في تاريخها الحديث مرت مصر بتجربتين أساسيتين للنهوض. قاد الأولى محمد علي، بينما قاد الثانية عبد الناصر. وبثورة 25 يناير 2011 وسقوط رأس النظام القائم دخلت الحركة الوطنية الديمقراطية الشعبية المصرية في محطة نوعية من الصراع مع قوى محلية وخارجية تصر على استبقاء مصر تابعة وخاضعة لمشيئة نظام السيطرة الإمبريالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة. على سلَّم هذا الصراع المعقد صعدت جماعة "الإخوان" إلى رئاسة مصر مع وعود بنهضة مصر وعدم التفرد بالسلطة. ساعدها في ذلك الدعم الغربي، الأمريكي أساساً، والتفاهم الملغوم مع "المجلس العسكري"، والتأييد السياسي الوطني نكاية في المنافس. لكن قيادة الجماعة-بسرعة البرق- تنصلت من وعودها على المستوى الوطني، بينما التزمت بتعهداتها للولايات المتحدة وبقية الدول الغربية. تعدهدات تستحيل معها- بلا أدنى شك- نهضة مصر المشروطة بإخراج مصر من نظام العولمة الليبرالية الفجة المتوحشة. وهو النظام الذي كان مبارك-بعد السادات- قد زج مصر فيه لعقود أفضت إلى تفكيك منظومة مصر الانتاجية وقطاعها العام لمصلحة شرائح طبقية من مضاربي رأس المال المالي وسماسرة رأس المال العقاري ونصابي شركات رأس المال التجاري العامل جلها مقاولاً من الباطن للاحتكارات الرأسمالية الغربية الإمبريالية، وجلها وأقواها أمريكية، مع ما رافق ذلك من شهادات حول معدلات مرتفعة للنمو الاقتصادي في مصر، قدمتها، ولا تزال، الأدوات الاقتصادية لنظام السيطرة والنهب والتحكم الغربي، وهي: منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد والبنك الدوليين. شهادات خادعة ومضللة، ذلك أن هذا النمو كان نمواً هشاً ومعرضاً للتراجع ومصحوباً بارتفاع مذهل في مستويات البطالة والأمية واللامساواة بين أغلبية ساحقة تعيش حالة فقر مدقع وأقلية تعيش حالة ثراء وفساد فاحشين، ما جعله نمواً قابلا للانفجار، وقد انفجر بالفعل في ثورة 25 يناير 2011، ذروة انتفاضات شعبية سبقتها، ومهدت لها، وعكست اختمار شروطها الموضوعية، حيث استغرقت مصر لأربعة عقود في حالة من الردة، والاستسلام لمتطلبات الليبرالية المعولمة والإستراتيجية الأمريكية، وتآكل دورها الفاعل فى السياسة عربياً وإقليمياً. وهو الدور الذي احتله حليف الولايات المتحدة الإستراتيجي الوحيد، إسرائيل، وبصورة أقل عضو حلف الناتو، تركيا.
هنا حريٌ التذكير بأنه كان بين الأقلية المصرية المتخمة عدد من رجال المال والأعمال والتجارة ممن ينتمون أو يناصرون أو يقودون الـتنظيم الدولي لـ"الإخوان". فقد صار معروفاً أن "الإخوان" بعد صدامهم مع التجربة الناصرية، قد "تفرقوا أيدي سبأ"، حيث رحل الكثير من قادتهم وأعضائهم إلى دول الخليج العربي وأوروبا الغربية وأميركا الشمالية، وبنوا تنظيماً دولياً من قيادات اعتبارية تقدم لمركز الجماعة في مصر المشورة والدعم السياسي والإعلامي والمالي، إذ لم يعد سراً أن لدى الجماعة، مثلاً، بنك في جزر الباهاما. وفي كتاب يحمل عنوان "الملعوب" كشف الشهيد فرج فودة مصادر تمويل وآليات تنمية تمويل "الإخوان" وبقية حركات "الإسلام السياسي"، وأورد أسماء شركات "الإخوان" لتوظيف الأموال في مصر، منها، مثلاً، شركة "الريان"، وشركة "السعد"، وشركة "البركة"، وشركات أخرى تحولت إلى إخطبوطات مالية لدرجة أن تصبح مصدر إقراض للحكومة المصرية، قبل أن يتنبه لها وينهيها نظام مبارك في تسعينيات القرن الماضي، إنما بعد أن امتصت الكثير من أموال المصريين مقابل تقديم فوائد أعلى مما تقدمه البنوك، وأفقرت حوالي 2 مليون مصري تحت غطاء "شرعي"، يطلق عليه "عقود المرابحة" أو "الصكوك الإسلامية".
