صادف اليوم الجمعة الموافق 26/4 الذكرى الحادية عشر لاستشهاد الرفيق الثائر، والأسير، والمطارد، القائد في كتائب الشهيد أبو علي مصطفى الشهيد رائد نزال، والذي استشهد بتاريخ 26|4|2002 بعد معركة بطولية مع قوات الاحتلال الصهيوني في منطقة قلقيلية..
تستوقفنا الذكريات والذاكرة لنحدثكم عنه في سطور قليليه ، فما اصعب الحديث عن عظمة الشهداء فمن اين نبدأ وعن ماذا سنحدثكم؟؟؟
هل نحدثكم عن طفولته الجميله كيف ساقوها إلى مسلخ الأوشفت كيف سوروا حدائقها البهية بألف جدار وألف باب وألف كلب حراسة؟؟؟
كيف كبلوا سواعده الرقيقة بالحديد وساقوه من ملاعبه الجميلة في حارات قلقيلية وبيادرها وبياراتها إلى عتمة الليل وبرودة الأقبية؟ كيف سرقوا من فمه حبة الجوافا ليعطوه كسرة من خبز الفينو وصحن شوربة فقير.
أنحدثكم طويلاً طويلاً عن فظاظتهم ودموية عقولهم وقلوبهم حين حاولوا ان يغتالوا قلبه الصغير فيزرعوا فيه غابة من رعب وخوف كان ذلك حين اعتقلوه وهو في الثالثة عشرة من عمره حين اكتشفوا عشقه للحجارة يمتشقها ليواجه آلتهم العسكرية المدججة بكل وسائل الموت واحتجزوه خمسة وعشرين يوماً في عتمة الموت البطئ فازداد حبه للنور والضياء وصار منذ ذاك يبحث عن الشمس وعن مطلعها القادم
أخذوا طفولته البريئة، كي يقتلوا فيه البهاء، حرقوها صلبوها حاولوا اغتيالها بركلات بساطيرهم لكنهم ولأن حقدهم اعمى لم يدركوا انهم قد فجروا في قلبه الصغير مليون أغنية جميلة، مليون بستنان من بساتين الجليل، ألف سور مثل سور عكا يزخر بالشجاعة والصلابة والثبات..، لم يعرفوا انهم انبتوا في قلبه الصغير في حجرة الحب الجميلة مليون طفل يلعبون يحلمون يرقصون رقصة الريح الشمالية، ومثل أطفال المخيم يأملون ان يكبروا كي تصير لهم بندقية...
كان ذلك عندما اعتقلوه للمرة الثانية وهو في الرابعة من عمره ليصلبوه هناك في عتمة الليل ثلاثة عشر شهراً، تعلم هناك تاريخ كنعان وفن الأبجدية تعرف الى القسام والى الحكيم وابو عمار وابو جهاد، عرف كنفاني وهو يعدو الى حيفا، عرف الخواجا وهو يكتب صرخة التحدي في اقبية الموت فيزرع باشقةً للصمود ويسقط جسدا في رياض الثلاثين الحافظين اسرار الرفاق، عرف جيفارين، واحد في كوبا التحدي ينشد للمظلومين اغنية التحرر وواحد في غزة هاشم يزرع الموت للمحتل عن فضاء بلادنا لم يمهلوه طويلا بعد التحرر، لم يمهلوا طفولته البهية كي تستعيد ربيعها المسلوب ولم يمهلوه لكي يعب من الشمس ضياءً كثيرة، فاعتقلوه مرة اخرى وهو في الخامسة عشرة من عمره ليحكموا عليه بالسجن خمسة أعوام لم يعد منها الاّ محرراً بعد اربعة عشر عام من الاسر فلم تنتهي الخمس سنوات حتى حكم عليه بالسجن المؤبد...ووو
شب هناك أبو الأسير ارادوها له غيابة جب وغيهباً من ظلام، ولكنه ورفاق اسره وجيش الأحرار البواسل من طلائع شعبنا الفلسطيني أولئك الذين تحدوا عتمة الليل حولوا قلاع الظلام الى خنادق للضياء، فأضاء القلاع واشعلوا من نيران قلوبهم الف منارة تعكس ارثهم وارث شعبهم الحضاري والثقافي والنضالي وجدراته في الحياة، صارت معاقل الموت مدارس للعطاء والتوعية وشحذهم المتواصل والفداء والاستمرار لمسيرة الشهداء ومسيرة القسام وعبد القادر الحسني وعرفات وحبش وكنفاني مسيرة الحلم الفلسطيني بالخلاص والتحرر وبناء دولتنا العتيدة وعودتنا له، ألف حساب، لا يخافون جسده العملاق وصلابة ساعديه الكفليلة بدل عنق أحدهم في ضربة قاضية عاجلة فحسب بل وكانوا يحسبوا الحساب لصلابة ارادته وعناده وجرأته وشراسة نظراته حين يغضب من عدو، كانوا يخافوا من كلمته فإن قالها فعل وإن توعد نفذ.
