الوثيقة السياسية








الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين


نحو رؤية سياسية جديدة للمرحلة




المؤتمر الوطن
حجم الخط
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نحو رؤية سياسية جديدة للمرحلة المؤتمر الوطني السادس - تموز 2000 الفصل الأول: لا حلم خارج الواقع ولا مستقبل دون حاضر وماضي (1) لا نبدأ من الصفر (2) صراع تاريخي مفتوح. (3) أوسلو : سلام أم إعادة إنتاج للصراع بأشكال أكثر تعقيداً. (4) تحقيق المطلوب انطلاقاً من الموجود. (5) في مفهوم المرحلة وإدارة الصراع. الفصل الثاني: أجوبة واضحة على أسئلة حساسة. (1) حرب من أجل بناء وبناء من أجل حرب. (2) خصوصيات متنوعة وشعب واحد. (3) منظمة التحرير الفلسطينية ما هي؟ إلى أين: كيف ولماذا؟ (4) الوحدة والحوار الوطني : شكل أم مضمون؟ (5) بصدد مفاوضات الحل النهائي (6) أشكال النضال بين طبيعة الصراع وسمات المرحلة. (7) البديل الوطني: مشروع ديمقراطي شامل أم إعلان سياسي للتاريخ. (8) قوى الإسلام السياسي تقديم : هذه الوثيقة هي خلاصة الحوار والتفاعل الذي شهدته منظمات الجبهة الشعبية في الوطن والشتات والذي توج في المؤتمر الوطني السادس للجبهة. ذلك المؤتمر الذي انعقد على شكل ثلاث حلقات متكاملة (الضفة الفلسطينية – قطاع غزة – والخارج). وقد استهدفت هذه الوثيقة الوصول لقراءة منهجية للتطورات السياسية التي شهدها الواقع الفلسطيني منذ انعقاد الكونفرنس الوطني الأول عام 1994، وصياغة رؤية سياسية تعالج أسئلة ذلك الواقع بدرجة عالية من الوضوح والمرونة وتحديد اتجاهات العمل ارتباطاً بمصالح وحقوق شعبنا الوطنية، وعلى قاعدة استمرار الصراع والمقاومة لإحقاق حقوقنا الثابتة، وفي السياق كشف المخاطر والانحرافات التي يعيشها ويشهدها الواقع الوطني في ظل تواصل مشاريع التصفية الأمريكية – الإسرائيلية. وضمن هذا الفهم حاولت الوثيقة الابتعاد عن التفاصيل والتركيز على الاتجاهات الرئيسية للتطورات وجوانب النضال الأساسية وذلك من على قاعدة فهمنا العميق لدور ووظيفة المؤتمر الوطني للحزب باعتباره محطة أساسية لإعادة النظر في فهم وكيفية إدارة الصراع من جانب وأشكال وأبعاد ومضامين ذلك الصراع من جانب آخر، وبما يؤمن لنا استثمار ما نملكه من طاقات في سياسة بعيدة المدى، وتأمين بنى حزبية كحوامل قادرة على الارتقاء شكلاً ومضموناً على مستوى شروط وأهداف المشروع الوطني بتاريخه وحاضره ومستقبله. وفي إطار هذا الفهم نود أن نلفت النظر إلى عدد من الملاحظات الهامة عند التعامل مع هذه الوثيقة: أولاً : إن هذه الوثيقة وثيقة علمية في قراءتها للواقع والتطورات وذلك على قاعدة رؤيتنا ودورنا ووظيفتنا الوطنية وفكرنا اليساري التقدمي الديمقراطي، ومع ذلك تبقى هذه القراءة خاضعة للنقد والإغناء ارتباطاً بحركة الواقع والعملية النضالية. وهي بهذا المعنى تبقى خاضعة لقانون النسبية عند التقييم. ثانياً : هذه الوثيقة يجب النظر لها والتعامل معها في إطار تكاملي مع مواقف ورؤية الجبهة التي تتجلى في الوثائق الصادرة عن مؤتمراتها السابقة ووقفات هيئاتها المركزية التالية. وهنا نشير بشكل خاص إلى وثيقة الكونفرنس الوطني الأول الصادرة في حزيران 1994، حيث تشكل تلك الوثيقة أرضية رئيسية لما ورد في وثيقة المؤتمر الوطني السادس، وقد جاءت الوثيقة الحالية لتضيف وتغني الرؤية وليس على قاعدة الإلغاء. وبالتالي وثيقة الكونفرنس المشار إليها تبقى مرجعية سياسية وفكرية متكاملة مع الوثيقة الراهنة. ثالثاً : منذ انعقاد المؤتمر الوطني السادس وحتى اليوم شهدت الساحة الفلسطينية والقضية الوطنية جملة كبرى من التطورات أهمها على الإطلاق الانتفاضة الفلسطينية المتواصلة منذ 28/9/2000، والتي اندلعت دفاعاً عن الحقوق والأهداف الوطنية الثابتة. وقد قدمت جماهيرنا على طريق الحرية والاستقلال مئات الشهداء والآلاف من الجرحى في ظل حرب إرهابية متواصلة يشنها الاحتلال ضد شعبنا المحاصر في محاولة لكسر إرادته في المقاومة وفرض الحلول السياسية عليه. ولهذا فإن هناك جملة من العناوين والأسئلة السياسية والاجتماعية تحتاج لمعالجة وإعادة صياغة من جديد، وهذه من مهمة هيئات الجبهة المركزية (ل.م.ع ومكتب سياسي) لكي يستمر تطوير رؤية الجبهة ومواقفها والارتقاء بدورها الوطني باستمرار. ولهذا يجب التعامل مع هذه الوثيقة بحدود المرحلة التي تغطيها وتتعامل معها. رابعاً : هذه الوثيقة هي تكثيف لرؤية الحزب العامة واتجاهات تحليله السياسي، وبالتالي فإن التعامل مع الوثيقة وخطوطها الناظمة يجب أن يلحظ خصوصيات منظمات الحزب المختلفة على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي، الأمر الذي يفرض المرونة والإبداع عند صياغة برامج العمل وأدوات النضال في كل تجمع فلسطيني بناءً على واقعه وخصوصياته وأولوياته، ولكن من على قاعدة الناظم الوطني الذي يتجلى في الوثيقة المركزية للحزب. وأخيراً إن أي وثيقة مهما كانت قوتها ستبقى غير قادرة على الإلمام بتفاصيل الواقع وحركته، ولكن حسبها أن تمسك باتجاه السير الصحيح المحكوم بالناظم الوطني التحرري والاجتماعي والتقدمي الديمقراطي. وهذا يحتاج لإرادة ووعي شامل من عموم أعضاء الحزب وهيئاته لتحويل الرؤية إلى ممارسة وفعل وأطر ومؤسسات تحول الرؤية والسياسة إلى إنجازات وطنية متراكمة هي التي تعطي أو تبرر لأي حزب وظيفته ودوره وتحفظ مكانته واحترامه من قبل الشعب. الفصل الأول لا حلم خارج الواقع ولا مستقبل دون حاضر وماض (1) لا نبدأ من الصفر إن حديثنا عن المرحلة الخاصة التي تمر بها القضية الوطنية الفلسطينية، لا يعني القفز عن كل ما سبق، وكأن التاريخ والعمل الوطني الفلسطيني يبدئان مع أوسلو. نقول ما تقدم لسبب بسيط هو، أن عملية أوسلو وما ترتب عليها مرتبطان تماماً ومستغرقان بالكامل في النتائج المادية والمعنوية التي أفضى إليها مجمل الصراع طيلة العقود السابقة، يشمل الحديث ليس فقط البعد الفلسطيني، وإنما وبالتأكيد، البعد العربي والبعد الإسرائيلي والبعد الدولي في الصراع أيضاً. هذا هو السبب وراء الخطوة المنهجية للجبهة الشعبية، التي ارتأت عند قراءة أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية وفي السياق أزمة الجبهة الشعبية، العودة بالظواهر والنتائج المحققة إلى مقدماتها التاريخية من اجتماعية وسياسية وفكرية...الخ. هذه الخطوة، كانت تعكس قناعة راسخة للجبهة بأن الاستمرار في ذهنية معالجة النتائج دون التوغل في الأسباب، يعني مواصلة الدوران في حلقة مفرغة عدا عن كونه يحمل مخاطر تشويه الوعي، وإشاعة الوهم، ومراكمة الأخطاء، وبالحصيلة، تبديد مزيد من الزمن ومكونات القوة والمستقبل. ما تقدم يحمل بعداً منهجياً عملياً في الممارسة السياسية – التنظيمية – الاجتماعية، وخصوصاً لناحية التأكيد على عدم القطع مع الواقع والتاريخ وضرورة التواصل، وفهم ذلك بصورة علمية دقيقة. إن عدم القطع مع الواقع لا يعني تقطيع الواقع أو القطيعة معه. فالواقع كما التاريخ وكما الحاضر، يجب أن يكون حاضراً بكل مكوناته. فلا قطيعة مطلقة مع الواقع والتاريخ إلا بالفناء التام. وفي ذات السياق فإنه لا يجوز التعامل مع الحاضر باعتباره استمراراً ميكانيكياً للتاريخ، وإنما كحصيلة أو خلاصة التفاعل التاريخي للصراع الذي يشبه إلى حد كبير التفاعل الكيماوي، الذي يبدأ بعناصر ومركبات محددة كماً ونوعاً، وفي لحظة محددة، وضمن شروط محددة تتحول تلك العناصر والمركبات إلى حالة نوعية جديدة تماماً، تضم نفس العناصر ولكن ضمن علاقات وتركيبات جديدة ومواصفات جديدة. وبطبيعة الحال فإن التفاعل التاريخي – الاجتماعي أكثر تعقيداً وحراكاً مما يعتقد البعض، حيث تتدخل فيه الديناميات الناشئة والمتفاعلة ضمن الواقع المعاش، والتي ترسم اتجاهات المستقبل وتحددها. إنها عملية ترتبط نتائجها بالطريقة والمحتوى اللذان ستدير على أساسهما القوى الاجتماعية والسياسية والأفراد، صراعها الاجتماعي. إنها عملية ذات طابع تاريخي، واعية في بعض جوانبها، ومشروطة بمستوى التطور الاجتماعي/ الاقتصادي في جوانب أخرى. من هنا ضرورة الوعي والتمييز لأبعاد تلك العملية وتشابكها، كونها تحفظ الشفافية والكفاءة المطلوبة لقراءة علمية هادئة لتجاربنا، ومن ضمنها الحفاظ على الثروة الغنية والهائلة التي أفرزتها تجربة الشعب الفلسطيني والأمة العربية، كما تحفظ لشلال التضحيات قيمته المعنوية والتاريخية، وتحولها لقوة مادية تضاف إلى مكونات القوى التي تملكها، والتي هي ليست قليلة على أية حال، عدا عن كونها تحفظ التوازن داخل الذات الجمعية والفردية الواحدة. يجب أن يبقى ماثلاً في الذهن ونحن نحاول قراءة الواقع الراهن، أن التراجع يحمل أيضاً بعداً إنهاضياً، ويحفل بدروس قيمة، دون احترامها ووضعها تحت الضوء، وتحويلها إلى قوة فعل وإعادة بناء، تتحول إلى قوة استنزاف معنوي ومادي مدمرة. لعل النموذج الأبرز على ما تقدم، هو ما نلمسه ونعيشه اليوم كحزب وحركة وطنية، حيث تبين لنا، أن المشكلة لا تكمن، في حدوث الهزيمة فقط، وإنما فقط في عدم الوصول إلى رؤية فكرية – سياسية تتخطى الهزيمة فكراً وممارسة، وفي حالة العجز التي تلف مختلف تيارات الحركة الوطنية الفلسطينية ومسمياتها، واستمرار عملها، في الواقع وليس في الكلام، وكأن شيئاً لم يكن. قاد هذا الواقع إلى شبه إحباط وشلل، وإلى تدني الثقة بين الكتلة الجماهيرية والحركة السياسية المنظمة من ناحية، وبين الأحزاب وقواعدها من ناحية أخرى، حيث تسود حالة من الإرباك والتذمر واللا فعل. وفي تقديرنا أن المناخ المتأتي من حالة اليأس يفتقد إلى المبرر العقلي والعلمي إذا ما جرى التعامل مع التطورات والأحداث وحالة التراجع، ضمن رؤية وقراءة شاملة للصراع بمقدماته وآفاقه المفتوحة باستمرار والتي لا يملك أياً كان مفتاحها في جيبه حتى لو أراد أو توهم. هل فيما نقول مبالغة ومجرد اسقاطات ورغبات؟ لنتفحص إذن الواقع بدقة ورصانة علنا نجد جواب التساؤل. (2) صراع تاريخي مفتوح لقد جاءت صيرورة الأحداث لتضرب في العمق الوهم الذي علق في شباكه كثيرون تخيلوا أن المشروع الأمريكي – الإسرائيلي سيشق طريقه في الواقع الفلسطيني والعربي بسهولة. كشفت العملية السياسية عن أنه كلما تقدم المشروع المضاد واتضحت معالمه، وأخذت أبعاداً ملموسة، كلما تصاعدت المقاومة والمجابهة والممانعة، وجذبت إليها قوى اجتماعية وسياسية شعبية أكثر فأكثر. في هذا السياق، يمكن أن نشير إلى : اشتداد المقاومة والممانعة الشعبية على مختلف أشكالها في كل فلسطين، واتخاذها طابعاً متصاعد الوتيرة، سواء على صعيد الفعل الشعبي، أو على صعيد أساليب وأشكال المواجهة. لقد مرت لحظات تاريخية بدا فيها الصراع وكأنه يعيش بواكيره الأولى، يشهد على ذلك فيما يشهد الانتفاضة التي أعقبت شق النفق تحت المسجد الأقصى ومجابهة سياسة الاستيطان ...