الخلاف بين جيش الاحتلال والمستوطنين!

حجم الخط
ينتاب من يطالع ترجمات الصحف العبرية الإحساس بالحيرة في تصديق ادعاء الاحتراب بين الجيش والمستوطنين الإسرائيليين، وفي الأغلب ينتابه شعور من يشاهد مسرحية خطابية غير مقنعة رغم حبكتها المتقنة. فالصحف تكتظ بمقالات الرأي حول الأضرار التي تلحق بإسرائيل، جرّاء الهجمات التي يشنها "زعران التلال" تحت شعار "دفع الثمن" على القرى الفلسطينية، التي على أساسها صادق "نتنياهو" على سلسلة من الخطوات ضد مخالفي القانون الذين قاموا بحرق الممتلكات والمساجد والمزروعات، أو المتسببين بافتعال أشكال من الاستفزاز والشروخ بين جيش الاحتلال والمستوطنين، الأمر الذي دعا الجيش إلى إغلاق الطرق بدعوى تفكيك بعض البؤر الاستيطانية "غير المشروعة" تحسباً لأشكال من الرفض والمجابهة..! في الزاوية الأخرى من المشهد على أرض الواقع، نمر على مقتل الشاب "مصطفى التميمي" من قرية النبي صالح باقتلاع النصف الأيمن من وجهه بواسطة قنبلة غاز بيد جيش الاحتلال. وعلى إغلاق جسر باب المغاربة من قبل بلدية الاحتلال في القدس تمهيداً لهدمه، وعلى مصادقة زير الدفاع "ايهود باراك" على إقامة حي استيطاني ومزرعة بالقرب من مستوطنة "أفرات" التي ستقفز حدودها إلى خلف شرق الجدار الفاصل، وتأييد "نتنياهو" لما سمي قانون المساجد القاضي بمنع رفع الأذان وذلك بناءً على مشروع قانون قدمته عضو الكنيست "انستازيا ميخائيلي" التي اعتنقت الديانة اليهودية بعد قدومها من روسيا وانضمامها إلى حزب "إسرائيل بيتنا". سلوكيات جيش الاحتلال والمستوطنين من أصول وبذرة واحدة، بذرة الاحتلال والنزعات العنصرية. واختلاق التمايز كذبة كبيرة لا تنطلي سوى على السذج والواهمين بوجود الاختلاف بين طينة الجندي وطينة المستوطن، فكلا الطرفين إفراز لفكر واحدة ونتيجة لبعضهما البعض. وفي كل الأحوال، قام بعض الصحافيين الإسرائيليين بالاعتراف بأن الجيش يكتفي بموقف المتفرج لدى هجوم المستوطنين على الفلسطينيين، ولا يتدخل إلا لدى نجاح الفلسطينيين بصد الهجوم والدفاع عن أنفسهم. لا تنطلي محاولات الاحتلال خلق الوعي بوجود فوارق بين ممارسات الجيش والمستوطنين على الشعب الفلسطيني، فقد اختبر الاحتلال وبكائياته، ولن يكون بمقدوره الاستمرار في نغمته المعهودة حول تفكيك كرفان هنا أو هناك، تحت مسمى تقديم التنازلات الصعبة كثمن للسلام، لأن المنظمات الدولية وكذلك الصحافة الإسرائيلية اعترفت بانتهاك الجيش حقوق الإنسان الفلسطيني، في الوقت الذي تقع على سلطات الاحتلال مسؤولية حماية المدنيين بموجب القانون الدولي. ومن هنا يصعب تشكيل قناعة، لدى الرأي العام، بأن تتحول آليات القمع والعدوان ممثلة بالجيش إلى آليات الحماية والأمن..! لقد بادرت إسرائيل إلى فتح تحقيق في مقتل الشهيد التميمي، الذي يعتبر الضحية الحادية والعشرين ممن رفعت بشأنهم شكاوى في المحاكم، والتي تضاف إلى سلسلة من القضايا والانتهاكات العائدة للانتفاضة الأولى والمرحلة التي تلتها، وهي الشكاوى التي تطالب بالتحقيق في قتل عديد الأطفال والشباب والنساء بدم بارد دون أن يتعرض الجنود المدججون بالسلاح إلى الخطر، فكيف يمكن أن يأتي الخطر من حملة الأعلام والرايات أو من هتاف الحناجر..! إلى ماذا انتهت لجان التحقيق: لقد أفاد تقرير صادر عن جماعة حقوق الإنسان الإسرائيلية تحت اسم "التحقيق المزعوم"، بأن أكثر من ثلث الدعاوى المقدمة وعددها 3150 شكوى قد أسقطت بين عامي 2000 و2010 من دون إجراء تحقيق جنائي، وأفاد التقرير بأن الجيش لم يتمكن من تقديم وثائق تشرح سبب إقفال الحالات أو نتيجة الفشل سوى عدم وجود الأدلة أو معرفة الجناة.. كما قالت صحيفة "معاريف" إن 6% من التحقيقات قد توصلت إلى لوائح اتهام، دون أن يفيد ذلك بأن اللوائح قد تمخضت عن أي عقوبة رادعة، فعلى سبيل المثال، فقد اقتصرت عقوبة المتهم بقتل الطفل "حلمي شوشة" من بلدة حوسان على دفع بضعة شواكل كغرامة. إنه غيض من فيض الجرائم، وجميعها تدور في دائرة الجرائم والانتهاكات التي يقوم الاحتلال بارتكابها يومياً دون رادع معادل.. إن الهجمة المسعورة التي يشنها المستوطنون وجملة الإجراءات الحكومية العنصرية تطرح مجدداً علينا الأسئلة الصعبة، حول أسباب مراوحة الجهد الدولي والدبلوماسي تجاه نيل عضوية في المؤسسات الدولية إثر نيل عضوية اليونسكو، وعن الذي يحول دون استكمال التوجه نحو تحقيق المزيد من الاختراقات وفي بؤرتها الصلة مع محكمتي العدل الدولية والجنايات. قبل الحصول، أو تلك الأسئلة المتعلقة بتنفيذ اتفاق المصالحة الأخير الذي يبدو أنه قام بخلق تجاذبات جديدة أعادتنا إلى مرحلة ما قبل الاتفاق.