استعاد المشهدُ الفلسطينيّ مع غزّة حضورَه الذي خبّىء لسنوات بفعل الانقسام أولا، ومع موجات التغيير في الأقطار العربية من تونس الى مصر، ليبيا واليمن وصولا الى الأزمة المتفجّرة حمماً في سوريا. وعبثاً حاول الكثيرون، سياسيّون منحازون لهذا الطرف او ذاك، عوضاً عن المراقبون والمحللون، إعطاء بعدٍ فلسطيني للصراع الدائر في هذه البلدان، الّا انه بقي محدودا،ولم يجعل من تلك القضية التي يقال عنها مركزيّة للشعوب والدول العربية، احدى المعايير الى تحكم على سلامة سير هذه الانتفاضات، لجهة قضية التغيير( شرعيته وصحة نتائجه) ، وظل حضور القضية الفلسطينية ضبابيا وقابلاً للاستخدام والتوظيف "الشّعاراتي" من قبلِ الأطراف المتصارعة.
ولهذه الخلاصة دلالةٌ مهمة ، تقولُ أنّ حضورَ القضيّة الفلسطينية كعنصرٍ فاعلٍ في معادلةِ المنطقة، يعتمد بشكل مباشر على مسألة المقاومة المباشرة للعدوّ الصّهيوني ومن الطّرف الفلسطيني تحديداً، فيتّضح بعد ذلك دورُ هذه القضية المركزية في الشأن العربي الداخليّ، كأحدِ المعايير التي تحكم على شرعية النظام الرسمي العربي او شرعية التغيير وجدواه، وذلك لأسباب ثلاث،
أولاً : هو أن الفعل الفلسطيني المقاوم هو الذي حرك تاريخياً أهميّة وحضور هذه القضية في الوجدان العربي والسياسة العربية،
ثانياً: لأنّ القضية الفلسطينية مركبٌ يشتمل مقوّلات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، التي رفعتها هذه الانتفاضات على المستوى الداخلي،
واخيراً، هي أهم اختبار لصدقيّة القوى الخارجية في وقوفِها مع هذه الشعارات داخل بعض الأقطار العربية، وتمنعها عن احترامها حين يتعلق الأمر بالموضوع الفلسطيني.
اذا.. فحضور القضية الفلسطينية القويّ في معادلات المنطقة لا يحسمه سوى حضور الفعل الفلسطيني المقاوم المباشر مع العدو، وغير ذلك سيبقى استخداما وتوظيفا محكوماً لمصالح وغايات أطراف المعادلات المحلية والخارجية. وهذا من أوّل وأهم الدّروس الذي أفرزته حرب غزة الأخيرة، فغياب المقاومة الفلسطينية عن ساحة الفعل المباشر، يخلط الأوراق ويجعل من عمليّة الفرز أمرا مربكا تحكمه رغبات ومصالح غير واضحة، حيث تطفو على السطح مقولات وشعارات جوفاء لم تخضع للإختبار المحسوس، فكيف تكون الحرية قضية تستحق المناصرة والتأييد والدعم عربيا وغربيا اذا كانت في سوريا مثلا، بينما هي غير محبذه في ظل الاحتلال! ويكون التسليح حلالاً للمعارضة وحراما للمقاومة في مواجهة المحتل! .
وأكثر من ذلك، فان تصنيف العدو من الصديق، يبدو أمرا ضبابياً جداً، فحين تغيب القضيّة المركزية كمعيار لتصنيف العدو من الصديق، تحضر معايير اخرى وفقا لحسابات ومصالح فئوية محلية ومذهبية واحيانا عائلية وشخصية.
يشير ما تقدم الى الأسباب التي استدعت إنهاء العدوان بهذه السّرعة، فلو تأخر العدوان أياماً إضافية فقط، لكان من شأن هذه الحرب ان تعود بخسائر استراتيجية على اسرائيل ومن جهة، والمحور الاقليمي الدولي الذي يرعى رياح التغيير العربية ، من جهة اخرى، فستكون الضفة أولى الخسائر على المستوى الإسرائيلي، فبعد سنوات من العمل الجاد والمنسق على ترويضها من خلال مشروع دايتون الأمني ، والذي قال مرة "انه يعمل على انتاج فلسطيني جديد في الضفة، واذهلته النتائج الغير متوقعة التي توصلها" ظهرت بوادر مخالفة لهذه التوقعات، حيث بدأت بوادر هبة شعبية في الضفة على اقل تقدير، وتنذر بأن كل ما خطط له سيصبح في مهب انتفاضة شعبية مسلحة عارمة تدوس مشروع دايتون ورعاته.