الخ. كذلك نجد تصاعد أعمال المقاومة في جنوب لبنان كماً ونوعاً، مع استدارة واضحة في مواقف غالبية القوى السياسية والاجتماعية والرسمية باتجاه احتضان هذه الظاهرة. رغم الضغوط الجدية التي مارسها ويمارسها الحلف المعادي لكسر هذا الموقف. كما تأخذ مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني بعداً شعبياً حقيقياً ومنظماً، وبعد أن كانت سابقاً محدودة بقرار سياسي فوقي، فإنها تتم الآن بمبادرة من الفعاليات الاجتماعية والنقابات المهنية. ولعل الظاهرة الملفتة للنظر، في ذات السياق، والتي تحمل دلالات ومضامين عميقة وبعيدة، تتمثل ببوادر حقيقية لحالة متنامية من الفعالية الفكرية التي تمتد على عموم مساحة الوطن العربي من مشرقه إلى مغربه، وتكمن قيمة هذه، في أنها بدأت تتخطى عزلة الغيتو القطري لتناقش، حال الأمة وهمومها وشروط نهوضها على المستويين الوطني والقومي، من ضمن مستوى فكري يحفظ للعقل والحلم مكانتها ووحدتها. يضاف لما تقدم بداية عودة لا تخلو من دلالة، للتنسيق العربي ومحاولة ضبط الإيقاع على المستوى القومي. تكمن قيمة هذا التحول في أنه يجري بمبادرة وتعاون بين أهم مراكز القرار الرسمي في الوطن العربي الآن. ما سبق ذكره من أمثلة وظواهر، هو تعبير علني عن فعالية الحراك الجذري والعميق في الضمير والذاكرة الجمعية العربية بما تحويه من خزين هائل، يشكل قوة دفع أساسية "للممانعة الطبيعية" التي تغذيها بصورة مستمرة مادياً ومعنوياً العناصر الموضوعية المسببة للصراع التاريخي مع العدو الصهيوني. تبين الأشكال المتنوعة من الممانعة والمقاومة الشاملة والمتنامية، ما نقصده بموضوعية الصراع التي لا تقيدها أو تطلقها رغبات الأفراد أو الزعامات، ولا النوايا الطيبة أو السيئة على حد سواء. إنها عملية دائمة الفعل والتفاعل، وإن مرت بمراحل كمون أو تراجع أو انحناء، إذ سرعان ما تجد للتعامل مع تحديات الصراع من خلال تجليات لا حصر لها، معيدة الأمور إلى مرجعياتها وجذورها. إن إبداع أي حزب أو حركة سياسية يتجلى هنا، أي في القدرة على التناغم مع حركة الفعل والتفاعل تلك، وإدارتها بصورة علمية واعية، لنقلها من المستوى العفوي إلى مستوى الصيرورات والرؤية الشاملة. إن وعي تاريخية الصراع وموضوعيته، يضع النقاش ضمن مساره السليم والمنطقي، ويقود حتماً إلى التعامل مع الصراع بوصفه اشتباكاً تاريخياً اجتماعياً، بين الأمة العربية وعلى نحو أخص الشعب الفلسطيني، وبين المشروع الصهيوني الإمبريالي. وهو صراع اجتماعي تاريخي جذري باعتباره يطال الوجود ذاته، ويواجه محاولات لا حصر لها، لإخراج ذلك الوجود عن أنساق تطوره الطبيعي وإخضاعه لخدمة المشروع النقيض. وبهذا المعنى فإن الصراع يأخذ أشكالاً نضالية متنوعة بما فيها الكفاح المسلح. توضح لنا القراءة المكثفة لممارسات المشروع الصهيوني، بعد مرور مائة عام على المؤتمر الصهيوني الأول في بال عام 1897، أن هذا المشروع، ورغم الانتصارات الكبرى التي حققها، مستمر في إعادة صياغة وتكييف بناه وأدواته واستراتيجياته، بما يحفظ له من ناحية منجزاته المحققة في جانب، ومن ناحية أخرى تأمين شروط الاندفاع لتحقيق مزيد من الأهداف. هذا الأمر يفرض في الجوهر ضرورة حفاظ المشروع المعادي على ركائزه الأيديولوجية الثقافية والسياسية وتطويرها باستمرار، لتشكل قوة دفع مستمرة ومتجددة، لحشد المزيد من الطاقات والإمكانات، من أجل مزيد من العدوان والتوسع. يسهم وعي هذه الحقيقة في تحسين كيفية التعامل مع المرحلة الراهنة، وتفسير المنعطفات النوعية التي شهدها ويشهدها المشروع الصهيوني – الإمبريالي في كل مرحلة من مراحل تطور الصراع، تاريخياً واجتماعياً، لاستكمال أهداف المشروع والنقطة التي وصلها ارتباطاً بعملية التراكم الحاصلة، وما تفرضه من تعديلات استراتيجية وتكتيكية، هي انعكاس ديناميكي ومرن لحركة موازين القوى على جانب جبهة الصراع. وبهذا المعنى، فإن الصراع على الوجود لا يعني بالضرورة النفي المادي على نحو مطلق، وإنما تركيم القوة، لإلحاق الهزائم المرة والتاريخية بالطرف العربي، وإرضاخه بالعنف والضغط على مختلف أشكاله السياسية والاقتصادية والعسكرية، وجعله في حالة خضوع واستكانة شبه كاملة، أمام المشروع الإمبريالي – الصهيوني. هنا نضع الرأي الذي يقول بتاريخية الهزائم، وأن ما نعيشه الآن، يعود لمجمل النتائج التي تراكمت منذ ما قبل سايكس–بيكو وما بعدها، وحتى الآن. وهي نتائج من طبيعة تراكمية وتصبح ذات ثقل متضاعف مع تقدم الزمن. أكثر من ذلك، فإن بعض مظاهر التخلف التي تعاني منها الشعوب العربية، تحولت مع مرور الوقت إلى دينامية داخلية لها قوانينها الخاصة، التي ما لم يجر كسرها وتخطيها ستبقى تغذي باستمرار حالة التخلف، وتبعاً لذلك الاختلال، وهو الأمر الذي يؤسس بصورة طبيعية لمزيد من الهزائم. إن وعي هذه الحقيقة بعمق، يفرض ضرورة وعي أن، عملية الكسر والتخطي محل الإشارة هي عملية اجتماعية تاريخية واسعة، تتخطى مشيئة أحد طرفي الصراع بمفرد، ذلك أن عناصر الصراع وديناميته أشمل وأعقد من الديناميات والعناصر التي تدور عند أحد الطرفين. إنها حصيلة تاريخية مركبة ومتحركة لمجمل عملية الصراع التاريخي التي نقول بها. ضمن عملية التقدم والتراجع هذه، وما تحفل به من تشابكات، وصيرورات اجتماعية، يأخذ الصراع طابعه المحرك والتاريخي، الذي، وإن شهد حالات ركود أو كمون، فإنها تبقى عابرة ومؤقتة، نظراً لأنها نتيجة حالة هزيمة أو انكسار مؤقت أو انتصارات مؤقتة، أو لعدم توفر شروط النهوض على أكثر من مستوى، فما دامت أسباب الصراع قائمة ومنجزة ومتجددة، فإنها دائماً مرشحة للانفجار عند كل زاوية من زوايا التاريخ وما أكثرها. يفرض ما تقدم، ضرورة إعادة التدقيق بالمسائل والحذر الشديد عند قراءة واقع الحال الفلسطيني راهناً، وذلك في ضوء ما أفرزته الحياة من حقائق منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى الآن، والتي تدل على عمق وأسباب واستمرار الصراع التاريخي. إن ما تقدم يشكل الإطار، الذي يحمي التحليل من الوقوع في مهالك التسرع أو النزق أو الذاتية وأوهام أن بالإمكان قفل باب الصراع، الذي لا ينتهي إلا بانتهاء أسبابه. وهذا ينقلنا إلى عنوان آخر. (3) أوسلو سلام أم إعادة إنتاج للصراع بأشكال متجددة؟ ليس مطلوباً منا الآن إعادة النقاش في المخاطر والأضرار الجسيمة المتراكمة التي لحقت بالقضية الفلسطينية، جراء اتفاق أوسلو وما تلاه، لأن ما ورد في الوثيقة السياسية الصادرة عن الكونفرنس الوطني الأول عام 1994، بالإضافة إلى ما تناولته وثائق الجبهة الشعبية الصادرة عن هيئاتها الأولى بهذا الصدد وغيرها، أكثر من كاف. إن ما نود تناوله الآن، يتخطى هذا الجانب، ويستهدف تعميق رؤيتنا وتحليلنا، استناداً للمعطيات والمستجدات التي شهدتها السنوات القليلة الماضية. إن اتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقيات، وما حمله وجسده من مخاطر، ليس أكثر من مرحلة عابرة مؤقتة في الصراع قد تطول أو تقصر، دون أن يعني ذلك التقليل من ثقل الأضرار والمصاعب التي حملتها تلك الاتفاقيات، أو الاستخفاف بها وكأنها لم تكن. على العكس من ذلك، فإننا ننطلق من إعادة التأكيد على حقيقة أنها تشكل مرحلة نوعية في الصراع، اندثرت فيها عناصر ومكونات وأساليب وبنى ونماذج، ودخلت إليها أو في طريقها إلى التكون والتبلور، عناصر ومكونات وأساليب وبنى ونماذج جديدة. [انهيار الاتحاد السوفييتي، وتغيير لوحة التحالفات الدولية – هيمنة الولايات المتحدة – التغيرات التي شهدها الواقع العربي منذ حرب الخليج الثانية – قيام السلطة الفلسطينية – تغير موازين القوى الداخلية – أزمة القوى الديمقراطية – ظاهرة التطبيع ومقاومته...]. إن الانتقال من مرحلة إلى أخرى، ليس بتلك البساطة التي يتخيلها البعض، إنها تشبه عملية المخاض، بما يرافقها من آلام ونزف وتحولات معنوية ونفسية. ولكنها تعني في النهاية الولادة وبدء دورة جديدة للحياة بكل نواظمها وعناصرها. بناءً عليه، فإن المرحلة الراهنة وبمقدار ما تحمله من عمليات قطع مع المراحل السابقة، فإنها تبقى مرتبطة معها بألف حبل سري تفعل فعلها وتلقي بأثقالها وظلالها على الواقع. لقد ألقت القيادة الفلسطينية المتنفذة، بعد حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفييتي، بمعظم أوراق القضية الفلسطينية وأهمها في خانة الرهان على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى ما يزعمه الكيان الصهيوني من استعداد للسلام. تنبع خطورة هذه السياسة، وما ترتب عليها من خيارات عملية واتفاقات محددة، من أنها لا تقوم على رؤية سليمة وعلمية لطبيعة الصراع وجذوره، وتعبر عن فهم مذعور وسطحي لموازين القوى القائمة، ولطبيعة المشروع الأمريكي – الإسرائيلي للسلم وأهدافه الاستراتيجية. لقد استجابت لمقتضيات الاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية، وسمحت لديناميات تلك الاستراتيجية بأن تتحكم بها وبخياراتها، مما افقدها بالتدريج، وبصورة متتابعة غير عنصر من عناصر القوة المادية والتاريخية والشرعية التي كانت تتمتع بها، وباتت تبعاً لذلك تنطلق في ممارستها السياسية، وكأن ما يجري هو الخيار الوحيد المتاح أمامها أو باعتباره نهاية المطاف للصراع العربي – الصهيوني، وفي القلب منه الصراع الفلسطيني – الصهيوني. هذه السياسة البائسة في فهم الصراع وإدارته مع العدو، هي الوجه الأخر لسياسة بائسة أخرى تجاه الداخل الفلسطيني، والتي تجلت في ذهنية قاصرة، تراكمت تاريخياً لتأخذ شكل بيروقراطية عاجزة ومدمرة، سلاحها الإفساد، وهو ما قاد إلى تبديد كثير من مكونات القوة الفلسطينية، وأدى إلى عدم امتلاك رؤية شاملة وبعيدة النظر لتعزيز البنية الداخلية للمجتمع الفلسطيني في مختلف مواقع انتشاره، من خلال تعزيز البنى التنظيمية والمؤسساتية والإدارية ... لهذا المجتمع. أبرز نموذج على ذلك هو، عملية تحطيم وتمزيق أهم إطار وطني فلسطيني في الفترة المعاصرة أي م.ت.ف . حيث جرى التعامل معها بصورة محزنة ومؤلمة. إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على قصر نظر السياسة التي مورست، وخفة التعامل مع هذا الإطار الهام، الذي كان من المفروض أن يبقى بمثابة الإطار الوطني الجامع، والمعبر الحقيقي عن وحدة الشعب الفلسطيني المشتت والممزق جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً. يضاف لما تقدم، عدم القدرة أو الرغبة في استثمار الطاقات والكفاءات الوطنية لصالح تعزيز البنية الاجتماعية وتقوية ركائز المجابهة الوطنية، وهو الأمر الذي عبر عن نفسه باستمرار سياسة الهيمنة والتفرد، وإغراق مؤسسات المجتمع الفلسطيني في الوطن المحتل في دوامة الفساد، وعدم احترام الإنسان وحقوق المواطن، هكذا وجد المواطن الفلسطيني نفسه بين فكي كماشة: الاحتلال بممارساته القمعية والتوسعية في جانب، وممارسات السلطة وأجهزتها في جانب آخر. هذا الأمر فاقم المأزق الذي تعيشه الجماهير الفلسطينية، والقضية الوطنية في الوطن المحتل وفي الشتات. ترافق الواقع المشار له، مع ممارسة لا تقل خطورة وقصر نظر، تمثلت في النظرة الاستخدامية للحركة الشعبية الفلسطينية، مما أدى إلى توسيع المسافة بينها وبين السلطة السياسية، وبالتالي فقدان الثقة