إخفاقات واشنطن..!!

حجم الخط
الرغم من عشرات المعاهد والمراكز الإستراتيجية التي ترسم السياسة والعلاقات الخارجية وتضعها في خدمة الإدارة الأمريكية، إلاَّ أن هذه الإدارة كثيرًا ما ترتكب أخطاءً مميتة. الأمثلة على ذلك كثيرة، أقربها إلى الذاكرة حربا أفغانستان والعراق. في الحالة الأفغانية ألقت واشنطن بكل ثقلها على المجاهدين، واعتقدت أنها انتصرت على خصمها اللدود "الاتحاد السوفيتي" بلا حرب من خلال توريطه في المستنقع الأفغاني الذي لم تلبث أن تورطت فيه هي الأخرى. ولا أحد يعرف حتى الآن، عمّا إذا كانت موسكو وراء هذا التوريط على أساس سياسة "رد الصاع"؟ في العراق دعمت أمريكا المعارضة التي ما أن تمكنت من الحكم حتى قلبت ظهر المجن لواشنطن، وارتمت في أحضان ملالي إيران. واعتقد الرئيس أوباما في مواجهته للأزمة السورية التي اندلعت قبل أكثر من عامين سقط خلالها قرابة 100 ألف ضحية أن الحكمة تقتضي التعلم من دروس أفغانستان والعراق بعدم دعم المعارضة السورية، ونسي أن سوريا ليست العراق، بل نقيضه تمامًا، فيكفي أن النظام العراقي كان يقوم على أساس دولة سنية تحكم أغلبية شيعية، فيما سورية دولة ذات أغلبية سنية تحكمها أقلية علوية شيعية. وبات من الواضح الآن أن الروس الذين أصبحوا أحد كبار المنافسين لأمريكا في إزاحتها عن التربع على قمة العالم وحدها، انتهزوا فرصة غياب الأمريكيين في النزاع الحاصل في سوريا فملأوا الفراغ على الفور، وأصبح من الصعب على واشنطن الآن التدخل، لاسيما بعد وصول صواريخ إس -300 للنظام، وبعد أن دخلت آلاف العناصر الشيعية المسلحة من لبنان والعراق وإيران وحتى اليمن (الحوثيين) إلى سوريا، وبعد أن أصبحت إمدادات السلاح الروسي تجد طريقها إلى النظام السوري بشكل شبه يومي، فيما ظلت واشنطن ولندن وباريس تبدي موقفًا مترددًا إزاء تزويد المعارضة السورية بالسلاح أقله للدفاع عن النفس، حتى عندما قررت أخيرًا إلغاء الحظر، فإنها قررت أن يبدأ العمل بهذا القرار في أغسطس المقبل، بما يعني أن يكون مصير بلدة القصير قد تقرر. خطأ آخر يرتكبه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري يتمثل في تعامله مع الملفين السوري والفلسطيني في آنٍ وبالنقيض، حيث يبدي تشددًا إزاء الملف الفلسطيني لجهة انحيازه التام والواضح إلى جانب الإسرائيليين، خاصة فيما يتعلق بحل الدولتين التقليدي، بعد أن أصبح تبادل الأراضي والكونفودرالية هو الحل البديل، فيما يبدي النقيض لذلك إزاء الأزمة السورية بتساهله مع الروس على حساب مطالب وتطلعات الشعب السوري. ربما أن الخطأ الأكبر الذي يرتكبه الأمريكيون الآن دون أن يعوا خطورة ذلك على مصالحهم إنهم يراهنون على النجاح أقله في أحد الملفين، ولا يضعون في الاعتبار احتمال الفشل في الحالتين!.