ليس ثمة شك في أن منطقة الشرق الأوسط، وقلبها الوطن العربي، أمام حقبة جديدة، جوهرها: تقدم المشروعين القوميَّيْن الإيراني والتركي، عدا تمادي المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، على حساب العرب ومراكز قوتهم الأساسية. وليس ثمة شك في أن نظم الهوان والتبعية للمشروع الإمبريالي الغربي هي المسؤولة عن بلوغ الأمة العربية وضعية مفوَّتة تكاد تكون خارج التاريخ من ناحية مساهمتها في العلوم والصناعة والسياسة الدولية. ومؤشرات ذلك جلية إلى درجة أن يقال: إن أفريقيا تتصنع والعرب لا، وإن الأمية تندثر في جنوب آسيا فيما هي 40% لدى العرب، وإن عائدات النفط العربي التي تناهز 700 مليار $ سنويا لم تفض إلى مكانة سياسية للعرب في النظامين الإقليمي والدولي، أو إلى بناء مدينة عصرية واحدة، بل قادت إلى تكريس نظم عربية وراثية تحكم شعوبها كـرعايا خارج سلطة القانون والدستور، وإلى تسعير التناقضات البينية والبنيوية بين الأنظمة العربية إلى درجة أن يجري تدمير أكثر من قُطر عربي بتغطية مالية وسياسية عربية. فالعراق تم احتلاله وتدميره، وسورية ما انفك يفتك بها صراع تحول إلى صراع عليها، وليبيا صارت دولة مليشيات بامتياز، والسودان انفصل جنوبه عن شماله المرشح للمزيد من التقسيم، واليمن مرشح للانقسام مجدداً، ومصر، الدولة العربية المركزية، تضربها موجة جديدة من الارهاب التكفيري، حالها في ذلك حال أكثرية الدول العربية.
وهذه نتيجة طبيعية، فقد لعبت أنظمة الهوان والتبعية هذه دوراً أساسياً في محاربة والارتداد على أهم مشروع وطني مصري وقومي عربي قاده الراحل عبد الناصر قبل 60 عاماً، ما أفضى إلى تراجع نجاحات موجة الاستقلال الوطني، حيث لم تفضِ في التحليل الأخير إلى استرداد فلسطين أو إلى بناء دولة قومية، بل ووصلت المشاريع القُطرية إلى طريق مسدود لناحية بناء دولة وطنية ديمقراطية ومستقلة اقتصادياً. والمفارقة هي أن تجربة الأمة العربية لم تتخلف في جانبي التحديث والحداثة عن تجارب أمم ما يسمى "العالم الأول" و"العالم الثاني"، فقط، بل تخلفت أيضاً عن تجارب أمم "عالم ثالثية" خضعت مثلها للاستعمار وحققت بعد استقلالها نجاحات سياسية واجتماعية واقتصادية جعلتها دول مستقلة وسيدة وقوية وذات دور ونفوذ فاعلين إن في محيطها الإقليمي أو في العالم، منها، (مثلاً)، الهند والصين واندونيسيا، عدا تخلفها عن تجربة بلدان أمريكا اللاتينية التي أفلت معظمها من نظام السيطرة والنهب الغربي، حيث لم تعد البرازيل، (نصف القارة اللاتينية مساحة وسكاناً)، (مثلاً)، مجرد مزرعة للبن كما أرادتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بل صارت دولة صناعية متقدمة لا يشكل البن عاملاً أساسياً في اقتصادها. ولنا أن نتخيل حال مصر اليوم لو أن السادات لم يدرجها في مشروع "انفتاح السداح مداح" الذي انقلب على مشروع عبد الناصر التنموي الانتاجي المستقل المرتكز على التصنيع المدني والعسكري بوصفه شرط التنمية الأول في أي دولة "عالم ثالثية"، فما بالك في مصر التي أرادها مشروع الاستعمار الغربي مجرد دولة مُصَدِّرة للقطن، تماماً كما أراد البرازيل مجرد مزرعة مصدرة للبن.
والغريب العجيب هو ألا ترى أنظمة الهوان والتبعية العربية، والخليجية منها بالذات، أن تقدم المشروعين القومييْن الإيراني والتركي على حساب العرب كان نتيجة طبيعية لما اقترفت يداها على مدار عقود. والأنكى من ذلك هو أن تكون مشاعر الغضب والإحباط والخذلان هي محرك سياسة هذه الأنظمة، وسياسة النظام السعودي منها بالذات، تجاه اضطرار حليفها الولايات المتحدة إلى التراجع عن شن عدوان عسكري على سورية، وإلى العمل على تبريد جبهة الصراع مع إيران، وإلى أخذ مواقف القطبين الروسي والصيني وبقية دول "مجموعة البريكس" بعين الاعتبار في معالجة هذيْن الملفين، بل وفي معالجة القضايا والصراعات الدولية عموماً. يحيل بناء هذه الأنظمة لسياستها على الغضب إلى تناسي أن السلوك السياسي الجديد للولايات المتحدة إنما يعكس ما تعانيه والاتحاد الأوروبي من أزمة اقتصادية، وما طرأ من تحولات في ميزان القوى الدولي. وبهذا وذاك، عدا النتائج الكارثية لحروب بوش الابن، لم تعد الولايات المتحدة قطباً منفرداً في السياسة الدولية ونظامها وقراراتها ومؤسساتها، ما يجعل "حرد" من رهن نفسه من الأنظمة العربية للإرادة الأمريكية غير ذي جدوى، ومجرد تهرب من مسؤوليته الخاصة عما آلت إليه حاله، بل وتجاهل لمتطلبات مواجهة راهن الحالة العربية التي لا يلبيها إلا استخدام أوراق القوة العربية. وهو ما لا يكون إلا بالاستجابة لمطالب الشعوب العربية المنتفضة في الحرية والكرامة والاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية، وفي تجديد البنى التنظيمية الرسمية والشعبية، وتقديم البرامج الواضحة للناس، وإفراز قيادات وطنية قومية ديمقراطية قادرة وكفؤة وحازمة وذات رؤية لقيادة مرحلة جديدة.