بالسلطة التي لم تحافظ على الحد الأدنى من الحقوق الوطنية وحمايتها، وفي الوقت نفسه لم تدل ممارساتها تجاه المجتمع الفلسطيني، ولوعلى حد أدنى من الاحترام والثقة، تجلت تلك السياسة وأخذت ثلاثة أشكال أساسية هي : أ- الملاحقة والاعتقال نزولاً عند إملاءات الاحتلال. ب- الانتهازية والاستخدام اللحظي المؤقت للحركة الشعبية. ج- محاولة تكييف المعارضة مع سقف السلطة وسياساتها. قادت هذه السياسة إلى نتائج خطيرة على الحركة الوطنية الفلسطينية، ذلك أنها ساهمت في تعزيز حالة التمزق والافتراق، وإبقاء أسباب الاستنزاف والانفجارات الداخلية قائمة. كما أفرغت سياسة السلطة، مفهوم الحوار الوطني من مضامينه وركائزه، وبالتالي حولت مسالة الوحدة الوطنية، إلى ورقة مناورة، وليس خطاً سياسياً ناظماً لفعل الحركة الوطنية الفلسطينية بتلاوينها وتياراتها وتنظيماتها المختلفة. إن الذهنية السياسية والفكرية التي قادت إلى الرهان المتسرع والقاصر على المشروع الأمريكي – الإسرائيلي للسلام، هي الذهنية نفسها التي أفضت إلى حالة الرضوخ بهذه الصورة الدرامية، مستغلة حالة الإنهاك والإعياء التي أصابت الشعب الفلسطيني والأمة العربية نتيجة ضغط الحلف المعادي وديناميات القصور الداخلي، التي تسببت بها أصلاً تلك الذهنية التي أتقنت كيفية تبديد الموارد أكثر مما عرفت كيف تراكمها. لقد دفع العدو، ومنذ مدريد، بكل الهزائم العربية المتراكمة إلى المسرح السياسي، حين ارتأى أنه آن الأوان لكي يخطو خطوة انعطافية هامة، تتمثل بضرورة فرض الهزيمة سياسياً، وتشريعها رسمياً وقانونياً على الصعيدين العربي والدولي. وهكذا تم الانتقال من مستوى الحرب المباشرة إلى مستوى الحرب غير المباشرة، التي تتكئ إلى ميزان قوى شامل مختل لصالح الحلف الأمريكي – الإسرائيلي. إن ما جرى في مدريد وما تلاه من محطات واتفاقات وتجاذبات، لم يخرج عن إطار عملية الاقتحام السياسي التي تديرها الولايات المتحدة بتنسيق كامل مع الكيان الصهيوني. وبالتالي فإن المشروع السياسي- الأمريكي للتسوية كما جرى تظهيره في أوسلو لا يخرج عن كونه مشروعاً لفرض مزيدً من الرضوخ السياسي والاقتصادي على المنطقة، والذي بلغ حدوداً غير مقبولة مع الحد الأدنى من الشعور بالكرامة. يفسر لنا ما تقدم حقيقة الدور الأمريكي، الذي بعد أن أدخل الأطراف المختلفة في دينامية التفاوض، على أساس مبادئ عامة تراعي ولو جزئياً بعض قرارات الشرعية الدولية، انتقل بعدها إلى ممارسة شتى صنوف الضغط والإرهاب لفرض الرؤية الإسرائيلية للتسوية التي تتناغم في الجوهر والرؤية الأمريكية. وبكلمة أخرى، فرض الاستسلام على العرب وليس إنجاز عملية سلام كما يقال نفاقاً، وذلك من ضمن منطق يجد ما يبرره في فلسفة القوة كأساس لإدارة العلاقات الدولية. فلسفة ملخصها : حق للمنتصر فرض شروطه على المهزوم. إن هذا دون غيره، هو الذي يفسر انحياز السياسة الأمريكية بصورة فاضحة ومتواصلة لجانب الكيان الصهيوني؟! ربما، آن الأوان للكف عن سذاجة من نوع الاعتقاد بأن الإدارة الأمريكية بكل ما تملك من معلومات وخبرة في إدارة الصراعات الدولية، لا تدرك أن الحديث عن السلام في الشرق الأوسط يبقى محض هراء وخداع، ما لم يتضمن الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية والحقوق القومية العربية. إن الإدارة الأمريكية تدرك هذه الحقيقة أكثر من غيرها وليس هنالك من يستطيع، حتى الدفاع عن أكذوبة، أن الولايات المتحدة تريد فعلاً الوصول لسلام ضمن القواعد التي تقرها أبسط قواعد ومواد القانون الدولي ومفاهيم الحرية والعدالة والتوازن؟! وليس من فلسفة القوة لفرض ما يناسب مصالحها. بناء على ما تقدم، لا تعود المشكلة في هذه الحكومة أو تلك كما يحاول البعض أن يروج. إن المشكلة تكمن بالأساس في طبيعة المشروع الأمريكي – الإسرائيلي للسلام الذي هو في الحقيقة ومن ناحية المنطق والهدف مشروع واحد. لولا ذلك، لقامت الولايات المتحدة بتقديم نص دقيق وواضح لمشروعها السياسي الخاص للسلام في الشرق الأوسط، ويكون جزءً من تعديل شامل يجعل سياستها مراعية للحد الأدنى من العدالة والتوازن واحترام الحقوق المشروعة. لولا أن الولايات المتحدة ما زالت على سياستها المعادية، لكفت عن اللغة العائمة والغامضة، عند الحديث عن السلام، ولتوقفت عن ممارسة أوسع ضغط معنوي ومادي ممكن على الأطراف العربية، بينما تواصل تزويد الكيان الصهيوني بكل مكونات القوة، وتؤكد ليل نهار بأنها ستبقى ملتزمة باستمرار بتفوقه النوعي على الدول العربية مجتمعة، إضافة إلى تشكيل مظلة سياسية لممارساته، سواء في المؤسسة الدولية، أو على صعيد إقامة الأحلاف العسكرية والأمنية المعادية السري منها والعلني والذي بدأ يلتف حول جغرافية الأمة العربية ومصالحها، إحاطة السوار بالمعصم. لقد كشفت تطورات السنوات الأخيرة، جوهر وأبعاد وأهداف وتجليات المشروع الأمريكي – الإسرائيلي للسلام، والذي لا يتعدى مواصلة العمل الكثيف لتحقيق ذات الأهداف التي رافقت ولادة المشروع – أي الهيمنة والإخضاع السياسي والإلحاق الاقتصادي للأمة العربية، وتصفية القضية الفلسطينية، من خلال الحرب السياسية المطعمة عند اللزوم بالعنف السياسي والاقتصادي والضغوطات العسكرية المنظمة. هذه الحقيقة التي دأبت الإدارة الأمريكية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على محاولة طمسها، من خلال الترويج بأن الأطراف العربية هي التي ترفض أية تسوية سلمية للصراع، كشفتها بالكامل الممارسة العسكرية للحلف الأمريكي – الإسرائيلي الذي ما زال يواصل الحرب، وإن بوسائل سياسية لفرض الاستسلام على العرب وليس إنجاز سلام معهم. هذا الواقع هو الذي يقف أمام تنامي ردود الفعل العربية والفلسطينية، وانتقالها من طور الرهان إبان وبعيد مؤتمر مدريد على خيار السلام المطروح، إلى مستوى الممانعة والرفض الواسع للمشاريع الأمريكية الإسرائيلية. تكمن قيمة الممانعة والرفض المشار لهما، أنهما يتخذان طابعاً شعبياً يتسع باستمرار، ويتسمان بأنهما نتاج مبادرات شعبية، ويجذبان على نحو متزايد قطاعات واسعة من جماهير الأمة العربية إلى دائرة الفعل، وهذه ميزة لم تكن متوفرة في مراحل سابقة، حيث اتخذ الصراع بصورة رئيسية آنذاك شكل الصدام المسلح الرسمي والفدائي لاحقاً. إن الممانعة الشعبية العربية في هذه المرحلة تتسم بالشمولية والتنامي، وتقوم على رسوخ قناعة مفادها أن ما تطرحه أمريكا والكيان الصهيوني لا يتعدى محاولات إخضاع بقوة الضغط السياسي والتهديد بالحرب، لهذا نجد أنها ممانعة تتجه نحو التزايد والتأطير، وتشمل مختلف فئات وشرائح المجتمعات العربية, نذكر هنا: برفض التطبيع الثقافي، رفض الهيمنة الاقتصادية، الإصرار على مفهوم السلام الشامل الذي يلبي الحد الأدنى من الأهداف والحقوق الوطنية والقومية، وفي مقدمتها حقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير والدولة المستقلة وعاصمتها القدس. نجد بعض أبرز تجليات الممانعة، في الفعالية الفكرية العربية والتي تأخذ شكل الحوار والنقد، وإثارة الأسئلة الجوهرية والأساسية، ومحاولة إعادة المسائل باستمرار إلى مرجعياتها التي تعود في بعض جوانبها إلى أسباب العجز والتخلف والهزائم، وبعضها الآخر يذهب إلى إعادة اكتشاف أو التأكيد على طابع الصراع، والذي يعبر عن نفسه من خلال صراع تاريخي شامل. هذا هو الوجه الآخر الذي كشفت عنه دينامية التسوية وفق الرؤية الأمريكية الإسرائيلية، والتي لم تترك أمام المواطن العربي أو المواطن الفلسطيني سوى الاختيار بين الاستسلام المذل، وبين الاشتباك والمجابهة، وهو الأمر الذي يغذي الصراع بديناميات جديدة وبقوى دافعة جديدة بصورة متواصلة، بحيث تبدو الأمور للناظر بتفاؤل وعمق وكأن الصراع قد بدأ للتو. تقودنا الحقيقة أعلاه، إلى التأكيد بأن ما جرى حتى الآن من إزاحات سياسية تجلت في الاتفاقات الموقعة، ما هي إلا إزاحات تقوم على ذات أرضية الصراع، الأمر الذي يعني بأنها فعلاً مؤقتة وعابرة، ولن تقود إلى الأمن أو الاستقرار أو السلام. وبالتالي فأي رهان على هذه العملية إنما يعبر عن قصر نظر، أو إحباط مأساوي، أو التسليم بقضاء المشروع الأمريكي- الإسرائيلي وقدره. هذا الحديث لا يعني التقليل من خطورة ما جرى ويجري، واستطراداً، التعامل مع العملية وكأن شيئاً لم يكن. على العكس من ذلك، فما جرى خطير وثقيل الوطء، ويجب رؤيته والتعامل مع نتائجه بهدف تغييره وفق المعايير الثورية، باعتباره معطى جديد أضيف إلى لوحة الصراع. ما تقدم يفرض علينا كشعب فلسطيني وحركة وطنية فلسطينية، تعويد أنفسنا وعقولنا بأسرع وقت ممكن على التجذر والمرونة والازمة، لتلمس واستيعاب أية حركة أو مستجد في الواقع، وأن نخفف من الصخب والضجيج، ونكثف القراءة الدقيقة والفعل المستند لرؤية شاملة ومتماسكة للصراع، الذي لم يعد سراً، أنه صراع على الوجود نفسه ويدور في حيز الواقع ويدار بناء لقانون ميزان القوى. (4) تحقيق المطلوب انطلاقاً من الموجود. من الضروري في البداية التأكيد على أن حديثنا عن معطيات جديدة، لا يعني حكماً انتفاء الأسباب التاريخية للصراع، وإنما رؤية الوقائع والمعطيات والأسباب الجديدة التي أضيفت إلى المسرح والتي من غير المسموح لأحد تجاهلها إن بالسلب أو الإيجاب، لأنها من طبيعة كمية ونوعية باتت تفرض علمياً إعادة النظر في جوانب أساسية، تطال مجمل عملية إدارة الصراع. لقد أدت الأحداث الهامة التي شهدها الوضع العالمي والعربي مع انهيار الاتحاد السوفييتي، حرب الخليج الثانية والديناميات التي أطلقها المشروع الأمريكي للسلام ‍، إلى مجموعة اختراقات جدية، ترتب عليها عقد مجموعة من الاتفاقات مع الكيان الصهيوني، أهمها على الإطلاق الاختراق الذي جرى على الصعيد الفلسطيني، والذي توج باتفاق أوسلو وتوابعه، ترافق هذا مع تخلخل جبهة المقاطعة العربية، وإقامة بعض الدول العربية علاقات، وإن بمستويات وأشكال مختلفة مع الكيان الصهيوني. تتنوع الخسائر التي ترتبت على هذه العملية، وهنا يمكن الإشارة أولاً إلى أنها عبثت بركائز الصراع التاريخية، وخاصة على صعيد القضية الوطنية الفلسطينية، حيث أدى توقيع الاتفاقات المنفردة بين القيادة الفلسطينية الرسمية وبين الكيان الصهيوني إلى ضرب جدي لبعدها العربي والمساس بثوابت وطنية وقومية وتاريخية، وبوحدة الشعب الفلسطيني، ودور ومكانة م.ت.ف وميثاقها كإطار وطني جامع. كذلك يمكن الإشارة أيضاً، إلى تمزيق الحركة الوطنية الفلسطينية، عبر انتقال بعض القوى الفلسطينية للتعامل مع الكيان الصهيوني باعتباره شريك في عملية السلام، مع كل ما يترتب على ذلك من مفاعيل. يكثف ما تقدم الجانب الصعب من عملية أوسلو، أما وجهها الآخر فيتمثل في مزيد من الانكشاف لأهداف الكيان الصهيوني واستطراداً، المقاومة/ الممانعة التي ولدتها، والتي أتينا على ذكرها آنفاً. هذه هي بعض المعطيات الأساسية المستجدة بعد أوسلو والتي كما ذكرنا جدية وخطيرة، وباتت تفاصيلها واضحة جداً وقد سبق أن عالجناها باستفاضة في وثائقنا المختلفة، وخاصة وثيقة الكونفرنس الوطني الأول. إن الجديد الذي يفرض نفسه في هذا المجال، هو ما يوجزه السؤال التالي: هل نكتفي بمعالجة أوسلو وما تلاه بمزيد من التشخيص والتحليل وتبيان مخاطره العديدة فقط، أم أن علينا استحقاقاً آخر، هو الدفع بالعقل والممارسة إلى دوائر وميادين لا تتجاوز أوسلو أو تنساه ولكنها لا تستمر عند حدوده وتصبح رهينة له؟