القوة الكامنة والمختبئة للمقاومة...أما وقد انكشف المستور من صواريخ...ومضادات دبابات كورنيت وغيرها...وراجمات تحت الآرض...فقد أدرك العدو أن الأمر أبعد من جولة حرب...إلى ما هو أكبر في المستقبل...
ربما ثمة من يعتقد أن هذا المنطق ينطوي على شئ من التقليل من صمود المقاومة ومجابهتها الشجاعة للعدوان...لكن الأدق أن هذا التحليل ينطوي على قدر كبير من الحذر من غدر العدو وعلى دعوة لاستباق الأحداث...ورؤية مخططات العدو...ودعوة للإعداد لمعركة قادمة لا محالة....وأن التهدئة ليس إلا فرصة سانحة للقادة الاسرائيليين للجلوس على طاولة أركان حرب لتقرير مصير غزة من جديد...
وفي سياق هذا التحذير لا يجب أن يغيب السؤال المركزي دائم الطرح...ما هو المطلوب من غزة في استراتيجية المواجهة مع اسرائيل...؟؟ وإلى أين...؟؟ وبأي مدى...؟؟ سؤال برسم الإجابة لدى النخب الفلسطينية السياسية والفكرية التي يقع على كاهلها ومسؤليتها أن تبادر الى عقد مؤتمر بحثي في غزة يحضره العديد من الخبراء والمفكرين والمثقفين والساسة...يناقشون فيه العدوان الاسرائيلي الأخير..وتبيان أسبابه وخلفياته وإحداثياته اليومية ونتائجه المباشرة والبعيدة...واحتمالات المستقبل...وصولاً الى توصيات الى القيادة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية....فثمة خطر لم يزل يخيم على غزة الحبيبة...ونحن أمام حربٍ تلد أخرى.
عارف عرفات
27/11/2012