عرفات جرادات .. عذرا لأنني مرتبك

حجم الخط
عرفات عذرا لأنني مرتبك ، ففي ستة أيام خلقت الصمود ثم استويت على عرش البطولة والفداء تغشي الليل بالنهار وتمضي إلى صباح فلسطيني مليء بحكايات وروايات التحدي والعنفوان ، خضت المعركة من غير كاميرا وصورة توثق للمشاهد واللحظات التي توثق للحرية ونخب الحياة التي مشيت للموت من اجلها . عرفات ، احد عشر كوكبا والشمس والقمر لك ساجدين ، ورصاص كتائب الشهداء نزل ليرفعك لجوار شادي ورمزي وهنادي وغالب وسعد والأنبياء والخلفاء ، حريق يشب في نفسي وتفيض عيني بالدموع فتحرق شمس الخضوع والانكسار وتمضي ، ونحتضن نحن رماد سجن مجدو وأنت تودع أسير مشبوح ومربوط على كرسي الشبح التعذيب ، وآخر جريح ومريض في الظلام المحترق ، من ارض فيها شمس الحب تعانق شمس الحرية ولحنها الأزلي الأول . اغتيال عرفات في سجن مجدو الاحتلالي يمتد ويعلو ، البروتوكولات والقانون الدولي والإنساني يقدم للجلاد سياطا وأسلحة في زمن سرمدي واهن وهزيل ، وكأننا ننتظر من العالم وهيئاته ومؤسساته وهلاله وصليبه أن يكتبوا ويوثقوا عن ابتسامة عرفات الواضحة كتاريخ قضيته ، نور باهت وحزن صامت وضباب يملأ المكان فتنصرنا وتقشر الصخور في حارتك الجميلة التي تحولت إلى ضاحية فلسطين الجنوبية وساحة السبع بحرات وميدان التحرير وأكثر ، ومن خلفك فاضت الجموع في الصمت ومضينا معك نحو وداعك الأخير نزرع ونسقي روحك بالحياة ، ولا زلت تستحق الحياة . بكتك فلسطين كلها حين ودعناك وسلمناك وتلونا الصلوات والآيات على قيامتك الجديدة ، صرت لنا الوطن والبرتقال والقيد والخيمة ولقمة الخبز ، اشتبكنا باسمك مع كل اللغات وعلوم البلاغة والفصاحة لنفتش فيها عن معناك ، نسمي شوارعنا وأنفسنا وزيتوننا باسمك ، نغتسل بطهر كعبك الممتد على نعشك المزركش بزغاريد أمك التي ولدت لهذا اليوم ، ولا ندري انك تحت جلودنا تصرخ فينا ، وتطفئ المواكب والمجرات وتمضي إلى فلسطين . عرفات استشهد لنقوم من الانقسام ونلملم أشلاء فلسطين ، استشهد كي لا تفترس سجانة مدججة بالفاشية وتفتخر بعنصريتها وتواصل مشوار تجويع وإذلال أخوة ورفاق الوطن والقضية ، استشهد عرفات لينقذ ضياع الرؤيا وانحراف البوصلة والصدى . خرجنا من كل فج عميق نركض خلف موكبك الملكي وزفافك المقدس ، وذهب هو ليصلى بالأنبياء والشهداء في القدس ، لينطلق بعدها في رحلة المعراج ، يصعد وروحه تبطل تقدمهم التكنولوجي بالقتل والدمار فما قتلوه وما صلبوه وما اغتالوه ولكن شبه لهم . صيرورة عرفات التي قاومت جنرالات أركان الاحتلال ، وحدها الكفيلة بالخلاص من رطوبة الجدران وصدأ القضبان والإبحار فينا نحو الماضي والحاضر والمستقبل حين ينصرفوا عن أحلام وأمنيات والعاب أطفال عرفات . ساري جرادات . كاتب صحفي . sarijaradat@hotmail.com