مقابلة عضو اللجنة المركزية الفرعية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الرفيق رائد حسنين مع المكتب الإعلامي
أجرى المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مقابلة مع عضو اللجنة المركزية الرفيق رائد حسنين، تناولت الظروف السياسية الراهنة، خاصة بعد مرور عشرين عاماً على توقيع اتفاقية أوسلو، وعودة القيادة المتنفذة للمفاوضات، فضلاً عن المشهد الفلسطيني الحالي في ظل استمرار حالة الانقسام، ووضع المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها كتائب الشهيد أبو علي مصطفى، بالإضافة إلى الوضع الداخلي للجبهة في ظل التحضيرات لانعقاد المؤتمر الوطني السابع.
وإليكم النص الكامل للمقابلة:
السؤال الأول: بعد مرور عشرين عاماً على توقيع اتفاقية أوسلو، ومراوحة القيادة الفلسطينية في المكان، واستمرارها في اللقاءات العبثية مع الاحتلال، ما الذي جنيناه من هذه الاتفاقية؟
لقد أوصلنا توقيع قيادة منظمة التحرير المتنفذة على اتفاقية أوسلو إلى نتائج كارثية ما زلنا نحصد ثمارها السامة منذ عام 1993 وحتى الآن، حيث حقق هذا الاتفاق ربحاً صافياً للاحتلال، الذي استغل هذا الاتفاق في الإمعان بسياساته العدوانية على شعبنا الفلسطيني، من نهب ومصادرة الأراضي، وسرقة المياه، وتهويد واستيطان، واغتيالات وقتل ممنهجة، وانتهاك للمقدسات والمسجد الأقصى ..إلخ، وسيطرة على معظم أراضي الضفة وتحويلها إلى كنتونات ومناطق معزولة تماماً عن بعضها البعض، عبر تقسيمها إلى أراضي أ، وب، وج أو من خلال الحواجز والمستعمرات والمستوطنات المنتشرة في كافة مناطق الضفة .
لقد تذرعت هذه القيادة بالضغوطات التي كانت تعاني منها الثورة الفلسطينية والحصار المالي ضدها بعد خروجها من لبنان في الذهاب إلى مدريد، وبعدها التوقيع على اتفاقية أوسلو المشئومة، من أجل التوقيع على هذه الاتفاقية الكارثية، إلا أن العدو الصهيوني ومن ورائه الغرب كانوا يعرفون ما يريدون جيداً حين وقعوا الاتفاق، فمن إجهاض للانتفاضة الشعبية الأولى – انتفاضة الحجارة، إلى كي الوعي لدى شعبنا الفلسطيني، وتغييب فكرة المقاومة داخله، عبر التماهي مع امتيازات السلطة وتحويل طاقته من قوة نابضة ومستمرة تواجه الاحتلال، إلى آلات لتنفيذ الاتفاقية والالتزامات المترتبة عليها، وعلى رأسها التنسيق الأمني وملاحقة المقاومين، وفي سياق نجاح هذا الهدف، استمر العدوان الصهيوني على شعبنا، وبلغ أوجه في السنوات الأخيرة، من استخدام مختلف الأسلحة والطائرات والصواريخ والقذائف، في محاولة منه مرة أخرى لإجهاض أي انتفاضة شعبية، وتقاطعت مع هذه المخططات العودة غير المبررة والمرفوضة للقيادة المتنفذة في السلطة للمفاوضات، متجاوزة بذلك قرارات المؤسسات الفلسطينية، والإجماع الفلسطيني، بعدم الذهاب للمفاوضات دون تجميد الاستيطان، وتحديد مرجعية الشرعية الدولية كأساس لهذه المفاوضات، بالإضافة إلى ضرورة إطلاق سراح أسرانا البواسل في سجون الاحتلال، دون قيد أو شرط، وعدم رهن عملية اطلاق سراحهم، بأي التزام فلسطيني للاحتلال.
ونحن في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أطلقنا شرارة الاحتجاجات ضد عودة القيادة المتنفذة عبر فعاليات مكثفة في الضفة وغزة جاءت تحت شعار " إسقاط اتفاقية أوسلو، والالتزامات الأمنية الفلسطينية ووقف المفاوضات بشكل فوري"، بل وطالبنا بمحاسبة كل من أقدم على تجاوز حالة الإجماع الفلسطيني، وموقف الحد الأدنى، ودعونا إلى حالة شعبية عارمة ضاغطة على القيادة من أجل وقف هذا العبث.
