في الذكرى السابعة والعشرين لرحيل "خالد نزال": انظر إلى ما فعلته بي

حجم الخط
في الذكرى السابعة والعشرين لرحيل "خالد نزال": انظر إلى ما فعلته بي ضجر حزيران من غضبي منه، وتعب من عتابي المرّ عليه، وملّ عمره من مطاردتي ليومياته. بينما أنت، تتعالى على كهولة حزني، فلم تعد تبدي أي اهتمام بما أكتب عنك، ولم يردني منك أيّ جواب: انتظرته أو لم انتظره. لمن أكتب، لمن أسرب أسراري في طلة سنوية على حالنا خلفك، حزيران وأنا متفقان بأني أكتب لعمري المحدود معك، ولسنواتي المتبقية من بعدك، لكنني في العام السابع والعشرين لرحيلك العاصف، قررت لدواع دنيوية محضة أن أحدث تغييراً على العنوان الذي أراسله بين عام وآخر، وتحويل بريدي إلى وثائق موغلة في الحياة بقدر توغلك في الموت وتوغلي في قلبي، فحكايتنا تستحق وثيقة، وأدرك بأني إن لم أعلنها على الملأ، أكون قد وجهت طعنة "بروتوس" إلى حكايتي الصغيرة، وستحتسب كأني سجلتها ضد مجهول.. هل أسمح لذاكرتي الممهورة بتوقيعك أن تذهب لحال سبيلها بدم بارد، هل أكون من المساهمين في مذبحة اندثار ملفي الخاص وإسقاطه من الذاكرة الفلسطينية، أو أن أكون من المساهمين في قبر وثيقة من أرشيف الحب والوطن، وهل أقوى على قذف قصتي الصغيرة والحكاية التي غيرتني في سلة المهملات. أرتب مذكراتي وسجلاتي معك وبعدك، وأنسق أرشيف عمرك القصير معي بعناية معذبة. وفي حدود هذه المعايير أقضي خدمة إلزامية لم أتخلف عنها يوماً، ومن ثم تحولت بمرور الأيام إلى خدمة تطوعية في حراسة عشق لا يشيب. ومن يريد أن يعرف الأسباب والمسببات فلينظر في صورك وملفاتك الشخصية، بدءاً من الزغرودة الأولى لعجائز البلد احتفاء بالمولود الذكر، وانتهاءً بالزغرودة الأخيرة التي ناحت بها الصبايا ومزقن صدورهن لرحيل الشهيد في الطقوس الفلسطينية المعتادة.. بين عام وآخر، أراجع ملفاتك لأرى ماذا أكون قد فعلت، وماذا عساني سجّلت، وماذا تراني أوصلت، وماذا تبقى من سجلات صندوقي الأسود.. أعيد النظر في ملفاتي، يبهرني جنوني وافتتاني الطفل بك، وما زلت مولعة بابتسامتك الخفيفة وهي تتلاشى غير عابئة بما حولها، وأقر بأن بعض براءتها قد ذهب نصفه، بينما تحول نصف الابتسامة الموارب إلى تهكم. سأوثق عدم التزامنا بقواعد الحياة والموت، وبأنك قررت الذهاب إليه باختيارك، سأتحدث عن عدم نومنا في النوم، ويقظتنا في اليقظة، عن مياهنا التي تبخرت قبل أن يرتفع منسوبها. سأحصر تغيراتي في المكان والزمان والحدود، وسأسجل حصاري لخيالي وأنفاسي، وتجربتي في تضييق قوسي بما يفوق الوصف، وسأوثق ذوباني في إعاقتي. سأدون أيضاً بأني أجتهد في توسيع مساحات اشتياقي، كي أزيد من حوافزي على توثيق ذاكرتي من خلال مأساة عاطفية اعتيادية، وبأني سأرتب قضيتي في ملف بشغف مراهقة، وسأتعهد بأن أسرب من ملفاتي السرية شذرات من عمري مع بداية كل صيف، وأبث عبارات ليست الأهم في ملفات فقدك. سأنشر البرقيات في ألوان صريحة وفاقعة مرتبة وفق تدرجات الفقد، وبأني سأعطيها ضوءاً خافتاً مُطعَّم بحزن صريح. معاقة تنخرط في مهمة حركية صعبة، علمت قامتي على الوقوف على رجل واحدة بالقرب من جدارك، والتدرب على بدائل الشلل ومتلازمتي الإجبارية. تدريب قاس على وحدة المسالك والمخاوف والوحدة، وجنائزية المشهد العام، وتتابع التشييع والنعوات. كرهت صعود جبال مهمتي الجديدة، لكني أعطيتها كل كياني وأخلصت لتفاصيلها وذكرياتها، وكتبت أدبياتها ونصوصها الكاملة، وجعلت من حروفها المرجعية النسوية للأرامل قبل الأوان، وأعلنت على الملأ بأن من يريد تأصيلها فلينظر في لوحة ضياع المرفأ قبل وصول السفينة. انت اليوم تبلغ سبعة وعشرين موتاً، أنت تبدو في نظري شخصاً مغايراً، شخص يعيد نحت نفسه على وقع دوران باطن الأرض. وبدوري أقوم بتشكيلك في صورة جديدة، وأتلذذ في صنعه من جديد بخبرة مسافرة مخضرمة في بحور لا قعر لها. أهرول من عام إلى عام، يمر فيه صيف وخريف ومطر وقحط، وأستمر في المشي والركض بين حزيران وآخر. أمدّ حدودي وأنثر سطوري وأنظر في تفاصيل حياتي بحثاً عن عالم ودنيا لا أجدهما إلا على شواطئك. أسلم نفسي لأمواج الذكريات، وأغرق بأحلام اليقظة، وأحمل قلبي في صرة وأغيّر الاتجاهات باحثة عن زاوية أسكن إليها مبتعدة به عن خسارات، أو ربما التقي على حين صدفة بمرسى أنوِّم على هدهدته عيني.