رؤية أولية حول موقف القوى اليسارية والديمقراطية العربية من حركات الإسلام السياسي

لعل أكثر ما يشغل أذهان القوى الديمقراطية واليسارية تجاه حركات "الاسلام السياسي" ، هي مرجعياتها السلف
حجم الخط
لعل أكثر ما يشغل أذهان القوى الديمقراطية واليسارية تجاه حركات "الاسلام السياسي" ، هي مرجعياتها السلفية المتزمتة ، وانعكاس ذلك على المسار التحرري والديمقراطي لمجتمعاتنا ، حيث أن حركات الإسلام السياسي يمكن أن تتعاطى مع قضية الديمقراطية، بطريقة استخدامية ، كآلية للوصول إلى السلطة السياسية ومن ثم الاستفراد بها، وتحويلها من مهدٍ للتغيير الديمقراطي ، والتطور السياسي والمجتمعي إلى لحد لهذه العملية كلها، وما قد يترتب على ذلك من إعادة إنتاج التبعية والاستبداد بأشكال وصور مستحدثة ، وما سيؤدي إليه هذا المشهد من قيود و " تشريعات " يتم فرضها على عملية النهوض والتطور الديمقراطي لمجتمعاتنا، عبر تقييد وقمع حرية الرأي والتعبير والمعتقد، تعزز الموقف الرجعي تجاه مفاهيم الحداثة والتطور المجتمعي عموماً ومن قضية تحرر المرأة ومساواتها بالرجل خصوصاً ، ما يعني ضخامة ونوعية القضايا الخلافية بين القوى اليسارية والديمقراطية العربية وبين حركات الإسلام السياسي التي تستند في دعوتها إلى معالجة القضايا المعاصرة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، الى منطق غيبي تراجعي عاجز عن بلورة برنامج سياسي ديمقراطي اجتماعي تنموي من جهة ولا تتناقض مع السياسات الامبريالية والانظمة الرجعية من جهة ثانية ، ما يعني في حال وصولها الى السلطة والحكم، ستعمل على إعادة إنتاج أنظمة استبدادية رجعية وتابعة ، مع استمرار النظام الاقتصادي الاستغلالي الرأسمالي الرث على ما هو عليه . لكن على الرغم من مخاطر وسلبيات هذا المشهد ، لابد من الاقرار بأن ما يعرف بـحركات "الإسلام السياسي" أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في مجتمعاتنا العربية ، وبالتالي ، فإننا لا نستطيع الحديث عن رؤية برنامجية للمرحلة الجديدة، -ما بعد إسقاط الجماهير لنظام الاخوان المسلمين في مصر- يتم فيها تجاوز الحركات والجماعات الإسلامية، دون معالجتها والتفاعل الحواري معها في نظام سياسي ديمقراطي وتعددي يرفض كل مظاهر الصراع التناحري والاقتتال الدموي ، التزاما من الجميع بتغليب التناقضات الرئيسية ضد العدو الامبريالي والصهيوني على التناقضات الثانوية الداخلية . وفي هذا السياق، لابد لي من أن استحضر تلك اللحظة النهضوية الفارقة في تاريخنا الحديث ، -وأقصد بذلك المرحلة الممتدة بين عام 1900 حتى عام 1940- لكي نأخذ منها الدروس والعبر ، ومن ثم استلهامها وتطبيقها في قلب الحالة الثورية الديمقراطية العربية الراهنة ، لكي نغلق الأبواب في وجه أدوات الثورة المضادة ، الداخلية والخارجية . ففي العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين، التي تسمى بحق ، عصر النهضة، حيث ارتقى الحوار الموضوعي بين الأطياف والمذاهب السياسية والفكرية في ذلك العصر كافة ، إلى درجات عليا من حريات الرأي والتعبير والكتابة والمعتقد من خلال علاقات غلب عليها السمو والاستنارة والاحترام المتبادل بين الرأي والرأي الآخر ، حيث برز في تلك المرحلة علماء ومفكرين ، التقوا معاً على أرضية الحوار، رغم تباين منطلقاتهم الفكرية وتعدد محاورها وأهدافها وشعاراتها التي تفاعلت واختلفت في منطلقاتها و منهجيتها في رحاب حرية الرأي والمعتقد والبحث دون أي إرهاب فكري او جسدي أو تكفيري ، وفي هذا المناخ الديمقراطي الحر ، تفتحت واينعت ازهار كثيرة نذكر منها عبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني ، ومحمد عبده وعلي عبد الرازق ، وشبلي شميل وسلامة موسى ، وفرح أنطوان ، وطه حسين وبطرس البستاني وعلي مبارك وهدى شعراوي و إبراهيم اليازجي و جورجي زيدان وإسماعيل مظهر وأحمد لطفي السيد ، وقاسم أمين ، وأحمد أمين وساطع الحصري... إلخ، في إطار ليبرالي واسع ومتنوع الرؤى والأفكار التي تراوحت بين الايديولوجيات الدينية السياسية الاصولية من ناحية وبين الاستنارة والعلم والحداثة وفصل الدين عن الدولة وبين المادية والداروينية وحرية المرأة والاستقلال والوحدة القومية والاشتراكية والشيوعية . غير أن ما يميز الأصولية الإسلامية ، في شكلها العربي عودتها الصارخة إلى مركز الفعل في الأوساط الشعبية العفوية الفقيرة التي افتقدت القوى الديمقراطية واليسارية المدافعة عن قضاياها ، فاضطرت إلى أن تلجأ إلى السماء للخلاص من قهر الأنظمة واستغلالها الطبقي ، وكان طبيعياً في مثل هذا الوضع أن تجد هذه الجماهير الشعبية الفقيرة في الحركات والجماعات الاسلامية ملاذاً لها للخلاص من أشكال اضطهادها واستغلالها والخروج من فقرها ومعاناتها الناجمة عن فساد تلك الأنظمة واستبداد اجهزتها القمعية ، وأن تلتحق في صفوف الحركات الاسلامية ، من منطلقات سياسية ومجتمعية ودينية ، وبذلك استطاعت هذه الحركات –في ظروف الهزيمة السياسية والتراجع المجتمعي من جهة وفي ظروف الانتفاضة الثورية الحالية من جهة ثانية – أن تحقق حالة غير مسبوقة تاريخياً من الانتشار ، بعد عقود من التهميش والعزلة والكمون الذي عاشته ، بتأثير المرحلة الناصرية والمد القومي التحرري وانتشار الافكار التنويرية والعقلانية والاشتراكية ، ثم بعد ذلك ، بتأثير مرحلة الكفاح المسلح الفلسطيني منذ عام 1967 حتى نهاية ثمانينات القرن الماضي التي كانت ايذاناً بولادة مرحلة التراجع والهبوط السياسي والانحطاط المجتمعي الذي انتشر في ربوع البلدان العربية منذ ذلك التاريخ، وشكل بدوره بداية الانتشار الفعلي للحركات الإسلامية الأصولية التي لم يكن ممكناً أن تنتشر في غير هذه الظروف. ومع هذا الانتشار غير المسبوق، انتقلت الحركات الاسلامية الأصولية من حالة التهميش ، إلى حالة التأثير والفعل ، ليس لنشر منطلقاتها وآرائها فحسب ، بل أيضاً لتمارس – بصورة مباشرة وغير مباشرة- نوعاً من الاستنفار لأدواتها الايديولوجية أو الفكرية الغيبية المنغلقة ، في محاولة لمواجهة الفكر التنويري العقلاني، الوطني والقومي، لتجعل من تهديم مفاهيم التنوير والعقلانية والحداثة والليبرالية والعلمانية والمواطنة والدولة المدنية والوحدة العربية والاشتراكية غايتها الأساسية الأولى ، ومن ثم استخدام الدين السياسي ، كأداة مصالحة مع الواقع المرير وأدواته الطبقية ، الرأسمالية، الداخلية والخارجية ، خاصة وأن هذه الحركات لا تتناقض أبداً مع النظام الرأسمالي بل تعتبر نفسها جزء لا يتجزأ منه ، ولكن بمنطلقات إسلامية عبر ما يسمى بـ"الاقتصاد الإسلامي". أما بالنسبة للعلاقة بين اليسار العربي وحركات الإسلام السياسي، أود التوضيح هنا أنني لست في وارد تناول موضوعة " الدين" من زاوية فلسفية , في إطار الصراع التاريخي بين المثالية والمادية, فهذه المسألة ليست بجديدة, كما أنها ليست ملحة, كما أن عملية عدم الخلط بين الدين كعقيدة يحملها الناس، وبين الجمهور المتدين تعتبر مسألة مهمة وحساسة , فان يكون لنا موقف فلسفي من الدين، لا يعني على الإطلاق سحب ذلك الموقف على