مطر، هدم بيوت، واعتقالات؟

حجم الخط
الناس تستبشر خيراً مع هطول الأمطار،فالأمطار هي رمز للخير والعطاء والمحبة،وهي كذلك مهمة للبشر والحيوان والشجر،وعليها تتوقف حياة الناس على هذه الأرض،كما انها السبب المباشر في الكثير من الأحيان،لحدوث النزاعات والحروب بين البشر والدول،وفي حالتنا الفلسطينية حكومة الاحتلال تطبق إحكام السيطرة على معظم مواردنا المائية،التي يتم سرقتها علناً وجهراً من خلال السيطرة على احواض المياه الجوفية،ومنع أبناء شعبنا من حفر أبار ارتوازية من اجل الشرب والري وسقاية الحيوانات،وهناك عشرات الآبار الارتوازية التي هدمتها "بلدوزرات" وجرافات الاحتلال،ورغم كل غزارة ووفرة المياه في فلسطين،إلا أن أبناء شعبنا كل سنة يواجهون صيفاً عطشاً تقطع فيه عنهم المياه لفترات طويلة،وهناك العديد من المناطق في الضفة الغربية،لا تصلها المياه أكثر من مرة في الشهر،في الوقت الذي يستمتع فيه المستوطنين بمياة وفيرة لا تنقطع عنهم لا صيفاً ولا شتاءاً،والاحتلال لم يسرق فقط المياه الفلسطينية،بل سرق وحاول السيطرة على مصادر المياه الأردنية والسورية واللبنانية،وهو يستحوذ الآن على معظم مياه نهر الأردن التي قام بتحويلها لخدمة مستوطناته ومزروعاته،وحاول أن يستحوذ على مياه نهر الليطاني اللبنانية،ولكن شرف منعه من ذلك ليس للحكومة اللبنانية أو قوى14 أذار،بل حزب الله والمقاومة اللبنانية هي صاحبة الشرف هذا،وحتى مصر المرتبطة مع الاحتلال بمعاهدة ما يسمى "بالسلام"،اتفاقية "كامب ديفيد" لم تسلم من ذلك،فالاحتلال حاول من خلال وجوده وعلاقاته مع دول القرن الأفريقي(أثيوبيا ودولة جنوب السودان المخترعة وأرتيريا) والتي تنبع من أراضيها أو تمر عبرها مياه نهر النيل الشريان الرئيسي للحياة في مصر،أن يتحكم في كمية المياه التي يجب أن تضخ لمصر،عبر تحويل بعض روافد هذا النهر أو إقامة سدود إستراتيجية عليها تستحوذ على الكمية الأكبر من مياه نهر النيل،فهذه دولة عنصرية من المستحيل أن تندمج في واقعنا العربي،فهي تربت على السيطرة والعدوان ووجدت من أجل أن تمنع أي حالة استقرار أو توحد في المنطقة العربية،ووجودها متناقض مع المشروع القومي العربي أهدافا ومصالحاً وطموحات،وخلقت ووجدت من أجل قمع الشعوب العربية وحركتها التحررية. ورغم شدة البرودة والأمطار الغزيرة التي عمت فلسطين هذا الأسبوع،فإن الاحتلال المتجرد من كل معاني وقيم الإنسانية،الاحتلال المسكون بحب السيطرة،المسكون بالكره والحقد على كل ما هو فلسطيني،يأبى إلا أن يمارس ساديته وتلذذه بعذابات شعبنا وأهلنا،حيث أقدمت جرافاته وبلدوزراته على هدم أكثر من منزل في القدس،تاركة أصحابها يبيتون في العراء في ظل طقس عاصف وماطر ومثلج وشديد البرودة،تحت حجج وذريعة البناء غير المرخص،ولكم أن تتصوروا رضع وأطفال وشيوخ ونساء يلتحفون السماء،ويبيتون في العراء وتحت الثلج والمطر في مثل هذا الطقس؟؟؟