حول المسألة اليهودية، وحلّها فلسطينياً

حجم الخط
قد يرى البعض أن موضوع المسألة اليهودية موضوع قديم أكل الدهر عليه وشرب، وآخر يرى أن تلك المسألة أصبحت "تحصيل حاصل" باعتبارها واقع يجب علينا التعايش معه، أو أن نَحُل تلك المسألة بالتساوي! لكن، في الحقيقة، هو موضوع قديم جديد متجدد. وعلى هامش هذا الموضوع لا أعلم لماذا تذكرت معلم التاريخ، الذي لم أُطيقه يوماً هو ومادته، ربما لأن جدّي - أبو جهاد - كان دائماً يقول لي: "هذا حكي فاضي يا سيدي.. سيبك من الكتاب واسمع مني اللي صار!". أما مادة الرياضيات التي لم أبرع فيها يوماً فلا أذكر منها سوى أنه لحل أي "مسألة" يجب علينا استخراج المعطيات، ومعرفة المطلوب - بالضبط -، واتباع قاعدة معينة للحل.. لذا، وبذكر المعطيات يتوجب علينا معرفة أهم معطيات "المسألة" اليهودية، كي نتوصل لحلها استناداً للقاعدة الفلسطينية. يرجع المؤرخون إلى تطور ما يسمى بالمسألة اليهودية كان مع بدء تطور المجتمعات الرأسمالية، ويُعزى ذلك للارتباط بالدور الاقتصادي الذي قام ويقوم به "اليهود"، ودورهم البارز في مجال التجارة بعيداً عن المجالات الأخرى وأهمها مجال الزراعة الذي كان سائداً آنذاك، ومع بداية تفكك النظام الإقطاعي واجهوا بعض المشاكل بظهور مجموعة من التجار المسيحيين - الذين يحرمون الربا -، مما مهد للتناقضات بينهم وبين المجتمعات المسيحية التي كانوا يعيشون فيها، وأدى ذلك بدوره إلى هروبهم للأماكن التي ما زال يسود فيها نظام الإقطاع وأهمها أوروبا الشرقية. في ذلك الوقت ظهرت الحركة الصهيونية، وهي حركة سياسية استعمارية ابنة الرأسمالية، التي اعتبرت نفسها منذ بداية ظهورها الحل "للمسألة اليهودية"، وبدأت عملية البحث في إمكانية تعايش "اليهود" في مجتمعاتهم التي يتناقضوا معها أصلاً. وبالحديث عن الصهيونية يقتضي الحديث عن بعض الشخصيات الصهيونية غير اليهودية، ومن أوائل تلك الشخصيات نابليون بونابرت 1806، الذي طرح قضية تجميع اليهود في فلسطين أثناء حملته العسكرية، وهو بذلك يُعد أول صهيوني غير يهودي. ولا ننسى بالطبع بريطانيا التي كانت تعمل جاهدة للربط بين المصلحة الدينية للكنيسة والمصلحة الاستراتيجية الاستعمارية لها، وهنا لا بد لنا من ذكر وزير الخارجية البريطاني بالمر ستون 1833، الذي أسس لنهج محاربة وتفكيك الوحدة العربية بالسياسة الإمبريالية، المتمثل بزرع حاجز بشري غريب في المنطقة العربية مختلف بالعادات واللغة والعرق، لمواجهة المشروع العربي الوحدوي الذي كان يطرحه محمد علي باشا وقتها، إذن فإن فكرة المسألة اليهودية، أو يهودية الدولة، هي مصلحة موضوعية جغرافية سياسية استراتيجية للإمبريالية. أما بدايات المشاريع "اليهودية" الاستيطانية في فلسطين فكانت لزعيم الجماعة اليهودية في انجلترا موشي مونتفيوري، الذي قدم مشروع نقل بضع عائلات يهودية لفلسطين، وقد تم تنفيذ ذلك المشروع الذي سمي باسمه "مشروع مونتفيوري" عام 1856. بعد ذلك بدأت عملية الهجرة الإحلالية، أي هجرة اليهود لفلسطين، وتهجير الفلسطينيين منها، والتي تجلّت في الهجرات الثلاث الكبرى (1882 / 1895 / 1905 - 1908)التي أتت بعشرات الآلاف من اليهود، ويجدر الذكر أنها كانت في عهد