ناجي العلي ذكرى وذاكرة

ناجي العلي ذكرى وذكراة ...
اليوم التاسع والعشرون من تموز رحل ناجي العلي بعد أن تمكنت منه رصاصات الغ
حجم الخط
ناجي العلي ذكرى وذكراة ... اليوم التاسع والعشرون من تموز رحل ناجي العلي بعد أن تمكنت منه رصاصات الغدر التي انطلقت من كاتم الصوت أرادوا بها أن يكتموا بها صوت من الأصوات لهم صوت الفقراء والمضطهدين صوت المعذبين في الارض صوتهم صوت ناجي العلي بريشته الناطقة . رحل الفنان الكبير وترك لنا ليس فقط مدرسة فريدة ومتميزة في فن الكاريكاتير بل علمنا والتغريد خارج السرب والسباحة عكس التيار والانتصار عليه ... في حضرة ناجي ما لنا إلا نبش الذاكرة ففي الذاكرة ما هو بسيط وجميل دون الذهاب دون الذهاب بعيداً عن طريقة النقد الأدبي أو لغة الانتلجيستا في الثقافة الحديثة لم يأبه بصديقه محمود درويش حين هجاه ، فلم تمنعه الصداقة من ذلك. كذلك الحال خروجه من حركة القوميين العرب رغم تمسكه بعروبته وأهداف الحركة لم يمنعه ، بل لم يؤثر على قدرته الإبداعية في اختراق الهدف والعلو نحو القمة. ومثلما تمرد ناجى خارج السرب الرسمي للسياسيين والفنانين، فلقد غرد أيضاً خارج المألوف في الشعر حينما قال لا يحق للشاعر ما لا يحق لغيره ولم يكتفِ برسم كاريكاتيري لذلك بل تناول الشاعر محمود درويش بالسخرية والتهكم حين دعا محمود درويش إلي مد جسور الصلة مع اليسار الإسرائيلي ورسم كاريكاتيره الشهير الذي فجر أزمة بين ناجي العلى ومحمود درويش وكان الكاريكاتير مقتبس من قصيدة لمحمود درويش بيروت خيبتنا الأخيرة، متهكماً على درويش برسم كاريكاتيري تحت عنوان درويش خيبتنا الأخيرة. إننا لم نري ناجي ولم نلتقيه لكننا نعرفه جيداً بقسمات وجهه وشعره الكث وتعرفنا على تفاصيل حياته ، كل ذلك من خلال رسوماته الكونية ورسوماته السريالية التي تلتقي خلالها بما تشاء ، كلٌ يلتقي ذاته إنها عالم بحد ذاته استراحة النفس وآهات الفقراء إنها الثقافة لمن أراد بدون كتب وصوت الثورة بدون إذاعة ، رسوماته صنعت الاستماع البصري وهل تسمع العين. حين تقع عيناك على لوحته الكاريكاتيرية تعيش لحظتها فكرتها فمنها تدخل إلي أعماق الفكرة. ماذا تري في فاطمة وحوارها مع زوجها الكهل ذو الملابس الرثة المرقعة ، فاطمة الآن فاطمة الثورة ، فاطمة أم الشهيد، فاطمة الحكيمة ، ليس هذا فحسب بل فاطمة الزوجة ورفيقة الدرب. من منا لم يقرأ الصحيفة بالمقلوب أي يبدأ من الصفحة الأخيرة رقم 12، لقد كان لناجي جريدة الميثاق المقدسية شرف التزود كل يوم جديد بكاريكاتير خاص بالصحيفة لا تتصور لهذا الكاريكاتير سطوه على جمهور القراء فلقد ساهم كاريكاتير ناجي العلى في السنوات ما بين 1984- 1986 حتى إغلاقها ساهم في رفع نسبة القراء للصحيفة حتى أصبحت في حينه الصحيفة الثانية. غرد خارج السرب اليمين في زمن المهاونة مع من هدد ناجي بأن يذيب أصابعه التي ترسم ، لم يكن ناجي يوماً رساماً كاريكاتيرياً فقط ولن يتلقَ أوامر من أحد ولم يستشعر الفكرة من أحد وهذا ما ميزه عمن سبقوه في رسم الكاريكاتير بسنين طويلة ، بل كان دوماً صاحب الفكرة وصاحب الريشة ، وكان دوماً يترجم قناعاته إلي خطوط ورسومات. في حضرة الذكري لناجي العلى. قال عنه محمود درويش: اغبطه كل صباح أو قل أنه هو الذي صار يحدد مناخ صباحي كأنه فنجان القهوة الأول يلتقط جوهر الساعة الرابعة والعشرين وعصارتها فيدلني علي اتجاه بوصلة المأساة وحركة الألم الجديد الذي سيعيد طعن قلبي ، خط خطان ثلاثة ويعطينا مفكرة الوجع البشري. مخيف ورائع هذا الصعلوك الذي يصطاد الحقيقة بمهارة نادرة كأنه يعيد انتصار الضحية في أوجع ذبحها وصمتها إنه الحدس العظيم والتجربة المأساوية ، فلسطيني واسع القلب ضيق المكان وسريع الصراخ وطافح بالطعنات. احذروا ناجي فالكون عنده أصغر من فلسطين وفلسطين عنده النعيم أنه لا يأخذ النعيم إلي العالم ولكنه يأسر العالم في مخيم فلسطيني ليضيق الاثنان ، فهل يتحرر الأسير بأسره. رحل ناجي غريباً بعيداً عن فلسطين وعين الحلوة الذي قارن بين جمال قمرها وقمر فلسطين وكان متحيزاً لقمر فلسطين.