درويش في غيابه الخامس

حجم الخط
(حياتي كما هي لا شيء يثبت أني حي ولا شيء يثبت أني ميت) أتذكر هذا المقطع للشاعر الراحل محمود درويش (1941 ـ 2008)، من قصيدة ألقاها في ندوة كبيرة بالقاهرة، نظمها المجلس الأعلى للثقافة في مصر بمناسبة مرور 20 سنة على رحيل الشاعر المصري أمل دنقل في العام 2003، شارك فيها حشد من الشعراء والنقاد، إذ استمرت ثلاثة أيام، أبرزهم الراحل ممدوح عدوان وصبحي حديدي وعبده وازن وأحمد عبد المعطي حجازي، وغيرهم من شعراء ونقاد وإعلاميين. ويومها، قرأ محمود درويش قصيدة في ذكرى أمل دنقل، قارب فيها بين معنى الحزن وقيمة الحياة، الحياة التي كان محمود درويش متصالحاً معها، وقد بدا يتخطى الستين من عمره. كان محمود درويش خائفاً من الزمن، ولم تكن مشكلته القلبية قد تفاقمت كثيراً بعد، كان شديد الاعتداد بنفسه أنيقاً على الدوام، وكان شديد الحرص على الخصوصية، حيث لم يغادر فندق هيلتون رمسيس لجولة ليلية في الحسين، أو للجلوس في مقهى بخان الخليلي، كانت نجوميته تسبقه على الطريق، تلك النجومية التي أغلقت عليه باب الحرية حيث كان الصحفيون يطاردونه على الدوام، آملين الفوز بلقاء حصري، لكنه كان بعيداً عن تلك النوعية من الأحاديث. ذات جلسة خاصة في دبي، بعد تسلمه جائزة العويس العام 2004 قلت له، الصحفيون يطالبون بمؤتمر صحفي. فقال، أخشى أنهم سيسألون في السياسة أكثر من الأدب، وأخشى ألا يجدوا فيها ما يصبون إليه فأخيب أملهم. وبقدر اهتمامه وحبه للنجومية كان ميالاً لعزلة فردية في سفره، مع وفائه لصداقات قليلة، في بيروت وعمان وباريس، يذكر فيها الأشخاص على عدد الأصابع. في مناسبة رحيل محمود درويش، الخامسة، أتذكر طريق العودة من فندق كمبينسكي عجمان إلى فندق البستان في دبي، حين سأل باستغراب: هل كان الجمهور ينتظر شعراً مختلفاً (كان قد أقام أمسية ليلة أمس في قاعة الراشدية العملاقة، على هامش جائزة العويس)؟ فأجبته، ان الجمهور كان ينتظر محمود درويش. وقال ضاحكاً: بشحمه ولحمه، وسرح بنظره عبر النافذة.