لن أعود بكم عشرون عاماً في التاريخ الفلسطيني للحديث عن اتفاقات أوسلو – سيئة الذكر والصيت -، لكن سنعود معاً عشرون يوماً أو يزيد قليلاً، فقبل ذلك اعتادت سلطة أوسلو أن تسمعنا لحناً نشازاً تسميه "حلاً عادلاً لقضية اللاجئين الفلسطينيين" الذي لم تستطع تلك السلطة اقناع آذان الفلسطينيين به حتى تقنع الاحتلال الصهيوني به أثناء التفاوض معه.
العدو لا يرفض حق العودة فقط، وإنما في مؤتمرات هرتسليا الاستراتيجية التي يعقدها سنوياً منذ العام 2000، يبحث فيما يسميه "القنبلة الديموغرافية لعرب منطقة 48"، وذلك من خلال انتقاء السبل والوسائل التي يتخلص بواسطتها من المناطق ذات الكثافة السكانية العربية في مناطق 48، على حد وصفه. لاحظوا اللغة التي يستخدمها العدو لوصف الفلسطينيين أصحاب الأرض في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، فهو يستمر بسلبهم فلسطينيّتهم ويصفهم بالعرب فقط، تماشياً مع الطرح الصهيوني بأسرلة الأرض ويهوديّة كيانهم المسخ، وكأن الفلسطينيين العرب هم الطارئين على هذه الأرض، أو أنهم شعبٌ مستحدث كما يزعم الاحتلال.
ويبدو أن جهابذة المفاوضات في سلطة أوسلو أعضاءً دائمين في تلك المؤتمرات الاستراتيجية، فتصريحاتهم وتنازلاتهم وتفاضهم العبثي لم تخرج عن النص "الاستراتيجي" بحرف واحد! فأهم ما تنص عليه جولتهم التفاوضية الحالية هو: استئناف المفاوضات "دون شرط"، وتجميد ملف اللاجئين مدة خمس سنوات، والاتفاق على الملف الأمني، وضخ الأموال للسلطة الفلسطينية دون توقف من البنوك "الاسرائيلية"، وضبط الأمن في الحدود المؤقتة لتكون حدوداً آمنة، والاعلان من قبل الفلسطينيين أن ما يسمى بـ "اسرائيل" هي دولة ذات سيادة أمام المجتمع الدولي، وتجميد ملف القدس إلى إشعار آخر، وتزويد السلطة بالسلاح وتجهيز الأجهزة الأمنية بكل ما يلزمها لتتمكن من أداء دورها في الحفاظ على الأمن العام في الضفة الغربية وفتح مطار في رام الله وتزويده بالمنشآت الكاملة.
إن قيادة كتلك قامت بإعادة ترتيب أولوياتها وما يتناسب مع جيبها، وخانت كل الثوابت الوطنية الفلسطينية لا تمثل ولا يمكن أن تمثل الشعب الفلسطيني لا من قريب ولا من بعيد. حتى إن ما تتناقله وسائل الاعلام مؤخراً بالحديث عن استئناف المفاوضات بين الجانبين / الطرفين الفلسطيني و"الاسرائيلي" أراه – شخصياً – جزءاً من المسرحية الصهيو أمريكية، عن اي جانبين / طرفين يتحدثون؟!! إن ما يحصل لا يتعدى كونه مسرحية هزلية أبطالها الصهاينة وأدواتهم؛ إذن هم طرف واحد يلعب أكثر من دور ضمن نصوص أمريكية ركيكة.
إذا، ما هو الحل الفلسطيني الأمثل والأول لإيقاف تلك المسرحية؟!
بدايةً وبالنظر إلى وضع الشارع الفلسطيني الراهن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار عامل "صراع الأضداد"، وفي ذات الوقت يجب علينا أيضاً أن نحذر منه كي لا يتمكن من كبح جماح الغضب بالشارع الفلسطيني، وهنا يجب أن نعي تراكم التغييرات الكمية الكثيرة التي تسهم في تأجيج غضب الشعب والتي ستوصله – بالضرورة – إلى الحد الذي يتحول فيه – أي الشعب – من حالة التفاعل السياسي الطبيعي، أو الهدوء النسبي، أو اللاثورة إلى حالة الثورة، لكن يجب – أولاً – أن تبلغ تلك التراكمات الكمية ذروتها لتبلغ المعيار الذي هو شرط ضروري للتحول إلى التغيير النوعي المنشود، والذي هو أمر حتمي. وهنا أقول أن الحل أولاً يكون بتطهير البيت الفلسطيني الداخلي، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني ورافع لنضالاتهم، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بتحرير منظمة التحرير الفلسطينية أولاً.