السلطان عبد الحميد. مع عملية الهجرة الإحلالية بدأت الحركة الصهيونية بتهويد العمل، وشراء الأراضي في فلسطين وإنشاء المستعمرات، حيث تم تأسيس 33 مستعمرة صهيونية في فلسطين في عهد السلطان عبد الحميد، كان آخرها تأسيس مستعمرة "تل أبيب" في السنة الأخيرة من عهده 1909. وهنا تقتضي الأمانة التاريخية بالرد على كل المزاودين على الشعب الفلسطيني أنه قام ببيع أراضيه، يقتضي الرد والقول أنه ولغاية 15 / 5 / 1948 أي عند إعلان قيام الكيان الصهيوني اللاشرعي لم تكن الحركة الصهيونية تملك أكثر من 5,06 من أراضي فلسطين، وذلك بالرغم من التسهيلات البريطانية حينها، وبيع الأراضي الميرية (الأميرية) التي كان يملكها إقطاعيين غير فلسطينيين (سوريين ولبنانيين) وغالبية تلك الأراضي كانت في منطقة مرج ابن عامر. وبالقفز إلى التشريعات التي سنّها الكنيست في السنوات القليلة الماضية لدعم سياسة يهودية الدولة نستذكر ثلاث محطات مفصلية، كان أولها بعد احتلال العراق في 16 / 7 / 2003 حيث تم سن قرارات للتأكيد على يهودية الدولة، يليها المصادقة على قرار نتنياهو في 10 / 10 / 2010 فيما يخص "قانون المواطنة" بحيث يتضمن أداء قسم الولاء لـ«الدولة اليهودية»، كشرط لاكتساب الجنسية "الإسرائيلية"، بعد ذلك أتى قرار سحب الجنسية من كل مَن يدعم ما أسموه بالإرهاب ويؤسس له في 28 / 3 / 2011. يتضح جلياً مما سبق أن "يهودية الدولة" هي ممارسة عملية تطبق عملياً على أرض الواقع، وأهم تلك الممارسات التوسع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني في الأراضي الفلسطينية. لذلك، منطقياً، فإن مواجهة شيء عملي بشيء نظري أمر غير منطقي، وان دلّت فإنها تدل على غياب برنامج عملي صلب للمواجهة، وعلينا أن نعي تماماً أن مواجهة الاحتلال الصهيوني لا تعني مواجهة احتلال عادي كأي احتلال آخر، فهنالك دول عدة محتلة، إنما هي مواجهة حركة احتلال صهيونية عالمية مندمجة بالإمبريالية التي تتماهى والصهيونية بالمصالح والاستراتيجيات. في هذه الحالة المطلوب منا صياغة رؤية وطنية من تربة الشعب ولغته، وفي تراثنا الكنعاني الكثير لنستقي منه. يجب علينا الدفع باتجاه تشكيل تيار شعبي فلسطيني يضم مختلف الأطياف، التي تؤمن بالحلول العملية النوعية لا النظرية الورقية منها، يقودها طليعة الشباب الثوري الفلسطيني. وهنا على قصار النفس التنحي. ويجب علينا أيضاً تنظيف الجسم الفلسطيني من أدوات الاحتلال السرطانية ممن لا يرون مشكلة في الاعتراف بما يسمى "يهودية الدولة" مقابل دولة فلسطينية مسخ على حدود 67. إن صراعنا مع العدو الصهيوني ودوره الوظيفي في المنطقة العربية هو صراع تناحري، والرد الوحيد على "يهودية الدولة" يكون بالاستناد والإصرار على مشروعنا وبرنامجنا الوطني الفلسطيني الأوحد وهو "فلسطين عربية من البحر إلى النهر"، أي التحرير الكامل، دولة فلسطينية عربية كاملة السيادة لا دولة ثنائية القومية. وهذا لا يتحقق إلا بمحاورة العدو بالسلاح، السلاح فقط ولا شيء غيره، إنها لغة الحوار الوحيدة التي يفهما عدونا، وغير ذلك من السياسات أو البرامج يُعدّ خيانة وطنية. "بالعربي" المواجهة أولاً وأخيراً.. قُم، انهض، واجه عدوك وانتزع حقوقك انتزاعاً.