إذاً لا غرابة في أن يقدم الشعب المصري عل تصحيح مسار ثورته ويطلق موجهتها الثانية التي أطاحت سلطة مرسي بوصفها مجرد جملة معترضة في تاريخ مصر الحديث وتاريخ نضالها الوطني المعاصر الذي لم يتوقف عن محاولات استعادة وتجديد ما بنته التجربة الناصرية على تجربة محمد علي، من نظام سياسي اقتصادي اجتماعي، انتهج سياسة انتاجية اعتمدت التصنيع وإعادة توزيع الدخل لمصلحة الطبقات الوسطى والشعبية، لإخراج من نظام تقسيم العمل الدولي الذي حشرها في دور المُصدر للقطن، لينقطع بذلك سياق تجربة محمد علي وطموحاتها في بناء دولة عربية حديثة وقوية ذات تأثير ونفوذ فاعلين إقليمياً ودولياً. وهي التجربة التي قضت عليها دول الاستعمار الغربي ومعها الإمبراطوريتان العثمانية والروسية.
على ما تقدم كان من المنطقي ألا تدوم سلطة مرسي أكثر من عام. فما أقامه كرئيس لمصر من علاقة مع المرشد العام لجماعة "الإخوان"، يعيد للذاكرة تجربة عز الدين آيبيك، قائد الجيش المملوكي أيام الدولة الفاطمية، الذي تزوجته شجرة الدر من أجل أن تحكم مصر باسمه، ولم يدم حكمها غير مدة وجيزة، حيث ثار المصريون عليها وقتلوها. أما انحياز الجيش المصري لإرادة شعبه في 30 يونيو الماضي، فيذكِّر بخصوصيته، بل، بفرادته، قياساً بغيره من الجيوش العربية، بوصفه مؤسسة وطنية، وجيشاً لدولة وركناً أساسياً من أركان بنائها في تاريخها الحديث، بل ولاعباً أساسياً في مجابهة المس باستقلالها الوطني واستقرارها، ما يفسر تعلق المصريين بجيشهم وتسميته بـ"جيش محمد علي" تارة، وبـ"جيش عرابي" تارة ثانية، وبـ"جيش عبد الناصر" تارة ثالثة، حيث ساهم في بناء الدولة المصرية الحديثة، سواء عندما قام محمد علي بإعادة بنائه وتحديثه وتقويته بهدف الوصول إلى منابع نهر النيل وبلاد الشام ونجد والحجاز لبناء دولة عربية حديثة قادرة، أو عندما تمرد أحمد عرابي على الأوامر الخديوية وواجه قوات الاستعمار الإنجليزي في معركة التل الكبير في العام 1982، أو عندما قاد عبد الناصر حركة "الضباط الأحرار" وأطاح حكم آخر ملوك مصر، فاروق، مطلقاً بذلك ثورة 23 يوليو التي التف حولها الشعب المصري وحقق من خلالها انجازات وطنية وقومية واجتماعية لا يمكن إنكارها رغم ربع كأسها الفارغ الذي سهل ارتداد نظامي السادات ومبارك. وهما من دخل معهما عدد من قادة الجيش في حالة صراع معلن حيناً ومكتوم حيناً آخر، ارتباطاً بتهميشهما لدور القوات المسلحة لمصلحة تقوية دور قوى الأمن الداخلي بعد اعتماد سياسة "حرب 1973 آخر الحروب" التي لم يقبل بها، بل وناهضها أحياناً، أكثر من وزير دفاع وقائد جيش، بدءاً بوزير الدفاع، محمد فوزي، الذي سجنه السادات ضمن حملة تصفية "مراكز القوى"، مروراً بوزير الدفاع، محمد صادق، الذي عارض قرار السادات طرد الخبراء السوفييت، عرجاً على رئيس أركان الجيش، سعد الدين الشاذلي، الذي اختلف مع السادات وسياسته قبل الحرب وبعدها، وتم عزله وفرض الإقامة الجبرية عليه ثم نفيه إلى الجزائر، وصولاً إلى وزير الدفاع، محمد عبد الغني الجمسي، الذي استقال احتجاجاً على اتفاق فك الاشتباك المعروف باسم "الكيلو 101". هذا بينما أنهى مبارك خدمة وزيرين للدفاع، هما: عبد الحليم أبو غزالة، وكمال حسن علي. ولم تستقر الأمور إلا بمجيء المشير طنطاوي الذي يبدو أنه، رغم رفضه مسألة توريث السلطة، رضي من "الغنيمة بالإياب"، سواء في عهد مبارك الطويل أو في عهد مرسي القصير.
بقي القول: لئن كان في ما تقدم ما يدعو إلى دعم الجيش في مهمة مواجهة العنف والإرهاب، فإن فيه ما يدعو إلى عدم تغييب فعل "الميدان" ودور الشعب في الضغط على السلطة الانتقالية لتحقيق ثلاث مهمات عاجلة ومتكاملة، هي: مساندة الجيش في" التصدي للإرهاب والعنف التكفيري"، و"تحقيق جرعة مركزة وعاجلة من العدالة الاجتماعية"، والتجرؤ على قرار"استعادة الاستقلال والسيادة الوطنيين". هكذا يرى الأمر ويصوغه القائد الوطني والقومي التقدمي، حمدين صباحي.