الخواجا و الدبور / قصة قصيرة / بقلم خالد بركات .
في القصر الكبير يجلسُ " خواجا " غريبُ الطبْاعِ ، مُتقلب المِزاج ، يحاول أن يكتب ويدوّن شيئاً ما في كتاب التاريخ . كان يتصور ، لسبب لا يعرفه أحدٌ غيره ، أنه يعيش هُنا في وسط غابة كبيرة وبين مخلوقات مُعادية تحيطه من كل الجهات. كل شئ هنا ضده ولا يحبه ولا يريده ، هكذا أقنع نفسه ، مذ جاء إلى هذه الغابة، ربما بسبب ما يدور حوله من أشياء غريبة تستهدفه شخصياً. فإذا لم يسكن في قصره ، وهنا ، فأين بوسعه أن يذهب ؟ وكانت ليلة باردة وعاصفة، حتى الخدم والعبيد ذهبوا إلى النوم مبكراً وتركوه في غرفته الكبيرة الواسعة امام كتاب التاريخ.
وفجأة ، دخل سرب من الناموس ، تَسلل من نافذة الشُرفةِ الى غرفته الدافئة ، ثم إلى طاولته . وهبطت " ناموسة " صغيرة فوق أذنه تمامًا . وصرخت : ززززز....ويززززز..
تعكر مزاج الخواجا أكثر . نهض من مكانه وحاول ان يتصرف و" يكش " المخلوقات الصغيرة ، يطردها ، يلعنها ، وحين هاجمه السرب ، دفعة واحدة ، بدا مثل انسانا فقد عقله وصار يصفع وجهه و يرقص في وقت واحد ، ولكن عبثا ، فلا يترك الناموس مواقعه الا ليعود اليها وظل هذا هو الحال حتى طلع الفجر .
ولم يعرف النوم طريقه الى الخواجا هذه الليلة .
فكّر الخواجا ان ينادي على العبيد والخدم في ساعات الصباح الاولى، ويعاقبهم جميعا ، لانهم لم يحكموا اغلاق النافذة، ولسبب ما اكتفى هذه المرة بأن هدد وتوعد ، وقرر إغلاق النافذة بالاسمنت والحديد . في اليوم التالي ، لم يغلق النافذة وحسب ، بل أمر ببناء جدار عال حول القصر ، تعلوه اسلاك شائكة ، وعشرة كاميرات ضخمة ، تسجل و ترصُد حِراك النمل في المنطقة ، وكل شجرة في الحديقة ، وكل صخرة واي شئ يتحرك على جانبي السور ، كاميرات سوف تؤرخ حركة المكان في كل اتجاه..
وجَلسَ ليقرأ في كتاب " الاسطورة الحديثة " الا ان دبورًا مُعاديًا مرّ أمام عينيه وزَنّ وهو يخترق الهواء بسرعة طلقة نارية . دار الدبور في فضاء القصر ، حلّق اكثر من مرة ، ثم استقر فوق قنديلا قديما كان يَشعُ منه خيط من الضوء الاصفر الناعس .
ونام.
هذه فرصتي ، قال الخواجا..
ومثل حرامي مُحترف تقدم نحو الدبور ، يُمسك مُسدسه في يدٍ ، وفي الاخرى كتاب الاسطورة الحديثة ، وتقدم خطوة ، ثم خطوة اخرى ، وحين صار " الهدف " في متناوله تماما ، هوى عليه بكل قوته وقتله بضربة واحدة مُحكمة وسريعة وحاسمة.
قتلتك. قتلتك .
تذكر انه لم يشعر بالفرح منذ فترة طويلة . كان سعيدا بصيده وهو يدوس على جثته في حقد كأن ثارا قديما ودفينا بينه وبين هذا المخلوق الصغير.
وعاد الى طاولته ليقرأ ، ويدون في كتاب التاريخ . ثم تذكر ان يمسح بقايا الدبور التي علقت على غلاف الكتاب حين قتله . مرّت دقيقة واحدة ، ربما دقيقتان ، ثم تخيل انه سمع صوته مرة اخرى ، يزّنُ هناك في الزاوية . نهض ليتأكد بنفسه . وجده مقتولا حيث تركه ، في مكانه تماما ، لا يتحرك . لكن من اين ياتي هذا الصوت؟ هذا الصوت : ززززززننننزززننن ، من اين يأتي ؟ وكاد الخواجا ان يُصاب بالجنون ، فَصَرخ : - من اين ياتي هذا الصوت ؟
من كتابك ، قال صوت جاء من داخل رأسه .
وفجأة صارت حروف الكتاب تتحول الى دبابير مُعادية ، كبيرة وصغيرة وملونة ، دبابير تزأر ، وتزن ، ولا تريد إلا الثار والانتقام ..