لقد اختبروا شدة بأسه في معارك كثيرة، حين حاولوا ان يفرضوا على الأسرى التفتيش العاري، حين كانوا يداهمون زنزاناتهم فوقهم يبحثون عن أوراق تنظيمه (كبسولات) او أشعر مكتوبة أو صوراً للشهداء، ذات مرة داهم السجانون زنزانته رائد وساقوا زملاءه للتفتيش في الممر، كان رائد يحمل حفنة من الكبسولات هي اوراق تنظيمية ملفوفة مكتوبة بخطوط مصغرة(مسمسه)، كان الإرتباك سيد الموقف لدى الأسير العادي الذي يداهم فجأة قبل أن يتمكن من اخفائها، لكن رائد اخرج الرزق من جيبه وراح يلعب بها فيلقيها في السماء ثم يلقفها وهو يضحك، قال لهم كبير ضباطهم ما هذا؟ قال له رائد بكل بساطه هذه كبسولات تنظيمية امنية "جرب تمد ايدك عليها، تع خدها" قالها بسخرية وتحدي..وقبل ان يستفيق الضابط من هول صدمته ويستدعي طاقم سجانيه ليهجموا على رائد كان رائد قد القاها في احدى الغرف المغلقة حيث زملاؤه هناك يسارعون في ابتلاعها .
لقد كانت مهة حماية الأوراق التنظيمية والكبسولات مهمة نضالية شاقة كان المبدأ المتعارف عليه أن يموت الاسير قبل ان يسلمهم ورقة أو كبسولة...كان حماية الكبسولات احد مزايا البطولة وسجاياها.
لا لشيء سوى أن هذه الأوراق كانت تعبيراً عن صلابة الركيزة التنظيمية والنضالية تلك الركيزه الأهم في حياة الحركة الأسيرة وفصائلها.
عنيداً كان رائد في مواجهة اعدائه، وعنيداً كان في سباقة وتنافسه لكي يحتل موقع القيادة والقرار، لأنه كان دوماً يملك الإرادة لذلك ويملك الإحساس بالواجب وبالدور الذي يجب أن يناط بالقائد المقدام... كان قائداً فذاً لجيش من الرفاق يعمل ليل نهار، يشرب ماء المخلل كي يستطيع السهر لكي يكتب تعميماً او بياناً أو توجيهاً أو نشرة أو تقرير أو ندوة أو تحضيرا لجلسة تقافية أو تحليلاً سياسياً، أو اعداداً لمجلة ثقافية، أو مراجعة لتقرير أمني أو تشفير المعلومات وكبسلتها أو مراسلة منظمات الأسر الأخرى في السجون الأخرى لكي يظل نسيج التواصل والتنسيق ولإدارة جيش أسير ممتد على عشرات القلاع وعشرات الأقسام ومئات الفرق يعمل مثل النحلة، ولا ينسى نفسه وجسده وروحه، فينظم وقتاً للرياضة ووقتاً للدراسة ووقتاً آخر للكتابة واوقاتاً كثيرة للتخفيف عن رفاقه ومداعبتهم وخلق اجواء المرح كي يشعرهم أنهم أحياءاً اقوياء.. ولا ينسى أوقاتاً كثيرة يقضيها جانب الشيخ الجليل أبو رفعت له المجد والخلود يسهر على راحته ويدأب على تغسيله في مراسيم من الفرح الطفولي، ويدأب على شحن ذاكرته التي كانت تتهاوى تحت سندان الزهايمر ...كان حبيب أبو رفعت وقلبه الثاني وساعده.
كان يعشق رفاقه الأسرى وتخليداً لوفائه لهم سمى بكره وولده الوحيد الحبيب سماه أسير اعتزازاً بالأسير وتمجيداً وسمواً.
ورفعة بهذا اللقب الجميل الحبيب ولأن الأسير هو توأم الحر فالأسر في وعي رائد هو الحرية ودرجة سامية منها هي عشق الشمس...
