مفاوضات أنقرة مع أوجلان: أمل أم كمين؟

حجم الخط
تشهد تركيا منذ حوالي الأسبوع حراكا لافتا متصلا بالسعي لوضع حل للمشكلة الكردية فيها، المستمرة منذ عقود، والتي دخلت مرحلة الكفاح المسلح منذ العام 1984. وتحت عنوان الانفتاح الكردي، كانت حكومة «حزب العدالة والتنمية» قد أطلقت بعض المبادرات التي لم تحظ بالنجاح نظرا لأنها لم تلامس جوهر المطالب الكردية. وكان أساس المبادرات إهمال دور زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان المعتقل في جزيرة ايمرالي في بحر مرمرة منذ العام 1999. غير أن الحكومة قررت قبل ثلاثة أعوام أن تدخل في مفاوضات مباشرة وسرية مع الحزب عبر محادثات في عاصمة النروج أوسلو بين ممثل «الكردستاني» في أوروبا زبير ايدار ورئيس الاستخبارات التركية حاقان فيدان. وقد انهارت المحادثات في العام 2011 بعد فشلها في خلق ثقة بين الطرفين خصوصا بعدما اعتبرت الحكومة أن «الكردستاني» هو الذي أفشل المفاوضات بعدما عاد بعض مقاتليه بطريقة استعراضية إلى تركيا عبر بوابة الخابور، ما اعتبر تحديا للمشاعر القومية التركية. قبل أسبوع عادت إلى الواجهة هذه القضية بعدما كشف أن فيدان أجرى على مدى يومين مفاوضات مباشرة مع أوجلان في سجنه، واعتراف «حزب العدالة والتنمية» بأن أوجلان لا يزال الرقم الصعب في سبيل حل المشكلة الكردية. واعتبرت المفاوضات اعترافا رسميا من قبل الدولة بأوجلان ممثلا شرعيا شبه وحيد للأكراد، وإلا لكانت تفاوضت مع «حزب السلام والديموقراطية» الكردي الذي ينظر إليه على انه الجناح السياسي والبرلماني لـ«حزب العمال الكردستاني». أرادت الحكومة أن توفر فرصة لنجاح المبادرة الجديدة من خلال إشراك «السلام والديموقراطية» الكردي الممثل في البرلمان، بالمفاوضات. وبالفعل أرسل الحزب كلا من النائب المستقل احمد تورك، الصديق القديم لأوجلان، والنائبة آيلا آتا إلى زعيم «الكردستاني» فاجتمعا به مطولا للمرة الأولى على هذا المستوى. وقد خرج تورك متفائلا، قائلا ان المطلوب تعاون الجميع، والمسألة هذه المرة جدية أكثر من أي وقت مضى. المعلومات التي نشرتها الصحف التركية هي أن هناك تفاهما مبدئيا غير رسمي على أن تضمّن الحكومة في مشروع الدستور الذي سيتم إعداده الاعتراف بالهوية الكردية بطريقة ترضي الأكراد. وهو مطلب كردي أساسي. كما ستقدم الحكومة والبرلمان على إصدار تشريعات تقضي بالعفو العام لاحقا بما يتيح إطلاق سراح الآلاف من المعتقلين المؤيدين لـ«حزب العمال الكردستاني» من السجون التركية. كذلك ستعمل الحكومة على تعزيز صلاحيات المجالس المحلية في المناطق الكردية بما يتيح حكما كرديا مباشرا أكثر لمناطقهم، من دون الحديث عن حكم ذاتي. وفي سياق هذا يتم تخلي «الكردستاني» عن العنف ومغادرة مقاتليه البلاد إلى الخارج، إلى العراق وسوريا. أما مصير عبد الله أوجلان فهناك تباين حول توقيت انتقاله من السجن إلى الإقامة الجبرية، هل في هذه المرحلة أم بعد ذلك، وصولا إلى إطلاق سراحه النهائي لما يقتضيه ذلك مناخ التفاهمات فالاتفاقيات المستقبلية. لا يخفي قادة الأكراد بمن فيهم أوجلان شعورهم بأن حظوظ إمكان التوصل إلى اتفاق لحل المشكلة الكردية أكبر من الفرص السابقة. مع ذلك ورغم أجواء التفاؤل، فإن أكثر من عامل لا بد من أخذه في الاعتبار في سياق هذا الحراك: 1 ـ القيادة العسكرية لـ«حزب العمال الكردستاني» في جبال قنديل في شمال العراق، حيث المقر الرئيسي للحزب. ذلك أن أنقرة قد توصلت إلى قناعة بأن أوجلان لا يزال هو الرأس المدبر للحزب، ويأتمر بإمرته وليس العكس. لكن القيادي الأبرز في قنديل مراد قره يلان أكد بعد بدء المفاوضات بين الدولة واوجلان أن الحزب لن يتخلى عن السلاح. وقال انه إذا كانت الدولة جدية في هذه المرحلة فلتفتح الطريق أمام تغيير ظروف اعتقال أوجلان، إذ ان الدولة تقول «هاكم حوض سباحة، لكن ليس فيه ماء، ومن ثم تقول لنا اسبحوا فيه». «كيف يمكن السباحة في حوض لا ماء فيه؟». وقال قره يلان إن إجراء مفاوضات بين أوجلان واحمد تورك وآيلا آتا غير كاف، مضيفا ان «الدولة تريد منا الانسحاب خارج الحدود ونتساءل إلى أين؟ إلى شمال العراق؟ كل يوم الدولة تقصف المنطقة هناك. كيف لنـا أن نثق بهذه المبادرات؟ وما هي الضمانة؟». إن دور القيادة الكردية في جبال قنديل في العملية الجارية الآن غير واضح، ومن غير الممكن أن يقع أوجلان على طرفي نقيض مع القيادة العسكرية هناك الأكــثر قربا من الواقــع على الأرض من الزعيم الكردي المعــزول عن العالم. لذلك فإن موقف القــيادة في جبال قنديل أساسي في هذا المجال، وأوجلان يدرك جــيدا ان اي اتفاق بمعزل عن قنديل او يتعارض مع نظــرة القيادة فيها غير ممكن ترجـمته على الأرض. لذلك اذا وصلت أنقرة إلى مرحلة لا بد من التــفاوض ايضا مع القيادة العســكرية، فهل ستستمر في مبادرتها؟. 2 ـ إن إظهار مناخ من الثقة بين الطرفين مهم جدا، لأن استمرار العمليات العسكرية التركية ضد الأكراد جنوب شرق تركيا وفي شمال العراق، كما استمرار الاعتقالات في صفوف المؤيدين للقضية الكردية، لا يشجعان الأكراد على الاستمرار في المفاوضات. وفي المقابل، فإن طبيعة الحركة الكردية المسلحة في هذه المرحلة مؤشر آخر، حيث قام الأكراد، بعد بدء المفاوضات أمس الأول، بعملية عسكرية في حقاري حيث قتل جندي تركي و20 مقاتلا كرديا. لذا ليس من المتوقع أن تتوقف العمليات العسكرية من الطرفين خلال مرحلة المفاوضات، وما قد تعكسه سلبا على مسار المفاوضات. 3 ـ إن نجاح أو فشل هذه المفاوضات مرتبط بأكثر من عامل ومنها جدية رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان الذي كان يصف نواب «حزب السلام والديموقراطية» إلى أيام قليلة فقط بأنهم حفنة من العملاء لـ«المنظمة الإرهابية» أي «الكردستاني». فما الذي تبدّل حتى يخرج اردوغان بوجه مغاير الآن على المشكلة الكردية؟ لذا فإن الشكوك بحقيقة المبادرة الجديدة للحكومة في محلها. ويرى آخرون هنا أن اردوغان يسعى لحل معقول للمسألة الكردية كي يضمن إجماعا وطنيا على شخصه حين ترشحه لرئاسة الجمهورية في العام 2015، لكن في حال فشلت المفاوضات فإن اردوغان يراهن على شق الصف الكردي وتحميل الأكراد فشل المفاوضات لاحقا كي يستعيد زمام المبادرة في الوسط الكردي، واستعادة الأصوات التي خسرها هناك في الانتخابات البلدية والنيابية الأخيرتين. 4 ـ يرى البعض أن تركيا تريد أن تمرر هذه المرحلة من الأزمة السورية بأقل قدر من الأضرار والانعكاسات عليها، عبر تخدير «الكردستاني» بمبادرة وهمية هدفها تقطيع الوقت ووقف عمليات الحزب إلى أن تنتهي الأزمة السورية، وهو احد أهداف تعاون اردوغان مع «رئيس» إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني. 5 ـ ولا تستبعد وجهة نظر أخرى أن تكون المفاوضات جزءا من كمين تنصبه الولايات المتحدة لتصفية «حزب العمال الكردستاني» بهدوء وبصورة سلمية، بعدما «نسّق» مع سوريا وإيران في الأشهر الأخيرة على أكثر من صعيد، وهو ما يربك الدور الذي تريده واشنطن لتركيا في المنطقة في المستقبل. وهذا بالطبع يفتح على البعد الإقليمي والدولي للمسألة الكردية في تركيا، والتي تجعل من حلها في هذه الظروف والمرحلة من الصراعات والاستقطابات الإقليمية والدولية عملية معقدة للغاية. *نقلاً عن "السفير" اللبنانية