بين قرار الدولة المراقبة وقرار 181

حجم الخط
لم يرغب كثيرون- وأنا واحد منهم- في تقديم نقدهم الأشد لمشروع قرار الدولة المراقبة رغم ما يحمله هذا المشروع من ثغرات خطيرة. وقد امتنعوا عن تقديم هذا النقد لعدة أمور: أولا: أن الناس كانوا يشعرون، بسبب جملة ظروف، بأن تصويت الجمعية العامة على القرار كان انتصارا ما. بالتالي، فقد أحسوا أنهم يحرزون نقطة ثانية بعد معركة صمود غزة. وقد كان من شأن تقديم نقد شديد لمشروع القرار أن يحبط الناس. بل لعله كان مثل تقديم العزاء في عرس. وهذا يعني أن السكوت كان يهدف إلى الحفاظ على معنويات الناس، بغض النظر عن الحقيقة الفعلية لمشروع القرار. ثانيا: عدم الإخلال بالتوازن النفسي- السياسي الوطني. فقد بدا وكأن معركة صمود غزة كانت خاصة بحماس أساسا. أي أن فتح وجمهورها، ومن هو قريب منها، لا علاقة له بالأمر. بالتالي، فقد كان هذا الجمهور بحاجة إلى انتصار ما يوازن معركة صمود غزة، ويتيح له الشعور بأنه جزء أصيل من المعركة والمواجهة. وتقديم نقد شديد لمشروع قرار الدولة المراقبة كان سيكسر هذا الشعور بالانتصار عند هذا الجمهور. ثالثا: وعدم الإخلال بالتوازن النفسي- السياسي الوطني كان أيضا مرتبطا بما يجري في المنطقة بكاملها من محاولة لتغليب التيارات السياسية الدينية على غيرها تحت اسم (الحكم الإسلامي المعتدل) الذي يعني حكم الإخوان المسلمين. وتقود قطر المحور الذي يدفع بالحكم الإسلامي المعتدل هذا نحو الهيمنة. ولم يكن في مصلحة القضية الفلسطينية أن تبدو حماس كما لو أنها المنتصرة المقاومة، بينما فتح خارج عملية المقاومة، الأمر الذي يزيد من إمكانية نجاح المحور القطري في مهمته. يعني: كان يجب الحفاظ على التوازن النفسي الوطني كي لا يكون أي نقد وسيلة لتمرير (الحكم الإسلامي المعتدل). من أجل كل هذا امتنع كثيرون عن تقديم النقد الشديد لمشروع قرار الدولة المستقلة. أما الآن وقد هدأت الأنفس، ولم نعد نتبارز في إظهار الانتصارات، فقد صار من اللازم تقديم النقد الذي سكت عنه. ويمكن اختصار هذا النقد بما يلي: أولا: أن القدس لم توضع في متن القرار. فقد تم الحديث عن دولة على حدود 1967 من دون ان يقال (بما فيها القدس). ولا يقولن لي أحد أن هذا نسيان غير مقصود. فطاقم التفاوض الذي لا ينتهي، كصائب عريقات، يعرف معنى عدم ذكر القدس في متن النص. فهو يفتح الباب للمساومات والتنازلات. ثانيا: أن مشروع القرار أسند نفسه إلى أشيء عديدة بما فيها قرار 242 وقرارات اللجنة الرباعية (لجنة طوني بلير). وهي قرارات تتعارض مع متن مشروع القرار. فقرار 242 يعتبر الضفة الغربية أرضا متنازعا عليها. ثالثا: وهذا هو الأهم والأخطر، أن قرار الدولة المراقبة يمكن أن يعتبر بديلا لقرار 181، أي قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة ذاتها. فحين تصدر الجمعية قرارا جديدا يتعارض مع قرارها السابق، أي قرار التقسيم، الذي يعطينا ما يقرب من نصف فلسطين التاريخية، فهذا يعني أن هذه الجمعية العامة (تلغي) في الواقع قرار التقسيم، حتى لو لم تعلن ذلك مباشرة. فهل إلغاء قرار 181، أو استبداله بقرار آخر بما يعني تجاوزه، هو انتصار لنا حقا؟ هل انتصرنا على قرار التقسيم، لكن من زاوية معاكسة؟ لم نقبل بقرار التقسيم وقتها لأنه كان مجحفا. أما الآن فنحن نلغيه ونأتي بقرار آخر يعطينا أقل بكثير مما يعطينا قرار التقسيم!! بالتالي، فما بدا كانتصار لنا قد يكون في الواقع هزيمة إذا ما تمعنا فيه وحللناه. فنحن، وبإرادتنا الخاصة، جعلنا الأمم الجمعية العامة تنقص حقوقتا عبر تصويت جديد