برأينا، أن هذه الاتفاقية وما تلاها تعمل على ترسيخ فكرة الدولة اليهودية، والسيطرة الأمنية والاقتصادية والسياسية والجغرافية للاحتلال الصهيوني على الأرض الفلسطينية، بل وحولّت قضية الشعب الفلسطيني كهوية وطنية وكفاحية، إلى قضية إنسانية بحتة، وتمزيق وحدة الأرض والشعب عبر القفز عن أهداف شعبنا الفلسطيني التي رسخها عبر سنوات طويلة من النضال.
يجب علينا كشعب فلسطيني أن نبحث بشكل جدي عن البدائل الحقيقية عن هذه التسوية الكارثية، عبر صوغ استراتيجية وطنية كفاحية شاملة ينضوي تحتها جميع القوى والفصائل الفلسطينية، نستطيع من خلالها إدارة الصراع مع هذا العدو المتغطرس، بالإضافة إلى إعادة القضية الفلسطينية إلى المؤسسات الدولية من أجل التنفيذ السريع لقرارات الشرعية الدولية المنصفة لشعبنا، والذهاب إلى محاكم الجنايات الدولية والاستفادة من الانتصار في الأمم المتحدة وانتزاع عضوية دولة فلسطين فيها من أجل محاكمة الاحتلال وقادته على جرائمه بحق الشعب الفلسطيني، كما وندعو لضرورة استغلال حالة التضامن مع شعبنا الفلسطيني في العالم، والحالة الشعبية العربية من أجل مواجهة هذا العدو المتغطرس، ونقل رسالة شعبنا السامية وحقه في أرضه لجميع أنحاء العالم.
السؤال الثاني: هناك حالة من التكهنات والاعتبارات التي تشير إلى أن حالة الجمود السياسية الحاصلة الآن، واستمرار العدوان الصهيوني في جرائمه، في ظل حالة الانقسام، ستنذر باندلاع انتفاضة جديدة، خصوصاً في الضفة، هل أنت مع هذا الرأي؟
عودنا الشعب الفلسطيني في محطات نضالية عديدة أنه صاحب المبادرة الحاسمة في الرد على احتلال أرضه وتشريده والعدوان المتواصل ضده، فمن مقاومة الاحتلال العثماني، إلى الاحتلال البريطاني، والذي دشن خلاله أطول إضراب في التاريخ في ثورة الـ36، إلى الاحتلال الإسرائيلي، والذي ووجه بمقاومة عنيفة وشاملة عبر الفدائيين في أكثر من موقع ومكان في الضفة، ومناطق الـ48، وغزة، وبيروت، والأردن. ولقد كانت الثورة الفلسطينية أنبل ظاهرة عرفها التاريخ المعاصر، والتي وحدت الشعب الفلسطيني خلف منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تضم كافة ألوان الطيف الفلسطيني، وقد كانت المفاجأة الحقيقية للجميع هو قيام الشعب الفلسطيني بانتفاضته الخالدة – انتفاضة الحجارة والتي أدمت الكيان الصهيوني، وأدت إلى حالة من عدم الاستقرار داخل دولة الكيان، وحتى بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو المشئومة لم يتوقف الشعب الفلسطيني وينصاع لتداعياتها ونتائجها الكارثية، فبادر بإطلاق انتفاضة الأقصى، وسخر كل إمكانياته البشرية والعسكرية في خدمة هذه الانتفاضة، ورغم الخسائر الفادحة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني فيها، إلا أن هذه الانتفاضة استطاعت أن تصل إلى عمق الكيان الصهيوني ومستعمراته ومواقعه العسكرية وتلحق أفدح الخسائر به، ورغم التضييق على هذه الانتفاضة عبر مفاوضات هنا، وتنسيق أمني هناك، وانقسام في غزة، والضفة، إلا أن الفتيل ما زال مشتعلاً، وأن شعبنا الفلسطيني قادر على المحافظة على انتفاضته رغم كل هذه الظروف وغيرها، وان كل محاولات إجهاضها ستبوء بالفشل. وهنا لا زالت الضفة الغربية متمسكة لحتى الآن بشعلة الانتفاضة وإن خفت نوعاً ما عملها.