أما غير ذلك فليس غير استمرار لتغييب حقيقة تاريخية، جوهرها: أن الأمم غير العربية في المنطقة، كالأمتين الإيرانية والتركية، (مثلاً)، تعاملت مع موضوعها بشكل غير الذي اتبعته أنظمة الهوان والتبعية العربية منذ الارتداد على ما أرسته مصر بقيادة محمد علي ثم بقيادة عبد الناصر من مشروع قومي عربي. فقد حافظت كل من إيران وتركيا على كيانها القومي، وتعاملت مع العقيدة كمصدر شرعية في المحيط. فمنذ نهاية القرن السادس عشر كان هناك مشروعان في المنطقة: المشروع العثماني القائم على النهب واستحلاب الخراج والريع والتمدد العسكري في الأمصار المفتوحة، والمشروع الفارسي القائم على منافسة المشروع العثماني، إنما بطبيعة أخرى، فحواها: الحد من امتداد المشروع العثماني إلى بلاد فارس والحفاظ على الطبيعة الصفوية للدولة، ما حال دون إلحاقها، وجعلها كياناً مستقلاً، ورسخ مفهوم الدولة القومية، فهي لم تخضع لتقسيمات "سايكس بيكو" الغربية لأنها لم تكن ضمن تركة "الرجل المريض". هذا بينما حافظ كمال أتاتورك بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية على تركيا الطورانية بالقول: "حدود تركيا حيث تكون اللغة التركية هي السائدة"، ما جنب تركيا التقسيم والتفتيت، بل وحافظ على جنوب الأناضول، (المنطقة الكردية في تركيا)، تحت سيادة الدولة التركية.
هنا يتضح أن الضحية كانت العرب كقومية، ولم تكن تركيا التي عادت إلى حدودها القومية وحافظت على كيانها القومي، ولا كانت إيران التي حافظت بدورها على كيانها القومي، بل وقضمت في العام 1925 أجزاء عربية مثل منطقة الأحواز، (منطقة الشيخ خزعل)، الغنية بالنفط ويبلغ تعداد سكانها الآن 8 ملايين نسمة. هذا ناهيك عن أن إيران بعد ثورة 1979 استندت إلى تعزيز القومية الإيرانية في مواجهة مشروع النهب والسيطرة الغربي بقيادة الولايات المتحدة، بينما عزز الأتراك بدورهم قوميتهم بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، وإن عبر التحالف مع الغرب والانضمام إلى حلف الناتو. أما التفسير السوسيولوجي للارتداد على المشرع القومي العربي في سياسة أنظمة الهوان والتبعية العربية، وخاصة منذ العام 1979، فيكمن، أساساً وليس كلياً، في أن الاقتصاد الرعوي العربي تحول إما إلى اقتصاد زراعي فلاحي منتج في جنوب بلاد الشام وجزيرة الفرات ومنطقة الوادي في مصر، أو إلى اقتصاد ريع نفطي في بلدان الخليج التي صارت منذ اكتشاف النفط تحفر في عمق الصحراء بدل البحث عن المراعي في فيافيها. ما يعني أن عملية استقرار المجتمع العربي أخذت وجهين: الوجه الانتاجي لأهل المناطق الزراعية، والوجه الريعي لمن جاءتهم هبة النفط من السماء، حيث صار انتزاع الطبقة السائدة، (وللدقة العائلات الحاكمة)، للخراج ليس من منتجين مباشرين كما في حالة الاقتصاد الزراعي الفلاحي. هنا صارت العائلات الحاكمة التي تنتزع الخراج، (الريع)، من دون وجود منتجتين مباشرين، هي نفسها التي تقوم بإعادة توزيع هذا الخراج على "رعية" تشعر بالامتنان لهذه العائلات لأنها لا تأخذ منها بل تعطيها. وهذا ما خلق التشويه الأهم في علاقة الحاكم بالمحكوم، حيث صارت مهمة الدولة هي توزيع الريع لأن حكامها لم يندرجوا في عملية انتاج بتعقيداتها الكلية والشاملة، ما قاد إلى إعادة انتاج ثقافة رعوية لا تطمح إلى أكثر من الحفاظ على نظام سياسي صار خارج العصر، ما يجعله عاجز عن بناء دولة وطنية ديمقراطية مدنية حديثة ومستقلة، فما بالك أن يسهم في بناء دولة قومية تقوى على مصارعة المشروع الصهيوني المفروض بقوة الحراب في فلسطين، أو على منافسة المشروعين القومييْن الإيراني والتركي مع الحفاظ على ما هو مشترك معهما في التاريخ والحضارة والثقافة، أو على مجابهة مشروع النهب والسيطرة والتقسيم الغربي؟