أّمّا بوادر الخسائر الأستراتيجية من استمرار العدوان، فكانت على المستوى العربي، فقد وضعت هذه الحرب ما سمي الرّبيع العربي أمام استحقاق القضيّة المركزيّة والّتي عمل رعاة هذا الربيع على تجنبها طيلة سنواته، فكانت مقاربة حية لشكل التحرك العربي إزاء الحالتين، في مواجهة العدوان وفي ظل الاحتلال، وفي التعامل مع القضايا العربية الداخلية، تشدد في دعم المعارضات بكل انواع الدعم العسكري والمالي والسياسي، والعجز الكامل لإسناد المقاومة سياسيا ناهيك عن الإحجام عن مجرد التفكير بالدعم بالسلاح.
هذه المقاربة بدأت تكشف عن طبيعة التغيير الجاري وابعاده ومراميه على مستوى الرؤية السياسية التي تحكم الأنظمة السياسية التي أنتجها هذا التغيير و الأنظمة التي ترعى هذا التغيير ، وبالتالي تؤشر الى تشابك المصالح على المستوى الاستراتيجي بين قوى التغيير الرئيسية والمصالح الغربية في المنطقة .
لقد كان من شأن استمرار العدوان تظهير الخلاف الضمني داخل حركة حماس، بين من تم احتوائه في الخارج في أحضان المحور التركي القطري المصري، من جهة، ومن يشعر بحاجته ميدانيا للدعم اللوجستي بالسلاح والمال بغية تنمية قدرات المقاومة وهو ما زال على صلة وثيقة بالمحور الايراني السوري وحزب الله.
فاستمرار العدوان سيكون عامل ضاغط على محور الخارج، ويزيد من حضور محور الميدان، وهذا يعني شد الحركة باتجاه محور الممانعة والمقاومة في المنطقة الجاهز لاحتضان الحركة والمقاومة ليلبّي مطالبها بكل انواع الدعم.
لذلك نقولُ ان لهذه الحرب المحدودة بأيامها المعدودة، تداعيات كبيرة، باتجاهات ومستويات عدة، وستكشف الأيام القليلة القادمة عن مضمونها، لاسيّما على مستوى حركة حماس التي تعاملت مع العدوان كفرصة أكّدت فيها فكّ ارتباطها مع محور، وانتقالها رسميا الى محور اخر، تولى حياكة ما سمي التهدئة، برعاية أمريكية مصرية، ودورٍ تركي ، قطري من وراء الكواليس، وهي تعيش الآن مرحلة الاختيار بين احتياجات السلطة من ناحية، واحتياجات المقاومة من ناحية اخرى، فهي في وضع شد حبال بين المحورين، احداهما بإمكانه تأمين احتياجات السلطة من شرعية واعتراف عربي ودولي، وستكون مؤهلة من خلاله ان تلعب دورا سياسيا يتجاوز حدود غزة الجغرافي من خلال التماهي مع مشروع إخواني في مصر والمنطقة ،أما الطرف الاخر، فهو القادر على تأمين احتياجات المقاومة، واستمرارية تطورها وتنمية قدرتها على الردع في وجه عدو يسعى بشكل مستمر وحثيث لمعالجة منظومته الردعية الامنية والاستراتيجية.
وهذه الفرضية تستدعي المرور على فكرة أن الرّدع قد يكون من خلال امتلاك الأسلحة المؤثرة في نقاط ضعف العدو، ولكنه قد يكون سياسيا ايضا، من خلال توظيف العلاقات السياسية والدبلوماسية مع القوى الاقليمية والدولية، فالمحور المصري التركي القطري يعزّز أطروحته بأنه قادر على تأمين الردع السياسي من خلال علاقاته الدولية والاقليمية القادرة على الضغط على اسرائيل، في خلفية هذه الاطروحة مقولة وزير الخارجية القطري بان "معظم العرب نعاج" وهم فاقدي الحول والقوة، وليس من خيار سوى اللجوء الى الولايات المتحدة لاستجدائها حلا مقبولا.
