البحث عن بطل

حجم الخط
في رواية "رجال في الشمس- 1963"، لم يكن لدى غسان كنفاني بطل. كانت لديه فكرة البطولة. البطل كان غير متوفر بعد. لذا فقد كان ملزما أن يطلق صرخته: "لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟" على لسان أبي الخيزران، الذي لم يكن بطلا. كان بطل الرواية لكنه لم يكن بطل غسان. وقد أطلقها على لسان أبي الخيزران لأنه لم يكن لديه بطل كي يضعها على لسانه. فالكل في الصحراء الحارقة كانوا أمواتا. الكل كانوا نياما أيضا. في رواية "ما تبقى لكم- 1966" عثر كنفاني على بطله، أو في الحقيقة خلقه. ثم قاده إلى الصحراء وأرغمه على أن يلتقي بعدوه. أي على أن يتصرف عكس الذين كانوا في الخزان. وهناك اكتشف هذا البطل أنه قادر على المواجهة والمقاومة، أنه ند ونظير ومثيل. يعني: تحول إلى بطل. في (رجال في الشمس) لم يكن هناك من أبطال. كان هناك ضحايا فقط. البطل ولد في (ما تبقى لكم)، والتمعت صرخته على حد السكين. لم يكن هذا البطل من صنع الواقع. كان من صنع غسان. كانت إرادته توجد أبطالا لا وجود لهم على الأرض بعد. الأبطال الواقعيون أتوا لاحقا. ظهروا بعد كتابة الرواية. وقد عرفهم غسان وعاش بينهم في نهاية الستينات وبداية السبعينات. لكن لم يكن لديه الوقت الكافي كي يحولهم إلى أبطال روايات. فقد نسفه الإسرائيليون. نسفوه لأنه كان على علاقة بالعمليات في الأرض المحتلة كما ألمحوا. لكن الحقيقة الأعمق أنه قتل لأنه اخترع فكرة البطل المقاوم في رواية (ما تبقى لكم). قتل غسان، غير أن البطل الذين صنعه ظل حيا.