‍ هنا يكمن جذر خلاف منهجي في الفكر والممارسة السياسية. إن الوقوع في محظور الاكتفاء بالتشخيص وكشف المخاطر، يعني جعل الحزب والحركة الوطنية رهينة دوامة الديناميات التي أطلقها ويطلقها مشروع أوسلو. بكلمة أخرى، العمل بموجب سياسة رد الفعل، مما يتيح للعدو الاحتفاظ بزمام المبادرة ويسهل عليه إدارة الصراع لتحقيق مزيد من الأهداف دون مواجهة منظمة وقوى موحدة، تستند إلى رؤية واضحة شاملة وممارسة إيجابية تعرف ماذا تريد في ظل الظروف المستجدة ومعطيات الواقع التي أصبحت محدداً قسرياً للصراع الدائر وكيفية إدارته. إن المطلوب هو الارتقاء بالرؤية والممارسة من مستوى المناهضة الدعاوية، أو ردود الفعل المتفرقة إلى مستوى المجابهة الفعلية، بمعنى تقديم البديل التاريخي الشامل، أي مجابهة مشروع أوسلو بمشروع نقيض كامل، يتيح الفرصة للمبادرة واستثمار كامل عناصر القوة، من فاعلة وكامنة، على قاعدة التواصل والقطع في الصراع في آن معاً. التواصل مع الماضي بما يمثله من أهداف وحقائق تاريخية وطنية وقومية، والقطع مع الثغرات والأخطاء في الرؤية والممارسة الفكرية والسياسية والعملية. إن ما تقدم هو الطريق الوحيد المفضي إلى تركيم عناصر التقدم وتقليص المسافة بيننا وبين العدو، تمهيداً لتحقيق انتصارات أو فرضها. ويتوقف هذا فيما يتوقف على التكيف الإيجابي مع المرحلة ومعطياتها، وعدم اعتبارها حقائق نهائية أو أبدية، أي عدم الوقوع في سياق حالة من الاستلاب والتكيف السلبي مما يعني الرضوخ والارتهان. يعني هذا، ضرورة التعامل مع المرحلة بحركتها ومحدوديتها في الزمان والمكان، وفي ذات الوقت إبقاء دوائر الفعل منفتحة في كل الاتجاهات ارتباطاً بفترة الصراع التاريخي وموضوعيته. بكلمة محددة، ليس المطلوب منا استمرار إعادة قراءة الماضي إلى ما لا نهاية، أو صياغة برنامج لمدى غير منظور. إن تقرير أمر مكاننا ومكانتنا يجب أن يبقى بعيداً عن الهروب إلى الخلف أو إلى الأمام. مكاننا ومكانتنا هي في قلب الواقع والحدث. وبهذا المعنى فنحن أمام عملية محددة تستدعي رسم رؤية سياسية وتنظيمية – اجتماعية وفكرية، وبناء لما هو متوفر من تجربة تاريخية متراكمة، ووقائع المرحلة على تنوع مفرداتها، الشاملة والموزعة على كل المستويات. إن احترام ما تقدم هو الذي يبقي الأبواب مشرعة لمواصلة الصراع، وبصورة أدق، التأسيس وتحقيق خطوات عملية باتجاه الاقتراب من الأهداف الوطنية العليا. كما يعني توفير مستوى مناسب من المرونة والقدرة على الانعطاف في الممرات الصعبة كشرط لا بد منه، لتجنيب الحزب والشعب أية خسائر غير مبررة. خلاصة القول، وربطاً بالإشارات المنهجية المنوه لها، فإنه من الضروري رؤية التحولات النوعية التي بات يشهدها الصراع في هذه المرحلة النوعية وأخذها بعين الاعتبار كمعطيات أساسية يجب التعامل معها. دون ذلك، نفتقد لأهم شرط من شروط امتلاك الرؤية العلمية والقدرة على تحديد البرامج الملائمة انطلاقاً مما هو موجود لتحقيق ما هو مطلوب. وفيما يلي أبرز المعطيات – المحددات التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار بوصفها سمات أساسية للمرحلة: المعطى الأول : أن السمة الأساسية للمرحلة هي التراجع والانكفاء/ الدفاع، فيما المشروع النقيض في حالة هجوم. إن مضمون مفهوم الدفاع المستخدم هنا ليس سلبياً، كما قد يذهب البعض، بل إيجابي، ويؤمن لنا إدارة الصراع على نحو مناسب ربطاً بالمعطيات القائمة، مما يعني ضرورة الاستخدام الأمثل للطاقات ومكونات القوة الذاتية. أول شرط لذلك عدم تبديدها، وتقليص الخسائر ما أمكن، وهذا شأن لن توفره إلا ذهنية ورؤية سياسية تحدد الأهداف المباشرة والمتوسطة، انطلاقاً من استراتيجية دفاعية، مما يعني الطلاق مع الذهنية القائمة على الغطرسة والعنجهية والخطب الصاخبة، واستطراداً، الدخول في معارك ومواجهات يجب تجنبها لأن لا طاقة لنا عليها. وفي هذا المجال لا بد من الارتقاء بمعايير الأداء من المستوى الذاتي إلى مستوى المعايير الموضوعية أو التي تحكم أداء العدو، لأن نتيجة الصراع في مطلق الأحوال إنما تتحدد في ضوء المواجهة مع العدو التاريخي وشروط الصراع معه. بهذا نتخطى المعيار الذاتي – المزاجي القاصر الذي كان يحاكم أداء هذا القائد أو التنظيم أو ذاك، بأداء قائد أو تنظيم فلسطيني آخر، نحو المعيار الفعلي ألا وهو المعيار الذي يعمل بموجبه العدو الفعلي. هذا لا بد من لفت النظر إلى جانب نظري منهجي، لقطع الطريق على كل من قد يحاول إعاقة هذا التحليل من خلال الجملة الثورية، ألا وهو أن طبيعة كل مرحلة ومحتواها المادي – الاجتماعي هو الذي يحدد سقف العمل الثوري الذي يجب أن يتم بها. فما هو ثوري في مرحلة معينة ليس بالضرورة أن يلائم مرحلة مختلفة لها معطياتها وقوانينها وقواها الاجتماعية المختلفة، وتبعاً لذلك، فإن الدفاع الذي هو السقف الثوري لمرحلة طابعها العام دفاعي، هو غير السقف الثوري المناسب لمرحلة الصعود والهجوم. كان الكفاح المسلح مع نهاية الستينات وعقد السبعينات هو المظهر الرئيسي للصراع مع العدو. أما في الثمانينات فقد كان المظهر الانتفاضي هو السقف المناسب. والآن تأخذ المرحلة طابع