حين تحرر رائد عام 1999 كان ينتقل من خندق للصمود والمقاومة شهده مع زملائه قادة وكوادر وعموم الأسرى الى خندق جديد للمقاومة والتواصل والعطاء... وجه للعدو في انتفاضة الأقصى ضربات مؤلمة مميتة... زرع في شوارع حقدهم العنصري معاني الرعب والخوف وكشف لهم عورات هذا الكيان الطاغي وهشاشة وجوده واستحالة بقائه واستحالة أن ينعم بالأمن والحضور جيلاً بعد جيل إلى ان يزول من سمائنا من فضائنا ومن أرضنا... قاتل رائد وقاد قلة من الرفاق والشهداء الذين قاموا بأروع وأزهى العمليات البطولية... حتى نال منه العدو الغاصب فاغتاله في معركة بطولية هي بحد ذاتها حكاية فداء اسطورية حين أمر رائد رفاقه بالانسحاب وراح يدافع عن انسحابهم بجسده وطلقاته التي لم تسكت حتى سقط شهيداً...
رحل رائد لكنه ظل حياً في خنادق الأسر في قلوب الرفاق في ارادتهم في قبضاتهم وهم يواجهون سطوة السجان ويفدون الخطى على درب رائد.. سقط رائد في نيسان الذي احبه لأنه رمز الخصب والعطاء والربيع فكان دمه الأرجواني روضة أخرى تعطي للحنون ولشقائق النعمان ألوانها الحمراء الزاهية وللرايات في سماء بلادنا لونها القاني... رحل رائد لكي يظل مع الخالدين...
لا تبكِ يـا نسر الفضاء رجالا = مـنْ عـزمهم قد شيَّدوا تمثالا
وقف الفداءُ من الذؤابةِ صاغراً = يا ابن الفداءِ لقد صنعت محالا
يا رائدٌ وردَ البطولة في الصبا = فَـتَسـلَّقَ العلياء والأهـوالا
كالليث طل على الغزاة بصدرهِ = فَـفَـدا بِـوِقْـفَةِ عزةٍ أبطالا
لما رأى الأعـداء زاد تبسماً = وكـأنـه في نـزهةٍ إذ قـالا:
عـودوا رفاقي للعَرين فإنني = أتَحَمَّـلُ الأعـبـاء والأثقالا
رفضَ الرفاق قرارَه وتمنَّعوا = لَكـنَّـه أبـداً أَصَـرَّ فقالا
هـذا قـرار الحسم هيا نفِّذوا = فَـتلبـَّبوا كي لا يصيرَ جدالا
جمعَ الرجولة والبطولة وحده = في روعة الإصرار حيث أمالا
عـرف الفداءُ أبـا أسيرٍ يافعاً = مُـذ كان في سجن الغزاة عِقالا
عـرف الفداءَ أبو أسيرٍ رايةً = في جبهةٍ قـد ورَّثت أجيالا
أشبالها كضبارمٍ يـوم الوغى = والـقـدس تشهدُ عِزَّةً وجلالا
يـا جبهة قـومـيَّـة تاريخها = بالثأرِ غـذَّت منهجاً ومَجالا
فَحَكيمُها صنع الرِّجالَ فوارساً = وأبـو عليٍّ سطَّر الأمـثـالا
بكتائبٍ تـدمي الغزاة جوارح = وبنسرهـا قـد سطَّرت أعمالا
"شارون" يشهـد للكتائب أنـها = قـد جرَّعته الكأس لمَّا اغتالا
صرعوا "زئيفي" واستباحوا دمَّهُ = والدهـرُ يروي للأنام نضالا
قالـوا:السياسة أن يُحاكم نسرُنا؟ = قلتُ السياسة في القتال قتالا
أبنهج ثـورتنا حمايـة غاصبٍ = لن يـأمن الغازي وإن يحتالا
لن يأمـنَ الغازي وإن كانت له = دولٌ وحـكامٌ غـدوا عـمَّالا
عمـال تعمل بـالخيانة جهرةً = قـد طأطأت هاماتَها إذلالا
فـالفهدُ فـأرٌ والغـزاة تدوسه = ووريثُ نـاصرَ قد بدا حجالا
ومليكُ عـمـانٍ سليل ذبـابةٍ = قـد أرذلـت في لقحها الأبوالا
فـاستولَـدت عبداً لبوشَ فجدهِ = عبدٌ وكـلٌ شـابه الدَّجـالا
يـا أمـةَ الأعراب هيا واقذفي = بالخائنين ومـن لهم قـد والى
وتـوحَّـدي وتكملي وتجمَّلي = بالسيف ردي تصنعين محـالا
نمْ وادعـاً يـا رائدٌ في روضةٍ = بالثأر سوف نحدثُ الأجيالا
نمْ وادعـاً فالدرب دربك وحده = وإلى السلامِ نقطع الأوصالا
شعر: خالد حجار