الجمهور المتدين , بل على العكس، فان واجبنا النضالي يفترض منا الاقتراب من ذلك الجمهور واحترام مشاعره الدينية، والتفاعل مع قضاياه وهمومه وجذبه إلي النضال من اجل الحرية والاستقلال والديمقراطية وإنهاء كافة أشكال الاستغلال والقهر والاستبداد، انطلاقاً من فهمنا للماركسية بأنها ليست نظرية مضادة للدين – كما يروج دعاة الإسلام السياسي والقوى الرجعية والامبريالية – بل هي طريقة تفكير لفهم الوجود بكليته ، فهي تنظر إلى الدين بوصفه جزءاً من تطوّر الوعي البشري في محاولتهم فهم واقعهم، وصوغ الرؤية التي تكيفهم معه، وأنه شكّل تطوّراً كبيراً في مسار الفكر، وانتظام البشر في الواقع. وعلى الرغم من كل ما تقدم ، فإن المستجدات والمتغيرات المتلاحقة راهناً، تؤشر إلي أننا سنواجه –مع حركات الإسلام السياسي- ظروفا وأوضاعاً مستجدة, ما يفرض على القوى اليسارية والديمقراطية العربية أن تتمسك برؤيتها الموضوعية إلى أبعد الحدود في العلاقة الديموقراطية مع هذه الحركات بمختلف مذاهبها ، بحيث تحرص على ان لا تصل الاختلافات معها ، إلى مستوى التناقض التناحري الذي يحكم علاقتنا بالعدو الإمبريالي الصهيوني، انطلاقاً من رؤيتنا تجاه هذه الحركات ، التي تؤكد على "أن قوى الإسلام السياسي هي مكون طبيعي من مكونات النسيج السياسي والاجتماعي العربي على الرغم من أية خصوصيات تمثلها، وعلى هذا الصعيد يهمنا أن نؤكد بأننا نرى في تلك القوى إحدى دوائر الفعل والتفاعل ، وذلك وفق قواعد الاختلاف والديمقراطية والتعددية والحريات العامة والخاصة التي يتوجب الاحتكام إليها . أما بالنسبة لعلاقة اليسار الفلسطيني مع قوى الإسلام السياسي فهي "علاقة متحركة وجدلية تبعاً لتناقضات الواقع السياسية والاجتماعية، وتبعاً للتناقضات التناحرية مع العدو الصهيوني حيث يمكن أن تتوفر حالة من التقاطع على الصعيد السياسي في اللحظة التي تقف فيها قوى اليسار والقوى الإسلامية على أرضية المعارضة والمواجهة لمشاريع التسوية الأمريكية – الإسرائيلية ، بينما على الصعيد الاجتماعي فإن التعارض والتناقض أكثر حضوراً، سواء على صعيد فهم الديمقراطية كقيم وآليات وممارسة لبناء المجتمع ومؤسساته أو تجاه القضايا الاجتماعية الرئيسية حرية المرأة، حرية الاعتقاد وحرية التعبير والاجتهاد وحرية الإبداع الثقافي وقضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية بمختلف تجلياتها" . إن وضوح هذه الرؤية، ومن ثم البناء عليها بالنسبة لعلاقة القوى اليسارية مع القوى الإسلامية يتطلب من هذه الأخيرة أن تتخذ موقفاً واضحاً من التوجهات التالية: أولا: النضال من أجل تحرير الوطن من الاحتلال . ثانيا: رفض التبعية بأشكالها المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية . ثالثا: رفض التطبيع بكافة أشكاله ورفض الصهيونية كعقيدة معادية لشعبنا وللشعوب العربية وحضارتها وتراثها وقيمها. رابعا: تغليب التناقضات الرئيسية على الثانوية في هذه المرحلة. خامسا: النضال من اجل الديمقراطية وترسيخها كنهج حياة مجتمعي يضمن الحرية بكافة أنواعها وفي مقدمتها حرية المعتقد. هذه هي ابرز ملامح وسمات المرحلة السياسية الجديدة كما نقرؤها في اللحظات السياسية الراهنة. أخيراً إن احترامنا للأديان عموماً والتراث الديني الإسلامي خصوصاً، يتطلب منا –عبر الحوار الديمقراطي- رفض استخدام الدين كأداة لقمع حرية الفكر والإبداع والبحث العلمي وحرية الرأي والرأي الآخر، وكذلك رفض اختزال الإيمان الديني إلى تعصب حاقد ضد الآراء والأفكار والعقائد الأخرى.