الصراع الاجتماعي لمنع العدو من تحقيق مكاسب جديدة، والتصدي لنهج التنازلات وتبديد الحقوق الوطنية من قبل سلطة الحكم الذاتي. هذا التحديد للمظهر الرئيسي لا يلغي التشابك والتداخل الذي يحدث بصورة طبيعية بين مختلف أشكال الصراع ومظاهره. لقد دفع ثمن باهظ قبل إدراك مترتبات خطأ، بل خطيئة افتعال التصادم والتنابذ بين مختلف أشكال المواجهة. ومع أن الصراع، ومنذ شراراته الأولى، كان صراعاً اجتماعياً، غير أن فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية عموماً ارتكبت أحد أكبر أخطائها المأساوية عندما قفزت عن جوهر الصراع وحقيقته كصراع تاريخي، وهو الأمر الذي أسفر عن سياسة قاصرة، رأت في الكفاح المسلح، على سبيل المثال بديلاً للاشتباك المجتمعي، بعكس العدو الصهيوني الذي لم يتخطى للحظة واحدة هذه الحقيقة، فجاءت إدارته للصراع شاملة ومحكمة لأبعد حد. ما نود تأكيده في هذا المجال، هو أنه ليس هنالك في الصراع الاجتماعي الشامل من تناقض بين أساليب وأشكال النضال مهما تنوعت وتعددت، فكل مظهر منها يحظى بأهمية قصوى ارتباطاً بدوره ووظيفته المحددة في الصراع الشامل، لأنه يشغل فقط الخانة التي تستدعيه في الزمان والمكان المحددين، والتي لا يمكن سدها أو تعويضها إلا بالشكل المحدد، والأسلوب المحدد، والعامل الاجتماعي المحدد. هكذا تتكامل عوامل الصراع وتتواصل دافعة بالديناميات الاجتماعية على مختلف المستويات للتعبير عن ذاتها بالشكل والأسلوب الذي يناسبها وفقاً للموقع المحدد الذي تشغله على مسرح الصراع، وهذه عملية ذات سياق موضوعي تماماً، وهنا تتجلى أهمية العامل الذاتي في قدرته على قراءة الشروط الموضوعية للصراع، وعلى إدارة وتوجيه وتوحيد مجمل روافد الصراع ضمن استراتيجية شاملة. المعطى الثاني : أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية: لقد كشفت الهزيمة عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بالحركة الوطنية الفلسطينية، والتي هي من طبيعة تاريخية تراكمية، أسفرت عن نتيجتين أساسيتين: 1- استسلام القيادة الرسمية وخضوعها لمشروع التسوية الأمريكي – الإسرائيلي، وقيام حالة معينة من التشابك بين الاحتلال ووظيفة السلطة لصالح الأولى. والنتيجة، تخطي الحقوق الوطنية الفلسطينية الأساسية، التي لا مجال دون توفرها للحديث عن تحرر وطني من الاحتلال، أو تحقيق "سلام الشجعان"! أو إنجاز حل عادل، أو تحقيق برنامج حق العودة وتقرير المصير والدولة التي عاصمتها القدس. 2- عجز قوى المعارضة، وتفاقم أزمتها متمثلة بعدم قدرتها على بلورة ولعب البديل الوطني القادر، من خلال توحيد صفوفها على أساس برنامج وطني مشترك يعبر عن نفسه بأطر تنظيمية وسياسية بما يؤمن الشرعية وبالتالي المرجعية البديلة عن القيادة التي تخلت عن البرنامج الوطني. هذا الواقع أدى إلى حالة من الارتباك التي لا تزال تطبع أداء وممارسة قوى المعارضة أمام الجماهير، التي ما زالت تنتظر البرنامج المؤهل لتحقيقها. ترتب على ضعف وعجز قوى المعارضة الفلسطينية جملة مفاعيل، منها، أنه اتاح للاحتلال بأن يواصل ضغطه واستنزافه للحقوق الفلسطينية بدون مجابهة شاملة ومنظمة، مما سهل الطريق أمام أوسلو. عجز المعارضة، أعطى لفريق السلطة فرصة إدارة الواقع الفلسطيني والتصرف بالمصير الوطني بدون قوى مجابهة موحدة، فبات يتصرف وكأنه الآمر الناهي في كل شيء تقريباً. أفضى عجز قوى المعارضة إلى اهتزاز ثقة الشارع الفلسطيني بقدرتها على توحيد صفوفها وأدائها، الذي اتسم عموماً بالتشتت والتنابذ والغموض وإطلاق الشعارات العامة، وهو الأمر الذي أثار حالة من عدم الثقة بمصداقيتها وكفاءتها. هذا التوصيف لواقع حال قوى المعارضة لا يلغي دورها كجزء من قوى الممانعة للاحتلال ولمشاريع التصفية، ولكنه دور أقل بكثير من المطلوب منها القيام به، ارتباطاً بحجم المشروع الوطني، وطبيعة المرحلة وما تتحدث به المعارضة عن بديل وطني ديمقراطي شامل. المعطى الثالث : التناقض الرئيس والتناقضات الثانوية: إن التناقض الرئيسي كان ولا يزال مع الاحتلال والشرائح المرتبطة به وتتم مواجهته بالمقاومة، وذلك بحكم طبيعة المرحلة باعتبارها مرحلة تحرر وطني وديمقراطي كون أهداف وحقوق الشعب الفلسطيني الأساسية لم تتحقق. وقد جاءت الأحداث بعد أوسلو لتؤكد على هذه الحقيقة التاريخية والموضوعية، برغم مفاعيل أوسلو، وحالة التشابك الحاصلة بين الاحتلال وسلطة الحكم الذاتي، والتي أضافت تعقيداً جديداً للصراع دون أن تغير طبيعته. يعني الإقرار بهذه الحقيقة، أن التناقض مع السلطة الفلسطينية، يبقى في إطار التناقض الثانوي الذي يتحرك صعوداً أو هبوطاً تبعاً لعلاقته وانعكاسه على التناقض الرئيسي. وتتم مواجهته بالنضال الديمقراطي بما يعنيه من نضال سياسي وجماهيري ومواجهة وفضح الفساد ورموزه بكل الوسائل المتاحة. عزز هذه الحقيقة، أن المشروع المعادي وفهمه لعملية السلام يطمح لأبعد بكثير مما قد يتصوره أو يحتمله حتى فريق أوسلو الفلسطيني، خاصة وأن عناوين مفاوضات الحل النهائي تشمل معظم ركائز القضية الفلسطينية الأساسية. يضاف لذلك تحول تطبيقات أوسلو إلى معطيات ملموسة ومؤثرة، حيث تشابك السياسة مع المسائل الاجتماعية بكل تنوعها، بما يشمل المؤسسات المدنية – الخدمات – التعليم – القانون ...الخ. لقد باتت السلطة تدير شؤون المجتمع، إضافة لتمتعها بثقل جماهيري ومؤسساتي ومالي وأمني، وما تحظى به من شرعية دولية وعربية، مما يجعل أي فعل سياسي أو اجتماعي في إطار المجتمع الفلسطيني في