،أي احتلال هذا وأية حقوق إنسان يتشدق بها الغرب المجرم والأمريكان؟؟،الراعيين لهذا الاحتلال والداعمين لكل إرهابه وممارساته القمعية والإذلالية وجرائمه بحق شعبنا الفلسطيني،فهم يوفرون له المظلة والحماية والدعم في كل المجالات والميادين،بجعله دولة فوق القانون الدولي،من خلال منع أية قرارات أو عقوبات قد تتخذ بحقه أو تفرض عليه وعلى قادته،جراء ما يرتكبه ويمارسه من إرهاب وجرائم بحق شعبنا الفلسطيني. والثلوج والأمطار الغزيرة لم تمنع الاحتلال من مواصلة مسلسله اليومي في شن حملة اعتقالات واسعة بحق أبناء شعبنا،تحت حجج وذرائع انتمائهم للمقاومة ورفضهم للاحتلال وسياساته ووجوده،وتلك الاعتقالات تصاحبها حملة من الترهيب والترويع لأهالي المعتقلين،حيث يجري اقتحام بيوتهم مع ساعات الفجر الأولى بقوات كبيرة مدججة بالسلاح في أغلب الأحيان،وتصاحبها كلاب بوليسية واستخدام للعنف مع المعتقلين وأهاليهم وتدمير ممتلكاتهم،انه أسوء أشكال الإرهاب المنظم،فهذا الاحتلال الذي يعتقل ويروع الأطفال الفلسطينيين ليس بالغريب عليه مثل هذه الممارسات،والأسرى المضربين عن الطعام لمدد قاربت الستة شهور للبعض منهم،حيث جرى الاعتقال على الأسير سامر العيساوي في المحكمة وأمام قضاة الاحتلال وكل وسائل الأعلام،ولم نسمع من المتشدقين بقيم الحرية والإنسانية والديمقراطية،أي إدانة لهذه الممارسة والسلوك الهمجي. هذا المطر يذكرني بالرفيق مطر أبو العطايا الذي أستشهد في ليلة ماطرة أثناء العدوان الأخير على شعبنا في قطاع غزة،ولم تكن أمه تعلم أو تعرف باستشهاده لأنها كانت في حالة ولادة بالمشفى،وليستشهد مطر ويولد في نفس الليلة مطر جديد،يحمل الراية ويجدد العهد،تلك هي حال الشعوب المقاومة والمكافحة،عليها الإستمرار في النضال والكفاح والمقاومة حتى يبزغ فجر حريتها،كمثل كل شعوب العالم. مهما اشتدت العواصف والأمطار والثلوج،ورغم كل الخسائر الناتجة عنها،بسبب ضعف بنيتنا التحتية والتي جزء منها مسؤول عنه الاحتلال،وجزء آخر مسؤولين نحن عنه،حيث لم نعمل بشكل جدي على خلق بنية تحتية قادرة على مواجهة مثل هذه الكوارث الناتجة عن العواصف والثلوج والأمطار،حيث ثبت أن تلك البنية والإستعدادات والإمكانيات والتجهيزات لم تكن بالمستوى المطلوب،وهذا يضع الكثير من علامات الاستفهام حول صدقية وصحة الحديث عن دولة المؤسسات تحت الاحتلال. رغم كل ذلك فنحن مستبشرون خيراً بالمطر،ولعل هذا المطر يطهر القلوب ويخرج منها الضغينة والحقد،ويجعلنا أقرب الى تحقيق مصالحة طال انتظارها،وإنهاء انقسام أنهك وأعيا الجسد الفلسطيني،فتحقيق أهدافنا في الحرية والاستقلال وإنهاء الاحتلال،لن تتحقق دون أن نتوحد،ودون ان نعيد اللحمة لجناحي الوطن،ولتنهمر الأمطار غزيرة ولتلبس الأرض حلتها البيضاء،فلقد غابت عنها تلك الأمطار الغزيرة والثلوج لسنوات طويلة،،فهي أمطار خير ومحبة.