السؤال الثالث: كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين دائماً السباقة في التعبير عن مواقفها الرافضة للتسوية السياسية وحالة الهبوط السياسي للقيادة المتنفذة، ولحالة تفردها في القرار داخل المؤسسات الفلسطينية، لماذا لم تنجح الجبهة حتى الآن في استثمار مواقفها الواضحة والرافضة لهذه السياسة في موقف ضاغط يجعل القيادة الفلسطينية تستجيب لحالة الإجماع ولقرارات المؤسسة الفلسطينية؟
شكّلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ انضمامها لمنظمة التحرير الفلسطينية، موقفاً مبدئياً رافضاً لكل السياسات الخاطئة والفردية لقيادة المنظمة، بل وقادت الحالة الرافضة لكل الخروقات من هذه القيادة ومخالفاتها لمواقف الإجماع الفلسطيني، والتي كان التوقيع على اتفاقية أوسلو باسم المنظمة دون مراعاة موقف الإجماع الرافض لها احدى فصولها التي تسببت في مواجهة سياسية بين الجبهة وهذه القضية، وأدت في أكثر من مرة إلى انسحاب الجبهة من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، تنديداً ورفضاً لهذه السياسة التي ألحقت الشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية في كارثة حقيقية، وأنتجت فساداً في منظومة السلطة والمنظمة ما زالت تطغى على المشهد الفلسطيني دون حسيب أو رقيب. ورغم أن الجبهة قادت هذا الرفض بكل مسئولية وواجب وطني، إلا أنها لا تستطيع وحدها مواجهة هذا التيار الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه ، مطلوب موقف وطني ضاغط نستطيع من خلاله استثمار حالة الإجماع الوطني في الضغط على هذه القيادة للتراجع عن قراراتها الفردية، ويتقاطع معه إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني بمشاركة كافة أطياف الشعب الفلسطيني، وأهمية انضمام حركة حماس والجهاد الإسلامي فيه، من أجل أن تعود المنظمة الحصن الكبير والمنيع لثورتنا الفلسطينية، نستطيع من خلالها قيادة النضال ضد الاحتلال، فمعركتنا لا زالت تحتاج مزيداً من الوقت لكي نحقق الانتصار فيها وتحتاج الكل الفلسطيني، يداً بيد وكتفاً بكتف.
السؤال الرابع: شهدت السنوات الأخيرة حالة انحسار كبيرة لعمليات المقاومة العسكرية ضد الاحتلال، وخصوصاً من الجبهة الشعبية، ما برأيك السبب؟ وما هو الحل؟
نعترف بأن عمليات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تراجعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ولكن يجب علينا التعامل مع هذا الموضوع من منظور آخر أشمل وأكبر من حالة المقاومة داخل الجبهة الشعبية، وهي أسباب تراجع المقاومة الفلسطينية للفصائل جميعاً، وعلى رأسها الجبهة. فهذه الحالة التي تنطبق على الجبهة الشعبية وذراعها العسكري والذي نعترف ونقر بها، تنطبق على جميع فصائل المقاومة الفلسطينية، وأنا لا أستطيع هنا أن أبرر هذا الضعف باستمرار التنسيق الأمني، وملاحقة قوات الاحتلال للمقاومة فقط، فالعامل الموضوعي والذاتي لدى فصائل المقاومة كان سبباً رئيسياً في ضعف وانحسار عمليات المقاومة، ويختلف هذا الموضوع من فصيل لآخر حسب ظروفه الداخلية، فهناك من يستخدم قوته العسكرية كتكتيك للحفاظ على سلطته، وتسخير كل قواته لملاحقة المقاومة ومنها من توجيه ضربات للاحتلال التزاماً بالتهدئة، وهناك من يطارد المقاومة وينسق أمنياً مع الاحتلال، ويواصل استهداف المقاومة والمخيمات للقضاء على أي بؤر ثورية هناك. ويكفي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وجناحها العسكري الممول ذاتياً شرف المحاولة أكثر من مرة لاختطاف جنود في الضفة، بالإضافة إلى موقفه الرافض لأي تهدئة مع العدو الصهيوني، ومواجهته وحتى دفع ثمن رفضه ومواجهته لزمر التنسيق الأمني .