تضع هذه الفرضية حركة حماس في محور ضمن رؤية متكاملة، على صعيد وضعها كحركة وكسلطة وافاق تطلعاتها في علاقاتها مع مصر جيو سياسيا، وفي محور سياسي اقليمي تركي عربي، له بعد دولي، لاسيما في ظل دور قطري للتقريب بين التطلعات الامريكية في المنطقة والمشروع الاخواني في المنطقة.
لقد بدى واضحا ان حركة حماس تجاري هذا المحور، وظهر واضحا ترددها في اعلان ان هذا السلاح هو ايراني وان لسوريا دورا ما في عملية نقله، وشدّد خالد مشعل في مؤتمره الصحفي لإعلان الهدنة، حين أشار مضطرا بحكم وجود رمضان عبدالله شلح الى جانبه الى دورا ايرانيا، لافتا اننا نختلف مع ايران على الموضوع السوري، بينما كان شكره صريحا واضحا لمصر وتركيا وقطر دون أدنى تردّد.
لكنّ فرضيّة شدّ الحبال بين خياري السلطة والمقاومة لن تقف عند هذا الحد، فلها تداعياتها الميدانية، لجهة استخدام سوط المقاومة نصرة لشرعية السلطة، فتقمع محاولات الفصائل الاخرى في المقاومة لتأكيد مرجعية حكومة حماس في الميدان لكي تبقى مؤهلة لإدارة المستوى السياسي.
أما تداعيات هذا العدوان على غزة فلا تقتصر فقط على حجم الدمار الهائل الذي تعرضت له، والخسائر البشرية والمعنوية التي أصابت البشر والحجر، وعلى فظاعتها، الا ان هناك تداعيات اخرى تنتظر غزة، التي اعطيت كيانية لم تطلبها، فصار لها شعبها وحدودها وسيادتها وحكومتها ، ورمزيات صمودها ومقاومتها ، فاحتشدت المفردات لترتب قاموسا سياسيا وجدانيا يرسم لهذه الغزة مصيرا منفصلا يضرب ثوابت القضية الفلسطينية ، في وحدة الشعب والارض والقضية، فهل تمضي غزة في ما يرسم لها ؟
ويجد هذا التساؤل شرعيته من استمرار الانقسام الذي اتضح أنه ليس سياسيا بعد ان اقرت حماس بالبرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية وأعلنت تأييدها ومباركتها لتقديم طلب الدولة الغير عضو، ورحبت بموافقة الامم المتحدة على هذا الطلب. اي ان الخلاف يدور حول تركيب السلطة والمحاصصة السياسية التي يحصل كل طرف عليها،هذا من ناحية، أما من الناحية الاخرى فتعزز التطورات العربية هذه المخاوف حيث اعطت لحماس حيثية سياسية حاضنة أهلتها ان تتصدر المشهد السياسي في كل ما يدور حول غزة، كطرف مفاوض وموقع على اتفاق الهدنة برعاية دولية وعربية اقليمية ، ليفتح ذلك لها الباب نحو دور أوسع، ويفتح شهيّتها لهذا الدور، فتبادر الى القبول بالدولة بحدود 67 لتأكد جاهزيتها للعب هذا الدور على مستوى المشهد السياسي الفلسطيني بكليته.
حماس تقبض على ورقة غزة ونالت شرعية ذلك، وهذا نصف المشهد، وهي الآن أمام احتمالين، إما ان ينتهي الانقسام بشروطها فتمسك بالقسم الثاني للمشهد ، او تجد ان انهاء الانقسام سيقوض سلطتها في غزة وهذا كاف لتظلّ عوامل الانقسام فاعلة، فتكون القضيّة الفلسطينية برمّتها في مهب رياح التغيير العربي، الذي يصرّ رعاته أن يصل فعله الى القضية الفلسطينية .